مؤلف كتاب « الهفوات النادرة» هو « غرس النعمة : أبو الحسن محمد بن هلال الصابيء » و هو أول مولود على الإسلام من أسرته ، فقد رأى أبوه « هلال » في منامة رسول الله«صلعم » فدعاه إلى الإسلام و قال له : أنت رجل عاقل محصّل ، و الله يريد بك خيراً ، فلم تدع الإسلام الذي قامت عليه الدلائل و البراهين ، و تقيم على ما أنت عليه ؟
هات يدك و صافحني و هكذا أسلم هلال ، و تزوج من امرأة مسلمة و أنجبت له « محمداً» صاحب كتاب «الهفوات النادرة»سنة 416 هجرية نشأ «محمد» «غرس النعمة » في كنف أبيه و رعايته ، و عليه تخرّج في الإنشاء و الكتابة و الأدب ، و حين توفي والده ، ترك له ثروة كبيرة يسرت له السبيل إلى عيشة هانئة بعيداً عن المؤامرات .
و لذلك ظلّ محترماً عند الخلفاء و الملوك و الوزراء ، و كان ذا صدقة كثيرة و المترجمون يذكرون في جملة مآثره، وقفه دار كتب للناس ، غربي بغداد ، حيث كانت تحتوي على آلاف الكتب .
توفي غرس النعمة عن عمر نيّف على الستين ، و قد ترك لنا عدداً من الآثار بشهادة « ابن خلّكان » لكننا اليوم لا نملك إلا هذا الكتاب المهم ، و لعل لموضوعه أثراً في نجاته من الضياع ، فالكتاب أخبار طريفة .
و حكايات مسلية و نوادر ممتعة ، جمع « غرس النعمة» شتاتها من بطون الكتب ومن أفواه المعاصرين له ، ومن الأحداث المحيطة به و هذه الأخبار و الحكايات القصيرة ، تلتقي كلها حول موضوع أساسي و هو الهفوات الجارية على ألسنة المتحفظين المتحرزين ، والسقطات الآتية من الغارين الغافلين .
و يذكر في المقدمة ، أنه أضاف إلى ذلك أخباراً أخرى ليست من موضوعه الأساسي، حكى فيها أخبار المغفلين المحظوظين و الجهّال المرزوقين ، لاعتقاده بأن هذه الأخبار ، جارية في أسلوب الهفوات ، و شبيهة بمقصود الكتاب .
ولهذا يسمى « غرس النعمة » كتابه هذه التسمية الجامعة لموضوعه :« الهفوات النادرة من المعقّلين الملحوظين ، و السقطات الباردة من المغفلين المحظوظين» غير أن المؤلفين المتأخرين ، الذين نقلوا عن الكتاب ، اكتفوا غالباً بذكر تسمية مختصرة هي « كتاب الهفوات » كما فعل «ياقوت الحموي » في «معجم البلدان ».
موضوع « الهفوات النادرة » إذن : هذا اللون الممتع من أدب الأسماء والحكايات و الطرائف و الُملح ، و يبدو أن هذا التأليف الأدبي ، أصاب ازدهاراً في المجتمعات الإسلامية ، منذ القرن الرابع الهجري ، ففي الحكاية و السمر مؤانسة و إمتاع ، و فيها تنفيس عمّا كان المجتمع يعانيه من مرارة و حرمان .
و فيها عرض لجوانب من الحياة : حياة أناس من جميع الطبقات ، من ساكني القصور إلى الساعين وراء لقمة العيش الشحيحة من ساكني الأكواخ، و بهذا كان الناس من جميع الطبقات يجدون في أدب الأسمار ما يروق لهم أن يقرأوه ، و يشغلوا أنفسهم بتناقله .
و لعنايتهم بهذه الكتب خلال العصور المتوالية ، تكثر نسخها ، و يتاح لبعضها أن يستعصي على الضياع .
و في مقدمة كتاب « الهفوات النادرة » يشير المؤلف إلى السبب الذي دعاه إلى تأليفه، فهو يتحدث عن صديق له ، كان قد جاراه في ذكر طرف من تلك الهفوات ، فاستطرفا أخبارها ، و انصرف « غرس النعمة » منذ ذلك اليوم إلى جمع مادة كتابه،فعكف على جمع ما ندر من ذلك و ضم ما تفرّق منه ، و أضاف: إليه ما تيسر له جمعه من تلك الهفوات و هكذا يقدم لنا المؤلف نوادر مستطرفة تسلّي قراءه ، و تحمل إليهم ألواناً من الفكاهة والمتعة ، و تلفتهم إلى تقدير ما أنعم الله به عليه من تجنّب الهفوات ، و ما أعطاهم من نعمة العقل و حسن التصرف .
كتاب الهفوات ، في هيكله العام ، حكايات قصيرة في أخبار تزيد على الأربعمائة ، تسبقها وتمهد لها مقدمة قصيرة من صفحتين ، أشار فيها المؤلف إلى الموضوع الذي تدور عليه تلك الحكايات ، و هي الأخطاء التي يرتكبها الأذكياء المتحرزون عن سهو وغفلة منهم.
و قد بدأ المؤلف ، بحكاية هفوة وقعت منه ، ثم راح يروي حكاية الهفوات الأخرى لنلاحظ أمانة المؤلف في ما يروي ، مصدراً كل خبر بذكر مصدره لنلاحظ مدى الجهد الذي بذله للملمة جزئيات كتابه الممتع ، ينتهي الكتاب بالهفوة الخامسة بعد الأربعمائة ، دون أن نتبين خطة أو منهجاً محدداً للكتاب ، حيث يعرض الأخبار دون ترتيب زماني أو مكاني .
و كأنه يسير على نسق عفوي ، ولكن الكتاب إضافةً إلى متعته يقدم لنا كثيراً من الشواهد الشعرية و الأخبار التي ترسم صورة العصر و التي ضاع معظمها ، فلا نجدها في مصدر آخر ، حتى غدا كتاب الهفوات مصدراً مهماً موثوقاً ينقل عنه المؤلفون و هم واثقون من صحة الخبر .