مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب السوري قاسم الشواف المهتم بالتاريخ القديم لسوريا الطبيعية وبلاد ما بين النهرين، وأصدر العديد من الكتب في هذا المجال، منها: (ديوان الأساطير: الموت والبعث والحياة الأبدية، ج4)، و(ديوان الأساطير: الحضارة والسلطة، ج3) و(ديوان الأساطير: الآلهة والبشر، ج2)، و(ديوان الأساطير: أناشيد الحب السومرية، ج1)، و(أخبار أوغاريتية وموسيقى من أوغاريت).
ويسعى المؤلف في كتابه الجديد (فلسطين: التاريخ القديم الحقيقي منذ ما قبل التاريخ حتى الخلافة العباسية) إلى تفنيد ودحض التضليل التاريخي الصهيوني الذي مارسه المفكرون اليهود بالتنسيق مع الدول الاستعمارية المهيمنة، وتبنته مراكز الدراسات الأوروبية والأميركية.
والذين روجوا لمقولة أن فلسطين كانت (أرضاً بلا شعب)، وقد جاء الإسرائيليون الأوائل ليكونوا (الشعب الذي يحكم فلسطين الأرض) وينشئ فيها (دولة) اسرائيل.
واستخدم المؤلف لأجل ذلك أدواتاً منهجية في البحث والتحليل، تنهض في الأساس، على حفر عميق في تاريخ فلسطين القديم منذ مراحل ما قبل التاريخ وما قبل الرسالات السماوية، مستعرضاً بالتسلسل الزمني حضور دولة فلسطين، قبل اليهودية وبعدها، في كل من الممالك الفرعونية والآرامية والآشورية والبابلية.
ولا يستثنى من ذلك، مرحلة الحكم الفارسي لفلسطين، واجتياح الاسكندر المقدوني أراضيها، يلي ذلك مرحلة الحكمين الروماني والبيزنطي وصولاً الى الفتح العربي ونهاية الخلافة العباسية.
وعليه فإن الهدف من الكتاب هو الكشف عن التزوير ونسف الأسس الذي قام عليها في تحريف تاريخ فلسطين بالاستناد إلى الأدلة التاريخية والتحليلية العلمية الموثقة، وإلى حقائق ووثائق تاريخية قديمة لا يرقى اليها الشك، يرجع بعضها الى ما قبل قيام الديانة اليهودية.
كما يستند إلى العديد من المكتشفات التاريخية الأثرية التي تؤكد، على نحو دامغ، وجود فلسطين، والانصاب التذكارية والنقوش القديمة التي ورد فيها اسم فلسطين وتاريخها القديم، وكُتبت على جدران معابد أتباع الحضارات والديانات التي سبقت مجيء اليهودية.
لا يكتفي المؤلف باستعراض التاريخ الحقيقي لأرض فلسطين وشعب فلسطين منذ مراحل ماقبل التاريخ ، بل يشير إلى دور كل من مصر الفرعونية وأرام وأشور وبابل، كما يستعرض مراحل الحكم الفارسي، ثم دخول الإسكندر الكبير المنطقة ومن بعده القادة السلوقيون، كما يستعرض فترة الحكم الروماني والبرزنتي ليتوقف عند الفتح العربي ونهاية الخلافة العباسية.
ولا شك في أن التاريخ الحقيقي لكل بلد أو أمة هو الذي تدعمه الحقائق التي تبنيها الوثائق التاريخية القديمة، التي لا لبس فيها، وتبنيها المكتشفات الأثرية، التي حفظتها ذاكرة الأرض في البلد نفسه أو في البلدان المجاورة ذات العلاقة والمعاصرة.
كما تبنيها الأنصاب التذكارية التي أقامها الملوك ولا تزال قائمة حتى الآن، أو التي نقشوا تفاصيل محتواها على جدران معابدهم وبقيت تشهد على أعمالهم. ويمكن القول بأن التاريخ القديم الحقيقي، هو الذي تغرس معالمه في وجدان أطفال الأمة، لينمو حقيقة في نفوسهم، وتتثبت دعائم بنيتهم لى أساسه.
