مؤلف هذا الكتاب هو الصحافي الإنجليزي بيتر منتزيل. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية مرفقة بالصور عن إحدى أجمل المدن في العالم إن لم تكن أجملها: مدينة البندقية بإيطاليا. فهذه المدينة التي أصبحت كلها متحفا في نظر اليونيسكو وجميع المؤسسات العالمية هي الأكثر جذبا على مدار العصور:

من سياسيين، وكتاب روائيين، وشعراء، وفلاسفة، ورجال أعمال، وكبار القوم عموما. وقد تركت أثرا لا يمحى على العديد من الأدباء والفنانين الكبار وانعكس ذلك في أعمالهم. نذكر من بينهم غوته، وألفريد دوموسيه، وبيكاسو، وماكس أرنست، وعزرا باوند، وعشرات غيرهم.

ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن البندقية التي تبدو الآن مدينة صغيرة من مدن إيطاليا كانت قوة عظمى في يوم من الأيام. وكانت مستقلة بذاتها وتستمد عظمتها وثروتها من سيطرتها على البحار وتجارتها مع الشرق خصوصا: أي مع لبنان، سوريا، فلسطين، الخ.

وكانت البندقية في البداية تابعة للإمبراطورية البيزنطية قبل أن تستقل بذاتها وتصبح قوة عظمى. والواقع أن سيطرتها على البحار من خلال أسطولها العسكري والتجاري القوي كانت قد أصبحت حقيقة مؤكدة مع مرور الزمن.

وفي القرن الثاني عشر كان تجار البندقية يمتلكون مكاتب تجارية في كل موانئ البحر الأبيض المتوسط تقريبا، وأصبحت البندقية منافسة لمدينة جنوة التي كانت تشكل أيضا جمهورية بحرية مستقلة بذاتها، هذا بالإضافة إلى مدينة بيزا.

ولكن هذه المدن الثلاث المزدهرة كانت محط أطماع الأباطرة الجرمانيين الذين يزعمون أنهم ورثة الأباطرة الرومانيين. ولكن بما أن البندقية كانت تابعة لبيزنطة، على الأقل اسميا، فإنها ظلت بمنأى عن الصراع الدائر بين المدن الإيطالية.

ثم يردف المؤلف قائلا:

ولكن البندقية بعد تردد طويل حسمت أمرها وانضمت إلى الجامعة اللومباردية أو اتحاد المدن الإيطالية. ثم أتاحت لها دبلوماسيتها الذكية أن تصبح وسيطة بين الإمبراطور الجرماني وبابا روما.

وعندئذ تم توقيع معاهدة سلام بين الإمبراطور فريديريك الأول، والبابا أليكسندر الثالث، والجامعة اللومباردية في مدينة البندقية نفسها. وعندئذ أصبحت هذه المدينة المحاطة بالمياه من كل الجهات إحدى القوى العظمى في ذلك الزمان.

وبعد بضعة عقود من السنوات تحررت البندقية من وصاية بيزنطة وأصبحت جمهورية مستقلة بذاتها.

وعلى الرغم من أن رئيس البندقية أنريكو داندولو الذي حكم المدينة بين عامي 1192 ـ 1205 كان عجوزا وأعمى إلا أنه كان الشخصية الأهم في تاريخ البندقية. وقد أثر على المدينة أكثر من غيره وطبعها بطابعه.

ثم يردف المؤلف قائلا:حتى بداية القرن الخامس عشر الميلادي كانت جمهورية البندقية تستدير بأنظارها نحو البحر والموانئ المحيطة بالمتوسط الشرقي. وكانت الملاحة والتجارة هما الهمّ الوحيد لها.

وعن طريقهما جمعت ثروة طائلة وأصبحت قوة عظمى كما قلنا. وكانت تتاجر مع صيدا وطرابلس في لبنان ومع الإسكندرية في مصر ومع موانئ عديدة في سوريا وانطاكية، الخ.

ولكن بعد أن قويت البندقية أكثر وشعرت بأنها أصبحت دولة يحسب لها الحساب راحت تستدير بأنظارها نحو اليابسة: أي نحو الداخل الإيطالي المحيط بها. وراح حاكمها يفتح المناطق الإيطالية حتى جبال الألب ويضمها إلى جمهورية البندقية.

وقد كلفتها هذه الفتوحات غاليا. يضاف إلى ذلك أنها أثارت عليها غضب بقية الدول الأوروبية، ولكن الحظ تخلى عن حكام البندقية عندما احتل الأتراك القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية عام 1453. وقد انتظر المسيحيون طويلا وصول النجدات من البندقية ولكنها تأخرت أو فشلت في معاكسة حركة التاريخ.

فالعثمانيون كانوا قد أصبحوا قوة عظمى يحسب لها الحساب ولا أحد يتجرأ على تحديهم صراحة.

والواقع أن صعود الإمبراطورية العثمانية على مسرح التاريخ في حوض البحر الأبيض المتوسط وجه ضربة موجعة لمصالح البندقية.

