سعيد يقطين مؤلف هذا الكتاب ، ناقد مغربي مهتم بالسرديات ، ولد في الدار البيضاء في العام 1955 م . يعمل الآن أستاذا جامعيا في كلية الآداب بالرباط . صدر له عدد من الكتب النقدية منها : ( القراءة والتجربة ) و ( تحليل الخطاب الروائي ) و( انفتاح النص الروائي) و ( ذخيرة العجائب العربية : سيف بن ذي يزن ) و( الكلام والخبر : مقدمة للسرد العربي) و ( قال الراوي : البنيات الحكائية في السيرة الشعبية ) .
يسعى المؤلف في كتابه هذا إلى بيان أشكال التناص بين الرواية المعاصرة والتراث السردي العربي القديم ، من خلال دراسته لأربع روايات هي : ز الزيني بركات ز لجمال الغيطاني ، وتأثرها بكتاب ( بدائع الزهور في وقائع الدهور ) لابن إياس ، و( ليالي ألف ليلة ) لنجيب محفوظ ، وتأثرها بالنص السردي الأم ( ألف ليلة وليلة ) و ( نوار اللوز ـ تغريبة صالح بن عامر الزفراوي ) للجزائري واسيني الأعرج ، وتأثرها بالنص الشعبي الكلاسيكي :
(تغريبة بني هلال ) ، ثم نص ( ليون الأفريقي ) للكاتب اللبناني أمين معلوف ، وتأثرها بنص ( وصف أفريقيا ) للحسن بن الوزانيشير المؤلف في مدخله الذي جاء تحت عنوان ( تأطير ) إلى أن هناك عددا كبيرا من النصوص السردية العربية الحديثة تتشكل على قاعدة إحدى العلاقات التي تقيمها مع التراث السردي العربي القديم ، وإلى أنه يمكن ضبط مختلف أوجه هذه العلاقات الكائنة والممكنة من خلال شكلين ، الأول :
هو الانطلاق من نوع سردي قديم كشكل واعتماده منطلقا لإنجاز مادة روائية ، حيث تتدخل بعض قواعد النوع القديم في الخطاب ، فتبرز من خلال أشكال السرد وأنماطه أو لغاته أو طرائقه .
والثاني : هو الانطلاق من نص سردي قديم محدّد الكاتب والهوية ، وعبر الحوار أو التفاعل النّصي معه ، يتم تقديم نص سردي جديد ( الرواية ) ، وإنتاج دلالة جديدة لها صلة بالزمن الجديد الذي ظهر فيه النّص .
في الفصل الأول يتوقف المؤلف عند مفهوم ( التناص ) مبينا أنه بحكم معناه العام الذي استعمل به في بدايات توظيفه مع باختين وكريستيفا ، يتعلق بالصلات التي تربط نصا بآخر ، وبالعلاقات أو التفاعلات الحاصلة بين النصوص مباشرة أو ضمنا ، عن قصد أو غير قصد .
وقد برز صنفان من أصناف التفاعل النّصي عند العرب القدماء ، الأول : التفاعل النصي الخاص ، ويبدو حين يقيم نص علاقة مع نص آخر محدد ، وتبرز هذه العلاقة بينهما على صعيد الجنس والنوع والنمط معا ، وهذه العلاقة قد تظهر من خلال البيت الواحد أو القصيدة برمّتها . والصنف الثاني : التفاعل النصّي العام ، ويبرز فيما يقيمه نص ما من علاقات مع نصوص كثيرة مع ما بينها من اختلاف على صعيد الجنس والنوع والنمط .
