قال الروائي والفيلسوف والشاعر الإسباني رافايل ارغولول الحائز على جائزة نادال للرواية سنة 1993 والمولود في لشبونة سنة 1949: حين نتأمل في الانتعاش المفاجئ للعواطف التي اعتقدنا أننا قبرناها، ننتبه إلى أن التاريخ يكتبه المنتصرون ويعيد كتابته المهزومون.. إننا خاضعون للساعة، للتقويم، وللقانون كما قال: الكائن الابداعي هو الراغب في الآخر بحثاً عن الذات.
بمثل هذه الرؤية وضع أرغولول رؤاه الفلسفية للقرن الحادي والعشرين في كتابه صياد اللحظات. تعددت كتبه الفلسفية وأهمها: البطل الوحيد ـ جاذبية الهاوية ـ أرض البدوي ـ ثلاث نظرات في الفن ـ نهاية العالم كعمل فني ـ حكمة الوهم.أما أهم دواوينه فهي شغب المعرفة ـ مبارزة في وادي الموت. أما رواياته فأهمها: لامبدوسا ـ هجوم على السماء ـ اهبط أيها النهر الخفي ـ عبر أوروبا.وفي روايته «عبر أوروبا» والمترجمة عن الإسبانية ترجمة رفعت عطفة يتحدث أرغولول عن بطله المهندس الروسي الأصل الذي هاجر منذ زمن بعيد مع عائلته ليعيش في برشلونة ثم يعود ليبني جسراً على نهر الفولغا أطول أنهار أوروبا 3700 كم وتحديداً في مدينة قازان العاصمة التتارية في حوض الفولغا في قلب روسيا.
حيث تتلاقى وتلاقح الحضارات الأوروآسيوية وتنطلق في سمائها أصوات أجراس الكنائس إلى جانب أصوات آذان المساجد حتى أنها سميت المدينة العذراء لشفافية تعامل الناس فيها ويعيش فيها أبناء أكثر من 100 قومية ويقطنها اليوم أكثر من مليون نسمة.
هناك يراد لهذا الجسر أن يصل إحدى ضفتي النهر وبين جزيرة نهرية، كما يراد أن يصل بين آسيا وأوروبا أو قل بين الإسلام والمسيحية أوقل بين الأنا والآخر.
يقوم المهندس بيكتور برحلته من أوروبا إلى موسكو في طريقه لإفتتاح الجسر ولكن الرحلة من برشلونة إلى موسكو تُلغى بعد وصول الطائرة إلى فيينا ليشير عليه راكب موسكوفي يمتهن التجارة في برشلونة بعد أن لمحه وترصده وهو في الطائرة، أشار عليه بمواصلة الرحلة عن طريق القطار ليكون في صباح اليوم التالي في موسكو .
وبذلك يتمكن من استبدال وضعية الانزعاج بالاذعان وكأنه يجسد ما يجب أن تكون عليه علاقة الشرق بالغرب فيحدث نفسه: أولاً وأخيراً يمكن للجسر أن يدّشن بهدوء من دوني.. ومن ناحيتي كانت فكرة أن أرى جسري منفذاً على نهر الفولغا تثيرني.
كان المهندس بيكتور يحاول أن يبني جسراً ثانيا يربطه بعائلة عمه في موسكو وفي قدمتهم ابنة عمه برا صاحبة الوجه الطفولي والمحبة للموسيقى فيواصل زيارتهم بين الفينة والأخرى، ولكن برا كانت مريضة استعان أهلها بمرشد روحي لعلاجها والذي حلَّ نهائياً محل الأطباء مما حول علاقته بها إلى نوع من الشفقة. وكثيراً ما يتذكر بيكتور كلمات أبيه عن سنواته الطويلة في روسيا، تلك الذكريات التي بات يحاول جاهداً أن يتناساها في مرحلة الاندماج تماماً مع حياة الطرف الآخر من أوروبا على الرغم من ترديده قائلاً:
إن رجلاً يسيطر على ذاكرته يسيطر على مصيره، ويحّدث ابنه بيكتور: ستنتمي إلى بشرية جديدة لأنك ستصبح سيد ذاكرتك.
ولكن بيكتور بقى تواقاً ومنشدّاً لمعرفة بلد أمه ليحيي ذكراها الواهنة في زياراته المحدودة. لم يتعرف عليه عمه أنطوان في لقائهما الأول بعد أن سافر 50 كيلو متراً لكي يراه في بيته الريفي مما دفع عمه إلى أن يضرب جبهته بيده وبشدة تأسفاً على عدم ادراكه الأمر من الوهلة الأولى.
أما ابن عمه أندريه الذي تصادف مولده في نفس اليوم الذي ولد فيه بيكتور حتى أنه حدث لبس استمر ليوم واحد عندما خلطوا بينه وبين ابن عمه فتبادلا مكانيهما في الأسرة فلم يكن هناك أية أشياء مشتركة بينهما، هذا فضلاً عن دور العمة آنّا الورعة والهذيانة على الدوام. لقد كان أفراد أسرة عمه هم الأفراد الوحيدين من بين الملايين العشرة الذين يقطنون موسكو وينتمون إليه بالدم وها هو يتعثر في بناء جسر متين من العلاقات معهم.
وهناك في قازان سكن المهندس بيكتور في فندق تتارستان أفخم فنادق المدينة حسب رأي فلاديمير اليهودي رفيق العمل الذي رتب له رحلته وعمله من مقره في موسكو. وهناك راح المهندس بيكتور يتأمل مدينة قازان الريفية الوادعة والتي تعكس عمارتها ازدهار القرن التاسع عشر يوم كانت ميناء تجارة نهرية ممتازة، حتى لتبدو اليوم بين منتصف الفقر والازدهار، بين القديم والجديد، بين المسيحية والاسلام، بين آسيا وأوروبا.
وفي يوم افتتاح الجسر تزاحم المسؤولون على المنصة الخشبية التي أقيمت مقابل الجزيرة.
المهندس بيكتور حدثَّ نفسه: لقد تحول العالم إلى شيء هندسي بشكل صارم ولا يبدو أن هناك ما يمكن أن يفلت من محيطات النظام الهائل ذاك. وبعد قطع الشريط أطلقت المدفعية قذائفها قبل أن تطلق بالونات هائلة تحمل ألوان أعلام البلدان المستفيدة من المشروع وهي عملياً جميع البلدان الأوروبية والآسيوية.
كان طيف برا يلاحقه حينها وهو يتصور عبوره الجسر ليلتقي بوجهه الآخر وفي الوقت نفسه يحدثَّ نفسه قائلاً: الآن أدركت معنى بناء الجسر، ذلك المشروع الذي كان مستحيلاً وصل بالمصادفة إلى يديّ كي أستطيع ما أن يشاد أن أعبره لأعثر على نفسي!

