مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والكاتب السوري عدنان عويد وقد صدر له من قبل العديد من الكتب في الإطار الذي يمثل اهتماما فكريا له من بينها «الديمقراطية بين الفكر والممارسة» و «إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل الى النفط» و«التبشير بين الأصولية المسيحية وسلطة التغريب» وأخيرا «معوقات حركة التحرر العربية في القرن العشرين».

وفي كتابه الجديد والذي يأتي تحت عنوان «الأيديولوجيا والوعي المطابق» يقدم عويد طيفا من القضايا الهامة التي تشغل الفكر العربي المعاصر رغم ما قد يبدو للقارئ من أن الكتاب قد يكون مغرقا في القضايا النظرية الصرفة.

يصدر المؤلف كتابه بدراسته الفكرية حول القضية التي يراها محورية واختارها عنوانا لكتابه مشيرا إلى أن مسألة الأيديولوجيا تعد من المسائل الفكرية التي لاقت من التعقيد والتشابك والتشويش والتجزؤ، بل والتفريغ المتعمد أو غير المتعمد وذلك لارتباطها، حسبما يشير، بالوعي وبالسياسة فضلا عن طبيعة التطور الهائل في العلوم النظرية والتطبيقية.

ورغم ذلك يؤكد عويد على ان المفهوم سيظل على حاله الأمر الذي يعكس كونه يشهد مئات التعريفات ومحاولات التحديد ما بين تعريفات نشوئية أو وظيفية أو بنيوية أو ماهوية وهنا فإنه يحاول المساهمة في تحديد الإطار المناسب للمفهوم من خلال حصر مجالات التضارب والتداخل.

في هذا السياق يشير لأنه كان لبروز ظاهرة الاشتراكية بعد انتصار ثورة 1917 ثم صعود نجم الفاشية والنازية في أوروبا تحت ستار الشعارات القومية الشوفينية الدور الكبير في ازدياد الاهتمام بمسألة الأيديولوجيا وتوجه العقول المفكرة في أوروبا الرأسمالية للتساؤل عن سر استعمار ظاهرة الاعتقاد الجماعي في منظومات فكرية كاسحة وذات ملامح سياسية؟

ثم يستعرض المؤلف في إطار هذه الدراسة لمفهوم الوعي المطابق الذي جاء طرحه كبديل عن الأيديولوجيا في إطار ما ذهب إليه كال منهايم من أن كل الآراء المتعلقة بالواقع الاجتماعي آراء أيديولوجية وبما أن كل أيديولوجية هي نوع من الوعي الزائف لكونها تتضمن قدرا من التحريف والتشويه فهي اذا عنده حقيقة نسبية.

من هذه القضية المغرقة في النظرية ينتقل المؤلف إلى الغوص في عدد من قضايا التنوير والنهضة مستوقفا بالنسبة لقضية التنوير عند ما أثاره البعض من أن مثل ذلك الحديث يتطلب تحديد نوع الظلام الذي نواجهه؟

وبعد أن يشير الى التخلف الذي نحياه يذكر أن أسباب هذا التخلف هي التي كانت وراء طرح المشروع النهضوي التنويري العربي في اتجاهيه المادي والفكري معا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

أما المهمة الرئيسية التي شكلت محور الاهتمام النهضوي فهي التغلب على التخلف القائم في ظل الدولة العثمانية الإقطاعية وكسب الاستقلال القومي، ونظرا لغياب جملة الشروط الموضوعية والذاتية القادرة على تحقيق هذا المشروع ويأتي في مقدمة هذا الغياب، وفق ما يذكر عويد، في دراسته «قراءة نقدية في بعض منطلقات الخطاب التنويري - النهضوي العربي» الحامل الاجتماعي أخذ يبرز دور النخبة المثقفة في حمل هذا المشروع وأعبائه.

غير أن المؤلف يخلص من استعراضه لهذه القضية الى أن الخطاب التنويري الذي طرحه هؤلاء المتنورون العرب لم يستطع أن يؤسس لقيام ثورة حقيقة، لنهضة عربية تتجاوز فيها الامة كل أشكال الظلام الذي فرضته الدولة العثمانية عليها عبر أربعة قرون.

وهو ما أرجعه الى عدم توافر الشروط الحقيقية الموضوعية للثورة/ النهضة، والذي أظهر، وفقا للكتاب، حالة الخلل القائم ما بين الفكر التنويري المطروح في صيغته الليبرالية والواقع المتخلف في علاقاته الإقطاعية.

واستمرارا للنسج على نفس منوال هاجسه البحثي يعيد المؤلف البحث في قضية نهوض الأمة من خلال دراسة أخرى تمثل أحد مواد الكتاب هي «الأمة ووعي الذات» ومن خلالها يقرر أن ما تعانيه أمتنا العربية الآن من تخلف وتبعية وتجزئة يدفعنا للتساؤل عن أسباب هذا التردي من جهة، مثلما يدفعنا للتساؤل عن الوضعية التاريخية الراهنة لمقومات القومية؟

وبالتالي عن درجة وعي الأمة العربية لذاتها، وما هي الآفاق المستقبلية لهذا الوعي في مضمار التحولات العالمية الجديدة ونظام العولمة.. الخ؟

وبعد استعراض مفصل لحال العرب في ظل الدولة الإسلامية وفي ظل الدولة العثمانية، يصل المؤلف الى نتيجة ينصف من خلالها المتنورين العرب النهضويين في القرن التاسع عشر، معتبرا أن ما قام به هؤلاء من تحريض لتأكيد الذات العربية المضطهدة والمستلبة في ظل الدولة العثمانية والاختراق الغربي لهذه الدول بنيويا ورغم كل حالات الحصار الموضوعية والذاتية التي فرضت على عملية التحريض تلك، إلا أن تلك العملية استطاعت أن تدفع الوعي القومي العربي أشواطا بعيدة إلى الأمام.