كأن يوظف الشاعر في قصيدته مختلف مكوناته الأدبية والثقافية التي تتجلى في صور شعرية تفاعل فيها مع شعراء سابقين أو مع أمثال أو أحاديث أو آيات ضمّنها أو اقتبسها مستعملا ما ( نقله ) عن غيره للدلالة على المعنى نفسه ، أو معطيا إياه دلالات جديدة ، أو مناقضة تماما .وبعدما يتوقف المؤلف عند مفهوم ( المتعالية النصيّة ) كما ساقها جيرار جينيت ، يخلص إلى اعتبار ( التعلّق النّصي ) نوعا خاصا من أنواع التفاعل النصي العام والخاص .
فالعام شامل ويتسع لمختلف أجناس النصوص وأنواعها وأنماطها ، ويظهر من خلال هذه الأنواع ( المناص) وهو بنية نصيّة متضمّنة في النّص كما هي و( المتناص ) وهو بنية نصية محوّلة ومتداخلة مع بنية أخرى . و( الميتانص ) وهو بنية نصيّة يعلّق بوساطتها .في الفصل الثاني يدرس المؤلف أشكال العلاقة التناصية بين ( ليالي ألف ليلة ) لنجيب محفوظ ، و ( ألف ليلة وليلة ) .
ويخلص إلى أن نجيب محفوظ في انطلاقه من ( ألف ليلة وليلة ) كنص سابق أنتج نصا جديدا هو ( ليالي ألف ليلة ) وهذا النص انبنى على مشابهة النص في مادة حكيه وبعض ميزاته النوعية وبالأخص بعده العجائبي الناظم والمولد للكثير من الأحداث والشخصيات . كما قام محفوظ بتحويل النص السابق إلى نص جديد مغاير للنص المحول ، من خلال تقديمه للحكاية العجيبة في شكل جديد (الرواية ) مستوعبا في ذلك مختلف البنيات والأنواع الحكائية التي تتضمنها .
ثم ينتقل المؤلف في الفصل الثالث إلى دراسة العلاقة بين رواية واسيني الأعرج (نوار اللوز ـ تغريبة صالح بن عامر الزفراوي ) و ( تغريبة بني هلال ) فيبين أننا نصيّا أمام تغريبتين ، أو أمام نص مزدوج ـ على حد تعبيره ـ يتداخل فيه النص السابق ( بني هلال ) بالنص اللاحق (صالح بن عامر ) ويتفاعلان على مستويات عدة .
فعلى مستوى ( التناص ) يبرز التداخل الكبير بين أسماء الأعلام الموجودة في التغريبتين إلى الدرجة التي يبدو فيها وكأن شخصيات تغريبة ( بني هلال ) جزء لا يتجزأ من تغريبة ( صالح بن عامر ) . أما على مستوى ( المناصة ) فتحضر مقاطع كاملة من التغريبة الأولى مقتبسة باعتبارها بنية نصية لتحتل لها موقعا يجاور بنيات نصية من التغريبة الثانية .
أما فيما يتعلق بالمستوى الثالث (الميتانص ) تبدو تغريبة صالح بن عامر مؤسسة على عالم التغريبة الأصلي ، ومن خلال هذا الاستيعاب تتم موازاة عالم النص السابق بعالم النص اللاحق ، وتأتي ( المعارضة ) لتحول هذا الاستيعاب من بعده النصي في ذاته إلى بعد خارج نصي يتجلى في قراءة النص السابق ومعارضته واتخاذ الموقف النقدي منه .
وتحت عنوان ( ليون الأفريقي ووصف أفريقيا ) يدرس المؤلف في الفصل الرابع العلاقة بين رواية ليون الأفريقي ( لأمين معلوف) ، و (وصف أفريقيا ) للحسن ابن الوزان ، حيث تندرج هذه العلاقة ضمن ما يسميه (التعلّق النصي ) . فيحاول تحليل هذا النص من خلال نقطتين يقدم في الأولى منهما صورة عن المغرب كما جسّدها ليون الأفريقي ، وفي الثانية يجري مقارنة بين ( ليون الأفريقي ) و ( الزيني بركات ) اللتين تلتقيان حول حدث مركزي هو ( احتلال القاهرة ) ، وسقوطها بيد العثمانيين .
