ساهم في تأليف هذا الكتاب الضخم ما لا يقل عن ثلاثين باحثا من أساتذة الجامعات الفرنسية. وأشرف عليه كل من الباحثين جان شارل دارمون وميشيل ديلون.

والأول هو أستاذ في جامعة سان كانتان وعضو المعهد الجامعي لفرنسا. وأما الثاني فهو أستاذ الآداب الفرنسية في السوربون. ويتحدث الكتاب من جملة ما يتحدث عنه عن معارك المفكرين في عصر التنوير ويقول: لا ريب في أن الحركة النقدية للعقائد المسيحية كانت قد ابتدأت في القرن السابع عشر، ولكنها لم تبلغ ذروتها إلا في القرن الثامن عشر: عصر التنوير.فالمفكر الفرنسي ريشار سيمون طبق النقد التاريخي على التوراة والإنجيل منذ عام 1698، أي في أواخر القرن السابع عشر، ودشن بذلك حقبة جديدة في التنوير الديني العقلاني. وكشف عن العلاقات الكائنة بين هذه النصوص والتاريخ بكل ملابساته اللغوية والاجتماعية والثقافية. فالنصوص الدينية لها علاقة بالتاريخ أيضا وليس فوق التاريخ إلا بمقاصدها الروحية والأخلاقية السامية.

ولكنه أثار عليه حقد التيار الأصولي في المسيحية، فحاربوه وحاصروه إلى درجة أنه اضطر في آخر حياته بعد أن تجاوز السبعين إلى حرق مخطوطاته في البرية خوفا من أن يكبسوا عليه ويجدوها عنده. ولكن ريشار سيمون هذا يظل رجل دين ولا يتحدث عن المسيحية من الخارج كما سيفعل فلاسفة التنوير لاحقا وإنما من الداخل. ومع ذلك فقد لاحقته الكنيسة ومحاكم التفتيش ونغّصت عيشه.

والواقع أن الأصوليين راحوا يلاحقون كل أتباع الأفكار الجديدة الناشئة عن الفلسفة الديكارتية. وراحوا يتهمونهم في إيمانهم ومعتقدهم وينعتونهم بالكفر والإلحاد على الرغم من أن معظمهم لم يكن ملحدا أبدا وإنما فقط مؤمنا عقلانيا: أي مستنيرا. ولكن الأصولي المتعصب لم يكن بفرق بين الإلحاد والإيمان المستنير.

فإما أن تؤمن مثله، أي بطريقة عمياء مغلقة ومتعصبة وإما أن يتهمك بالكفر والخروج على الدين. ولهذا السبب اضطر الكثيرون من الفلاسفة إلى الهروب من فرنسا في ذلك الزمان خوفا على حياتهم.ثم يردف الكاتب قائلا: في أواخر عصر التنوير، أي عام 1793 ظهر كتاب هام للفيلسوف كوندورسيه تحت العنوان التالي:

رسم المخطط التاريخي للروح البشرية (1793). وفيه يقول المؤلف بأن أساتذة الفكر الجديد في أوروبا هم الإنجليزي فرانسيس بيكون، والإيطالي غاليليو، والفرنسي رينيه ديكارت. فهم الذين قدموا المنهج الفكري الجديد لأوروبا. وقالوا بما معناه: منذ اليوم فصاعدا لا ينبغي علينا أن نقبل كل ما وصلنا عن تراث الأقدمين وكأنه حقائق مطلقة.

هذا ما تقوله مؤلفة هذا الفصل من الكتاب على لسان كوندورسيه وهي الباحثة نيكول جاك لوفيفر الأستاذة في جامعة باريس نانتير حاليا. ثم تردف قائلة على لسان كوندورسيه: لا ينبغي على الإنسان الأوروبي بعد اليوم أن يصدق كل ما جاء في كتب التراث المسيحي وكأنها حقائق مطلقة، معصومة.

وإنما ينبغي أن يضعها على محك النقد العقلاني لكي يكشف عن صحتها أو خطئها. فالله زود الإنسان بالعقل لكي يستخدمه لا لكي يلغيه كما يدعونا إلى ذلك المتزمتون الأصوليون في المسيحية. فهم يحشون عقول الشعب حشوا بأفكار التواكل، والتسليم، والغيبيات، والخرافات، والمعجزات. وهكذا يساهمون في إلغاء عقولهم: أي أفضل ما أعطاه الله لهم.

ثم تردف المؤلفة قائلة: في الواقع أن رينيه ديكارت كان أول من أقام التمييز بين الاعتقاد الديني والمعرفة العلمية العقلانية. وقد جاء ذلك في كتابه الشهير: تأملات ميتافيزيقية.

وهو كتاب صدر لأول مرة عام 1641: أي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وبالتالي فديكارت هو أستاذ كل فلاسفة التنوير في فرنسا من فولتير، إلى ديدرو، إلى جان جاك روسو، إلى كوندورسيه إلى عشرات الآخرين. فديكارت هو الذي دشّن الثورة الراديكالية في تاريخ الفكر الفرنسي والأوروبي كله.

