قام بتأليف هذا الكتاب الكاتب الفرنسي كريستيان جاك الذي كرس لموزار سلسلة من الكتب نذكر من بينها: ابن النور، وأخ النار، وعشيق إيزيس. هذا بالإضافة إلى كتب أخرى عديدة لا حصر لها ولا عد. وفي هذا الكتاب الجديد يقول المؤلف مستشهدا بغوته أديب الألمان الكبير:

كل الجهود التي نبذلها أو بذلناها لفهم حقيقة الأشياء وجوهرها أصبحت لاغية بعد ظهور موزار! وهذا أكبر تكريم يمكن أن يقال عن موزار وموسيقاه الملائكية الساحرة التي جذبت إليها الملايين في شتى أنحاء العالم ولا تزال.منذ بداية الكتاب يقول المؤلف كريستيان جاك ما معناه: منذ أن كنت قد ابتدأت الكتابة في سن الثالثة عشرة وموزار حاضر في فكري وقلبي. وعندما كنت أستمع إليه وأكتشف حضارة مصر القديمة كنت أجهل إلى أي مدى هما مرتبطان. وبعد بضع سنوات من ذلك التاريخ فتحت ملفا يحمل العنوان التالي: موزار المصري!وهذا الملف هو أساس الكتب الأربعة التالية التي أنشرها اليوم والتي أتحدث فيها عن المغامرة الروحية والحياة السرية لواحد من أكبر العباقرة على مدار التاريخ.

والواقع أن موزار فيما وراء انخراطه في الحركة الماسونية كان قد تعلم أسرار إيزيس وأوزيريس التي عبر عنها في مقطوعته الشهيرة: الناي المسحور.

ثم يردف المؤلف قائلا: والشيء الغريب العجيب هو أن عبقرية موزار تفتحت مبكرا جدا: أي عندما كان في السادسة من عمره. فقد استطاع آنذاك أن يؤلف مقطوعة موسيقية رائعة أدهشت والده الذي كان موسيقارا محترفا.

وبدءاً من تلك اللحظة قرر والده أن يكرس حياته كلها لخدمة عبقرية هذا الطفل النابغة. وهذا العمل كان يعني أن يتراجع هو شخصيا عن مطامحه الموسيقية. فالمهم هو ابنه وليس هو. ومعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يحب شخصا آخر في الحياة أكثر منه إلا ابنه.

وفي ذلك الزمان، أي في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ما كان بإمكانك أن تصل إلى النجاح والمال والشهرة إلا إذا تبنّاك أحد الأغنياء أو إذا وصلت إلى بلاط أحد الأمراء.

ولهذا السبب فكر والده في أن يعرضه على بلاط فيينا لكي يجزلوا له العطاء ويتبنوه.ولكن للتوصل إلى ذلك كان ينبغي على موزار أن يعزف العديد من القطع الموسيقية أمام الناس لكي تترسخ شهرته وتنتشر ويسمع بها البلاط.

يضاف إلى ذلك أن موزار كان لا يزال صغير السن وبحاجة إلى دراسة كتب الموسيقى وتشكيل ثقافة محترمة في هذا المضمار. فالعبقرية وحدها لا تكفي وإنما ينبغي أن يرفدها الجهد والعمل المتواصل.

وهكذا سهر والده على تربيته الموسيقية لكي يكبر ويترعرع. وفي عام 1763 لم يكن عمر موزار يتجاوز السابعة، ومع ذلك فكان قد أثبت مواهبه كمؤلف للقطع الموسيقية وكعازف. وفي ذلك العام انتهت حرب السبع سنوات.

وانتهت معها المنافسة الاستعمارية بين فرنسا وإنكلترا من جهة، ثم بين النمسا وبروسيا من جهة أخرى. وعندئذ أصبح بإمكان الناس أن يسافروا من بلد إلى آخر دون التعرض لخطر القتل أو النهب أو السلب.وفي تلك اللحظة بالذات قال له والده: ينبغي أن ننطلق لفتح أوروبا يا موزار! وهكذا حضّر والده عدة السفر وأخذ العائلة كلها معه من أجل القيام بجولة طويلة عريضة في كل أنحاء أوروبا.

وكانت محطتهم الأولى ميونيخ، ثم فرانكفورت، ثم كولونيا، ثم بروكسيل، ثم باريس أخيرا. والواقع أن الهدف الأساسي كان باريس في نهاية المطاف. لماذا؟ لأن المواهب لا يمكن أن تتفتح إلا هناك.

