ساهمت النخب الفكرية في تطور حركة التاريخ، وعمقت الإحساس بأهمية أن تكون الحضارة في موقع القوة والتصدير وليس السياسة أو الاقتصاد، لذلك وصلتنا أخبار أمم صغيرة جداً ولكنها عميقة حضارياً ولم تصلنا أخبار غيرها كبيرة جداً ولكنها مفلسة حضارياً وهكذا حول ماركيز كولومبيا الصغيرة إلى بلد كبير عبر سحر الكتابة وليس الوصاية الثقافية.

لان الوصاية الثقافية دور سلبي في ابتعاد الجماهير عن الثقافة كمفهوم عملي يساعد الإنسان على تقبل حياته والعيش بطمأنينة وسط المجتمع، حيث ان الثقافة تحوله من فرد في مواجهة العالم إلى فرد في مجموعة لديها قواسم كثيرة مشتركة.

الوصاية لها أشكال مختلفة في كل حقول الحياة، لكنها في الثقافة تبدو أكثر وضوحاً فهي وصاية تأسيسية تؤثر مستقبلاً على شكل الأمم ومنتجها الثقافي، وهي ببعديها الفردي والعام تلعب الدور نفسه.

فردياً يمكن أن يؤثر نهج شخص أو أسلوب تفكير على مجموعة فتتحول إلى نمط مقلد يستوحي مثاله من ذلك الشخص ويمشي على منواله، وبالتالي يتحول كل المنتج الثقافي إلى صيغة واحدة متشابهة، وعادة ما يكون التأثير الفردي لشاعر أو مفكر أو أي عامل في الحقل الثقافي الذي يتعامل مع المجتمع وقضاياه بمنطق فهمه الذاتي لتلك القضايا فهو عندما يكون سلفياً يريد من كل المنتج الثقافي أن يصب في هذا الحقل .

ويعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وعليه أن يكون المسيطر حتى لا يصيبها الضلال، وعندما يكون علمانياً فهو يستخدم الأدوات ذاتها ولديه ذلك الشعور بأحقية أفكاره، وفي الحالتين السلفي والعلماني عندما تتغير الأحداث يلومان كل شيء ممكن إلا أفكارهما.. فهي الحقيقة المطلقة.

الوصاية الأخرى هي وصاية عامة، وغالباً ما تقوم بها الدولة تجاه أبنائها وذلك عبر ثقلها الإعلامي والسياسي وامتلاكها لسلاح قوي تؤثر به على الناس فتعرض نظريتها على المجتمع ويتحول كل منتج ثقافي إلى نموذج مقلد لها، وبما يتوافق مع مسلمات فكرية ترى الدولة أن على الناس إتباعها ويكاد الأمر أن يصل إلى حد «تحت طائلة القانون أو المساءلة» في المجتمعات الشمولية.

وهم الوصاية الثقافية لعب دوراً سلبياً في تقدم الثقافة وانتصارها لقضايا الإنسان، وعمل ذلك الوهم على تأخر كثير من المجتمعات، بل ساهم في تراجع مجتمعات بأكملها بحجة الأفضلية للناس، ودائماً تستمد تلك الوصاية شرعيتها من جوانب دينية أو أيديولوجية أو غيرها من الحمايات الأخلاقية!

الثقافة لا تحتاج إلى وصاية من أحد. تحتاج إلى حرية.. حرية فقط، وبدون وصاية ثقافية يمكن للمبدعين ان يخلقوا أوطانا أكبر من حجمها الحقيقي مثلما فعل بيليه الذي جعل من البرازيل قارة من كرة القدم .

hussain@albayan.ae