غير أن التزوير، بشكل خاص، عرفته فلسطين أكثر من أي بلد آخر، بحيث شوه تاريخها وحمل بذور هدم لا علاقة لها بها. لكن الدراسات التاريخية أخذت تشهد في الآونة الأخيرة، تعديلاً جذرياً في المواقف المتداولة التي جرى التسليم بها زمناً طويلاً من قبل مراكز الابحاث الأوروبية والأميركية المؤيدة لاسرائيل. وأبلغ مثال على ذلك هو كتاب من إعداد باحثين يهوديين، هما:
(إسرائيل فينكلشتاين) الذي يشغل منصب مدير معهد الاركيولوجيا في جامعة تل أبيب ويقوم بحفريات اثرية، وزميله (نيل ألدر سيلبيرمان). وقد صدر كتابهما في نيويورك في العام 2001 بعنوان (التوراة مستخرجة من التربة). ويعتبر فيه هذان المؤرخان أن معبد أورشليم، حتى في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن عازلاً لبقية العبادات بل كان مشتركاً بين جميع المعتقدات وأسوة بسائر المعابد في الشرق الأوسط القديم.
لكن (قوة الاقناع) في التوراة تمثلت في ابتداع أسطورة المملكة الموحدة لداود وسليمان، وذلك في محاولة لإقناع العالم كله بأنه، منذ ذلك الزمن، أدت القدس (مدينة داوود) دوراً أساسياً في تجربة اسرائيل القديمة، علماً أن المدينة في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، يوم ابتُدعت أسس الاساطير الايديولوجية، لم تكن مساحتها تزيد على أكثر من قرابة الستين هكتاراً، وأن عدد سكانها لم يكن يتجاوز خمسة عشر ألف نسمة.
ويستنتج هذان المؤرخان بأن الأنبياء الأول، يوشع والقضاة وصموئيل، وقصة شعب اسرائيل منذ اجتيازه الأردن والاحتلال وتأسيس الملكية ثم الانكسار والسبي على يد الأشوريين والبابليين، كتبت جميعاً بين منتصف القرن الثامن ونهاية القرن الخامس قبل الميلاد.
أما ما تبقى من المراثي والابتهالات والأمثال والمزامير، فقد تم تأليفها، على ما يظهر، بين القرنين الخامس والثاني قبل الميلاد. ويرى المؤلف أن معظم المكتشفات التي اعتبرت مع التضخيم والتفخيم مثبتة لما أرادت إثباته جماعة المدافعين تم تكذيبها تدريجياً. ومن حسن الحظ بدأت منذ السبعينات تظهر مؤلفات تصحح وتقوّم، ورغم محاربتها بضراوة، لم يكن هناك مجال لتكذيبها، نظراً لنقص الإثباتات ضدها.
ومن الطبيعي، لدى ظهور دراسات مثل هذا النوع تصحح الادعاءات وتثّبت نصوص الأدلة والتناقضات الرهنية الكرونولوجية، أن يلجأ البلد المتألم من تلك الأكاذيب، فلسطين والبلاد العربية بكاملها الى نقل مثل هذه الدراسات الى اللغة العربية احتراما للمعرفة والحقيقة، على الرغم من أنها في هذه الأزمنة السوداء تغطيها غطرسة القوة التي تعتبر نفسها فوق الحقيقة.
وتبيّن الكتابات التاريخية الجديدة أنه كلما تقدمت الحفريات في المواقع والمدن التي اشارت اليها المرويات، كانت التساؤلات تفرض نفسها حول قضايا الوجود الحقيقي للآباء الأول، إضافة الى مسألة الخروج وأهميته وحقيقته.
وعليه، أخذت تبرز، في عقد السبعينات الماضية، نظرة جديدة تعتمد على التنقيبات الأثرية. بالرغم من أن بعض المتخصصين يعتقدون أن الفترة المسماة بالمملكة الموحدة، أي قبل الانقسام، بلغت مرحلة الدولة، بمفهومها الحقوقي والاجتماعي الكامل، منذ حكم داوود وسليمان.
ويمكن القول إن مفهوم الدولة لم تحققه مملكة يهوذا الجنوبية الا في نهاية القرن السابع قبل الميلاد، كما أن المنقبين المتخصصين، يستطيعون اثبات أن الكتب الخمسة الأولى، بما في ذلك كتاب (التثنية) تم تأليفها جميعاً.
وعلى نحو مؤكد، خلال نهاية القرن السابع قبل الميلاد. وأن معظم ما نعتبره، بصورة عامة كواقع تاريخي بما يشمل قصص الآباء الأوائل والخروج واحتلال بلاد كنعان وملحمة (الفترة المجيدة) لحكم داوود وسليمان، هو عبارة عن (حماسة خلاقة) تم ابتداعها لدعم حركة اصلاحية دينية قامت في مملكة يهوذا بين العامين 639 و609 قبل الميلاد.