ووالد موزار كان يعتقد أن ابنه لن يصل إلى الشهرة التي يستحقها إلا إذا مرّ بباريس. وإذا ما أتيح له أن يعزف الموسيقى في قصر فرساي بحضرة الملك لويس الخامس عشر فإن شهرته سوف تطبق الآفاق. وإذن: أين أنت يا باريس؟ ! إليك نشدّ الرحال.ثم يردف المؤلف قائلا:

وفي ميونيخ توقف المسافرون لكي يعزف الصغير موزار أمام الأمير إحدى مقطوعاته على آلة الكمان أو الكمنجة، وهي آلة صعبة عموما. ولكن موزار أدهش جميع الحاضرين بمن فيهم الأمير بعزفه الرائع.ثم تابع المسافرون رحلتهم حتى وصلوا إلى مدينة فرانكفورت. وهناك حضّروا لهذا الطفل الذي يشبه المعجزة حفلة موسيقية أمام أعيان المدينة وأسيادها.

فإذا به يخلب عقول الحاضرين أيضا.وفي نهاية الحفلة تقدم منه شاب لكي يشكره على هذا العزف الموسيقي الذي لم يسمع مثله في حياته. ولكنه تراجع في آخر لحظة خوفا من أن يزعجه أو أن يقول كلاما سخيفا لا معنى له. هذا الشاب الخجول كان يدعى غوته! نعم غوته. فقد كان معاصرا لموزار وألمانيا مثله ولا يكبره إلا بسبع سنوات فقط.

ولكن هل كان موزار يعرف أن هذا الشاب سيكون نجم ألمانيا في مجال الآداب والشعر والفنون؟ في تلك اللحظة كاد أن يلتقي نجمان من نجوم ألمانيا: نجم الموسيقى ونجم الأدب. ولكن اللقاء الشخصي لم يحصل.

مهما يكن من أمر فإن العائلة المسافرة وصلت أخيرا إلى باريس عاصمة الفنون والآداب في كل أنحاء أوروبا آنذاك. وخافت أم موزار وقالت لزوجها: هل سنجد مسكنا ملائما؟ هل سنحصل على الرزق والطعام؟ فطمأنها زوجها قائلا: لا تخافي.

عندي توصية من أحد الأمراء الألمان إلى أحد كبار الأرستقراطيين الفرنسيين. وبالفعل فقد توجه إلى قصره في اليوم التالي وسلمه الرسالة. فرحب به الأرستقراطي الفرنسي وسأله عما يمكن أن يفعل له. فأجابه: عندي طفل نابغة في الموسيقى وأتمنى أن تساعدنا على تنظيم حفلات له.

فقال له الأرستقراطي الكبير إن الباريسيين يتمتعون بمزاج صعب ومتقلب. يضاف إلى ذلك أنهم لا يهتمون بالموسيقى كثيرا، ولكني سأحاول مساعدتك بقدر الإمكان.وعندئذ سأله والد موزار: هل يمكن أن تنظم لنا حفلة في قصر فرساي لأني واثق من أن ابني سوف يعجب جلالة الملك؟ فرد عليه الأرستقراطي الفرنسي قائلا: لا، أبدا. إياك أن تفكر بفرساي. إنها أكبر منك كثيرا ولا تعطي نفسها ولا تفتح أبوابها إلا للعباقرة الكبار المشهورين.

وعندئذ ذهب والد موزار إلى عند شخص ألماني كان قد نال الشهرة في فرنسا ويدعى غريم. وهو من أصدقاء فلاسفة التنوير وبخاصة ديدرو، وجان جاك روسو، وفولتير. وكان نافذا جدا في الأوساط الباريسية ويشرف على رئاسة تحرير جريدة اسمها: جريدة المراسلات الأدبية والفلسفية والنقدية.

وعندما سمع عزف هذا الصبي الصغير موزار جن جنونه وقال لوالده: غدا سيكون في قصر فرساي أمام الملك!

وبالفعل فقد دخلت العائلة كلها إلى أعظم قصر في أوروبا صباح ذلك اليوم من عام 1764.

وكان موزار قد بلغ الثامنة من عمره. وتحدثت معه ملكة فرنسا شخصيا باللغة الألمانية. ولم تكد تصدق أن هذا الطفل الصغير هو أحد عباقرة الموسيقى تأليفا وعزفا.

ولم يكد يصدق هو أنه في حضرة ملكة فرنسا المتوجة! وعزف موزار هناك أجمل مقطوعاته ونال جائزة كبيرة في ختام الحفلة. ولكن والده لم يعجب بباريس كثيرا. فقد كانت مليئة بالشحاذين والفقراء والمقعدين والعميان.

كان الشعب في جهة والملك والأرستقراطية والأغنياء في جهة أخرى. وكانت الثورة الفرنسية على الأبواب، فقد اندلعت بعد أقل من عشرين سنة من ذلك التاريخ وجرفت معها كل شيء.

وهكذا تابع موزار طريقه إلى لندن لكي يسحر جمهورا جديدا ويشكل مجده وعبقريته التي لا مثيل لها في تاريخ الموسيقى على الإطلاق.

*الكتاب:موزار الساحر الكبير

*الناشر:ايكس. او. ايدسيون باريس 2006

*الصفحات: 385 صفحة من القطع الكبير

Mozart le grand magicien

Christian Jacq

X. O. Edition- Paris 2006

p.385