وكان ذلك عندما نصّ على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي علينا أن نفكك كل التصورات والأفكار الموروثة عن الأقدمين إذا ما أردنا أن نؤسس معرفة علمية دقيقة بالظواهر والقضايا أيا تكن.

وبالتالي فالمعرفة بالنسبة لديكارت كانت تتألف من حركتين: الأولى سلبية والثانية إيجابية. في الأولى نتخلص من كل الأفكار القديمة التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أو تشرّبناها مع حليب الطفولة في البيت والعائلة والكنيسة وحتى المدرسة. وبعد أن ننجح في هذه العملية الصعبة والخطرة يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الإيجابية ونشكل المعرفة الجديدة الصحيحة بالظواهر والقضايا. وبالتالي فينبغي أن تهدم قبل أن تبني، أو ينبغي أن تدمر قبل أن تعمّر.

هذا الكلام اعتبرته الكنيسة المسيحية بمثابة تدمير لها ولذلك حاربت الفلسفة الديكارتية بل ووضعت كتبها على قائمة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان، بمعنى أنه لا يحق لأي مسيحي أن يقرأها أو يقتنيها في بيته لأنها ضد الإيمان والعقيدة. إنها رجس من عمل الشيطان وسيعاقب الله كل من يهتم بها!وبما أن الكثيرين كانوا يطيعون وصايا البابا في ذلك الزمان فإنهم امتنعوا من قراءة الفلسفة الديكارتية.

ولكن الكثيرين أيضا قرأوها وبخاصة في أوساط النخبة المثقفة. والواقع أنهم وحدهم كانوا القادرين على قراءتها والإستفادة منها لأن أغلبية الشعب الفرنسي كانت أمية لا تحسن القراءة أو الكتابة آنذاك.

وربما زاد منع الكنيسة لها من إقبال المثقفين عليها طبقا للمثل القائل: كل ممنوع مرغوب. فهم يريدون أن يعرفوا ماذا فيها ولماذا منعت يا ترى.ثم تردف الباحثة الفرنسية قائلة:

في الواقع أن التصديق الأعمى أو التسليم بكل ما قاله القدماء لم يعد واردا بالنسبة للمثقفين المستنيرين في ذلك الزمان. فهم يريدون أن يتفحّصوا كل شيء على ضوء العقل لمعرفة فيما إذا كان صحيحا أم لا، ويريدون أن يغربلوا كل الأفكار والعقائد القديمة بعد وضعها على محك العقل والتجربة العملية.

فما أثبتت التجربة صحته آمنّا به وما لم تثبته طرحناه وتركناه حتى ولو كان صاحبه من أعظم القديسين في العصور الخوالي.

فلا يكفي أن يكون صاحب المقولة شخصا كبيرا شهيرا في تاريخ الكنيسة لم نصدق مقولته ونأخذها على حرفيتها كما تفعل عامة الشعب مع أقوال الباباوات ورجال الدين الكبار، وإنما ينبغي أن نغربل كل ذلك لفرز الصحيح عن الخاطئ. هذا ما يقوله البارون دولباك أحد فلاسفة التنوير الراديكاليين في كتابه الشهير:

نظام الطبيعة، وهو كتاب مضاد كليا للعقائد المسيحية ولا يعترف إلا بالعلم والتجربة العلمية المحسوسة لفهم نظام الطبيعة وظواهرها.

ولذلك وضع كتابه أيضا على لائحة أو قائمة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، وحاربوه محاربة شديدة بعد أن أصدروا الفتاوى اللاهوتية بتكفيره.

على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفلسفة والخرافات الدينية في الثقافة الفرنسية إبان عصر التنوير. وعلى هذا النحو أيضا راح الفلاسفة يحاربون أفكار التعصب الطائفي أو المذهبي التي كانت منتشرة آنذاك في صفوف الشعب كثيرا. ومعلوم أن معظم الدول الأوروبية كانت منقسمة طائفيا إلى قسمين كبيرين: قسم كاثوليكي تابع لبابا روما والفاتيكان.

وقسم بروتستانتي يكره البابا كرها شديدا. وعلى الرغم من أن كلا المذهبين كانا مسيحيين ويؤمنان بيسوع المسيح والإنجيل إلا أن بعض الخلافات العقائدية أو اللاهوتية كانت تفرق بينهما. ولذلك كان الكره شديدا بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي. وقد جرت مجازر عديدة بين الطرفين. وضد هذا التعصب نهض فلاسفة التنوير لكي يجتثوا الأفكار المتعصبة والطائفية من جذورها.

وقد نجحوا في العملية ولكن بعد صراع طويل ومرير... والحداثة الأوروبية كلها ليست إلا ثمرة هذا الصراع التاريخي.

*الكتاب: تاريخ فرنسا الأدبية

القرن السابع عشر والثامن عشر

*الناشر:المطبوعات الجامعية الفرنسية 2006

*الصفحات : 849 صفحة من القطع الكبير

Histoire de la France littéraire

classicismes (XVIIe- XVIIIe siècle)

Jean-Charles Darmon et®. Michel Delon

P.U.F -Paris 2006

p.84