فلم تعد هذه الدولة بقادرة على ممارسة التجارة مع موانئ الشرق بسهولة كما كانت تفعل سابقا.

وأصبح الأتراك يشكلون تهديدا مستمرا للبندقية وبقية القوى المسيحية في أوروبا. وعندئذ ابتدأت ثروات البندقية تقل تدريجيا وتنضب، وبالتالي فالعثمانيون لعبوا دورا كبيرا في تحجيم الأهمية التي كانت تتمتع بها جمهورية البندقية من قبل.

وفي أثناء النصف الثاني من القرن الخامس عشر راحت المكاتب التجارية والموانئ التي كانت البندقية تمتلكها في منطقة المتوسط الشرقي تسقط الواحدة بعد الأخرى في يد الأتراك. ثم يردف المؤلف قائلا:

عندئذ ابتدأت أهمية البندقية تنحدر وتضعف دون أن تفقد كل أوراقها دفعة واحدة. فالواقع أن تجارتها ظلت مزدهرة طيلة القرن السادس عشر، ولولا ذلك لما حصلت النهضة في إيطاليا.

ولكن لم تعد لها نفس القوة أو نفس الثروة والغنى، يضاف إلى ذلك أن اكتشاف العالم الجديد، أي أميركا، من قبل كريستوف كولومبوس عام 1492 ساهم في تحويل الخطوط التجارية عنها.

ثم ظهرت قوى أوروبية أخرى على مسرح التاريخ كالبرتغال وإسبانيا وسواهما. وكانت تمتلك أساطيل بحرية قوية وجيوشا ضخمة لا تستطيع أن تمتلكها مدينة واحدة كالبندقية. وبالتالي فقدت البندقية مكانتها كقوة عظمى داخل الجوقة الأوروبية.

والواقع أن إسبانيا حلت محل البندقية كقوة عظمى مسؤولة عن حماية المسيحيين في الشرق والغرب.

لا ريب في أن الأسطول التابع للبندقية لعب دورا مهما في دحر العثمانيين في معركة «ليبانت» الشهيرة عام 1571، ولكن فوائد النصر عادت إلى ملك إسبانيا فيليب الثاني الذي أصبح الملك المتوج على المسيحيين.

وفي عام 1866 قرر الناخبون الإيطاليون بالإجماع تقريبا الانضمام إلى مملكة إيطاليا، وقد صوت لصالح الانضمام حوالي السبعمئة ألف شخص، ولم يصوت ضده إلا تسعة وستون شخصا فقط!وهكذا انتهى استقلال مدينة البندقية إلى الأبد. انتهى تاريخ مجيد بأكمله، تاريخ يمتد على مدار ألف سنة!

وأصبحت البندقية إحدى مدن إيطاليا تماما كفلورنسا أو روما أو جنوة أو سواها. ونسي الناس أن البندقية كانت يوما ما دولة مستقلة بذاتها، دولة غنية جدا ومرهوبة الجانب، دولة تشكل قوة عظمى بالقياس إلى كل الدول المحيطة بحوض البحر الأبيض المتوسط.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن إذا كانت البندقية قد فقدت مكانتها كدولة مستقلة أو كقوة عظمى فإنها ربحت مكانتها كمدينة شبه مقدسة، مدينة يؤمها الزوار سنويا أكثر من أي مدينة أخرى في العالم.

فعشرات الملايين يزورونها سنويا وفي كل الفصول، وكل شخص في العالم يحلم بزيارة البندقية يوما ما والاستماع بجمالها والسير في شوارعها، عفوا في قنواتها لأنه لا توجد شوارع فيها. فالناس يتنقلون هناك من مكان إلى آخر عن طريق القوارب أو الزوارق. وأما المعالم الأثرية التي تجذب السياح فلا حصر لها ولا عد.

كل مدينة البندقية تعتبر متحفا أثريا يحتوي على أجمل الكنوز الفنية والمعمارية. كلها تسرّ الناظرين بمرآها.

وهكذا بإمكانك أن تنتقل من تحفة فنية أو أثرية إلى تحفة فنية أخرى.

ليس غريبا إذن إذا كانت قد ألهمت معظم الفنانين الذين رسموا فيها أجمل اللوحات، وليس غريبا أنها ألهمت العديد من الشعراء الذين كتبوا فيها أو عنها أعظم القصائد.

ويبدو أن رجال السياسة الفرنسيين والأوروبيين إذا ما أصيبوا بفشل سياسي أو همّ معين فإنهم يشدون الرحال إلى البندقية لكي ينسوا همومهم ومصائبهم في جنباتها.

*الكتاب:تاريخ سياحي لمدينة البندقية

*الناشر:انترلينك بوبليشنغ غروب لندن، نيويورك 2005

*الصفحات: 249 صفحة من القطع المتوسط

A traveller's history of Venice

Peter Mentzel

Interlink Publishing group- London- New York 2005