وجريا وراء سؤال النهضة الذي شغل ويشغل الباحثين والمفكرين النهضويين العرب منذ أكثر من قرن، يقرر المؤلف أن الإجابة ليست سهلة خاصة في ظل الظروف الدولية الجديدة التي يمر بها العالم والأمة العربية على السواء.

ويضيف: فالأمة العربية تتعرض الآن في ظل النظام العالمي الجديد الى حالة من الهيكلة بطريقة تتناسب مع حركة رأس المال المالي الاحتكاري العالمي.

وعلى ذلك فإعادة الهيكلة للعالم العربي في مضمار النظام العالمي الجديد تهدف إلى إلغاء مقومات وجود الأمة العربية عبر اختراق قيمها ليس المادية فحسب بل والمعنوية أيضا مركزة في هذا الاتجاه على قيمها الأخلاقية وعاداتها وسلوكياتها لتسييد نمط آخر من القيم والعادات هو نمط المجتمع الاستهلاكي.

وعلى ذلك يشير المؤلف في نظرة تتجاوز إطار الفكر إلى التطبيق على واقعنا المعاصر الى أن النظام العالمي الجديد يريد عمليا إلغاء مقومات الأمم الأخرى أي إلغاء السمات والخصائص التي تميز عمليا كل أمة عن غيرها.

وفرض «كوزموبوليتية» جديدة، موضحا أنه اذا كانت مسألة السوق الشرق أوسطية تأتي الآن في مقدمة التدابير العملية التي ينتهجها الغرب عموما وأميركا على وجه الخصوص من أجل محو فكرة القومية العربية في إطارها الجغرافي من ذاكرة الوطن وترسيخ فكرة جيواقتصادية أو جيوسياسية بدلا عنها فإن ما تمارسه أميركا عبر ثورتها التكنولوجية - المعلوماتية من تسويق لبرامج ثقافية تحمل في مضامينها قيما وأخلاقا وسلوكيات ما هي الا تكملة للمشروع «الكوزموبوليتي» الجديد بنموذجه الأميركي الاستهلاكي.

ورغم ذلك فإن النتيجة التي يخلص اليها هي ضرورة التسلح بما ذهب اليه ابن خلدون في قوله «تتحدد أحوال الناس بتحدد نحلتهم من المعاش»..

فلا يجب على الإنسان أن يستسلم للتاريخ، بل عليه أن يقوم بمعاندته دائما من أجل أن يتغلب عليه، بيد أن هذه المعاندة لا تعني أن يقوم بلي عنق التاريخ وقسره بالطريقة التي يريدها وإنما المقصود بالمعاندة هنا أن يقوم الإنسان باكتشاف قوانين الواقع والتسلح بمعرفتها، وبالتالي تسيير التاريخ وفقا لآليته مدفوعا بإرادة الإنسان وتفكيره.

واستكمالا للإطار العام للموضوع الذي يقدمه الكتاب يعرض لنا المؤلف في سياق دراسة حول «غزو ثقافي أم حوار ثقافات» للجدل الذي دار حول هذه القضية منتهيا الى التأكيد على أن الأمر لا يمكن أن يصل الى حد المطالبة بعدم ثقافتنا بكل ما فيها، أو أن يتم إحلالها بالثقافات الأخرى.

وإنما كل ما نريده - يقول عويد - هو كيف نستطيع ان نتكئ على الجوانب العقلية في ثقافتنا أولا ثم كيف نستطيع أن نتفاعل ثقافيا مع الحضارات الأخرى الأقوى من حضارتنا الآن دون أن نخسر ذاتنا ثانيا هذا مع إدراكنا العميق بأنه ليس من الممكن محاكاة حضارة او مدنية في مظاهرها الخارجية دون أن يتم التأثير في الوقت نفسه بروحها.

وعروجا على قضية أخرى ذات صلة يتطرق المؤلف الى «الدين بين العقيدة والأيديولوجيا». في هذا السياق يستعرض قضية ما يسميه التفسير الأيديولوجي وحاكمية النص، معتبرا ان ما يصفه بالموقف الأيديولوجي يعمل على عدم السماح بالخلاف في التفسير او التأويل إلا في الفروع وفي حدود الترجيح بين أراء القدماء للاختيار منها ما يناسب الحدوث على اعتبار أنه لا اجتهاد في موضع النص، وهنا يقرر المؤلف أن الاجتهاد يكون محكوما بالضرورة بأطر لا تمت الى الحياة والواقع بصلة رغم تغير الواقع وتبدله باستمرار.

ويصل المؤلف من هذا التناول الى القول بأن رفض تاريخية الواقع أي حركته وتطوره وتبدله وفق هذا الموقف الايديولوجي يعني الإقرار بأن مفهوم التقيد والخلاص هو العودة دائما الى الوراء الى الماضي إن كان كمنطلق نحو الحاضر أو كأصول تمثل برمتها التقدم..

وهذه هي البيئة الفكرية التي تنطلق منها الأصولية.ويخلص المؤلف من استعراض تفصيلي لموضوعه الى التأكيد على التزام الموقف العقلاني من الدين، دعوة لسلطة العقل على النقل، هذه السلطة التي تأسس عليها، حسبما يذكر، الوحي ذاته. بيد أن هذا العقل ليس هو العقل بكونه آلية ذهنية صورية بل بما هو فعالية اجتماعية تاريخية متحركة.

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب: لايديولوجيا والوعي المطابق

*الناشر: التكوين للطباعة والنشر

دمشق 2006

*الصفحات: 191 صفحة من القطع الكبير