ويخلص المؤلف إلى أن أهم ما يمكن الوصول إليه هو أنه ليس ثمة أي دليل في الاراضي المرتفعة من فلسطين، على احتلال داود أو تأسيسه امبراطوريته.
إذ في الوديان ثمة تتابع للثقافة الكنعانية من دون توقف أو تعديل. أما حكم سليمان الذي تذكر المرويات أنه بنى المعبد والقصر في القدس، وكان في الوقت نفسه كثير الاهتمام بكل من مدن: ماجد وحاصور وجازر، فلم يعثر، في هذا السياق، على أي أثر لعمارة ذات أهمية في القدس. كما لم يُعثر على أي بناء ذي أهمية في المدن الأخرى.
كذلك فإن أرض فلسطين لم تفرغ فقط من سكانها ومن شعبها منذ ما قبل الألف العاشر قبل الميلاد وحتى اليوم، ولم تكن قد أرضاً مباحاً، توزع بين (أسباط) من ادعوا احتلالها، ولم يكن ذلك بصحيح، كما أنها لم تكن في يوم من الأيام، (الأرض التي لا شعب لها لشعب بلا أرض) كما ادعت الحركة الصهيونية.
وكانت اللهجات التي تكلم بها شعب فلسطين لهجات عربية قديمة، وليست لهجات سامية وفق مصطلح مستوحى من التوراة لا أساس له من الصحة، تبناه في العام 1875 م عالم نمساوي وصنفت لهجاتنا القديمة على أساسه. فاللهجات الكنعانية والآرامية والأوغاريتية والأكادية والسبئية والمعينية والأمهرية ... جميعها لهجات عربية قديمة وليست لغات سامية، لا شرقية ولا غربية.
ومنذ الاحتلال الصهيوني الحديث لأرض فلسطين، قام المحتلون بحماسة كبيرة، بإجراء حفريات أثرية في جميع الأماكن ولم يعثروا على أي دليل تاريخي يدعم أسس مروياتهم القديمة.
ونظراً إلى خلو المكتشفات الأثرية في فلسطين مما يدعوا المرويات التوراتية المؤسسة، فإن منقبين جدداً وباحثين إسرائيليين، عرضوا في منشوراتهم ما يشير إلى ذلك، واعترفوا بخلو أرض فلسطين مما يثبت المرويات التوراتية، في ما يتعلق بأسس علاقتهم بها وجذورها.
ويعتبر المؤلف أنه وبعد استبعاد أسطورة الخروج من مصر واحتلال أرض كنعان وتوزيعها المزعوم بين الأسباط وأسطورة المملكة الموحدة لداوود وسليمان، لا يبقى سوى مملكة في شمال الفلسطيني عرفت بمملكة السامرة التي كانت تعمها المعتقدات الكنعانية. وكان سكانها مزيجاً آتينا يماثل ما عرفته ممالك الساحل، وشجعته على ذلك التجارة والإنتاج المحلي والانفتاح.
وكذلك التعاون مع آشور، ثم طغت عليه سياسة التهجير الآشورية بعد إبعاد قسم من سكانه ونقل سكان جدد إليه من مناطق بعيدة من الإمبراطورية، ومن مناطق قريبة مقابل القبائل العربية.
وحدث ذلك و خلال فترة قصيرة تقع بين 853 ق.م، يوم هاجم شلمنصر الثالث حلف آرام دمشق، وحتى تحويل السامرة إلى منطقة آشورية من قبل شلمنصر الخامس قي العام 722 وسبي أهالي السامرة في العام نفسه من قبل سرجون الثاني. ولم تدم تلك الفترة إذن إلا حوالي 130 سنة وبقيت خلالها تدفع الجزية لآشور.
وهذه هي القصة، قصة السامرة (الشمال فلسطين) التي كرهتها المرويات التوراتية وألفت العديد من الأسفار، متهمة إياها بأنها (تمومست) أمام فرسان آشور، وباعتهم جسدها، بالإضافة إلى كونها كنعانية الانتماء.
عمر كوش
*الكتاب: فلسطين
*الناشر: دار الساقي
بيروت 2006
*الصفحات: 326 صفحة من القطع الكبير