ومن خلال دراسته لهاتين النقطتين يوضح معطيات التفاعل النصي بوجه عام ، والتعلق النصي بوجه خاص ، محاولا الوقوف على أوجه العلاقات التي تقيمها (ليون الأفريقي ) مع ( وصف أفريقيا ) وإبراز ملامحها وأشكالها وأبعادها . ويخلص المؤلف في النهاية إلى القول : إن ( ليون الأفريقي ) باعتباره نصا لاحقا يتعلق بنص ( وصف أفريقيا ) نجده إلى جانب ذلك تفاعل مع النص التاريخي الذي يظهر في الحقبة نفسها التي عاش فيها (ليون الأفريقي ) وهذا العامل هو الذي جعلها تتوارد مع ( الزيني بركات ) على مستوى ما اتصل بهزيمة القاهرة أمام العثمانيين .
وبناء على عملية التفاعل وما تضمنته من تعلق نصي على مستوى بناء النص أو لغته ، أو أسلوبه السردي ، فإن الكاتب لم يقف عند المادة التي قدمها وقوف المسترجع المحاكي ، أو المنبهر ، إنما يعيد إنتاجها من جديد بشكل يجعلنا لا نرى في ( ليون الأفريقي ) شخصية تاريخية قام أمين معلوف بتشكيل ملامحها وبنائها بهدف إحيائها ، بل نرى فيها شخصية روائية عميقة وممتلئة بمختلف المقومات التي تجعلها كذلك ، بغض النظر عن هويتها الثقافية أو انتمائها الحضاري .في الفصل الخامس يتوقف المؤلف عند مفهوم (المناص الخارجي ) أي النص الموازي الذي يكتبه الروائي من شهادات وحوارات وآراء .
وتكون لهذا ( المناص ) في غالب الأحيان طبيعة نقدية ، لأن الروائي يعمل من خلاله على الكشف عن أسباب ودواعي وخلفيات ممارسته الروائية وما يتميز به عن غيره في سلوكه لنمط معين من الكتابة ، حيث يقدم لنا وعيه بالكتابة التي ينتجها مستندا في ذلك إلى الرغبة في الإفصاح عن جوانب محددة من نصه المكتوب ، مدافعا عن تصوره الإبداعي وكاشفا بعض أوراقه الخاصة أو السرية .
ولتطبيق مفهوم (المناص الخارجي ) يختار المؤلف الروائي جمال الغيطاني بوصفه واحدا من الكتاب الذين غرفوا من معين التراث العربي وقدموا نصوصا تتفاعل وتتعلق بالتراث السردي القديم .
وفي الفصل السادس وتحت عنوان (الرواية والتراث ـ جدل التفاعل والإبداع ) يشير المؤلف إلى أن النصوص التي اشتغل عليها في دراسته تشترك في أنها جميعا تتأسس على قاعدة التفاعل النصي عموما والتعلق النصي بوجه خاص مع النص التراثي في جانبه السردي على نحو أخص .
ثم يحاول أن يجيب عن السؤالين التاليين : كيف تحقق التفاعل النصي والتعلق النصي بين هذه النصوص مع التراث السردي العربي القديم ؟ . وما مصدر « نصية » هذه النصوص ، وما مدى نجاحها في إنتاجها نصا جديدا ، وذلك من خلال وقوفه عند مفاهيم :
(المؤلف )و(الزمن ) و(النوع الأدبي ).وفي الفصل السابع والأخير ، وتحت عنوان (نحن والتراث : أسئلة الآفاق )أو (من أجل وعي جديد بالتراث ) يشير المؤلف إلى أن تعاملنا مع التراث في جوهره ينم عن وعي متخلف وقاصر وعاجز وظرفي ، ومن محددات هذا الوعي : التجزيئية ، والسجالية ، والنزعة الصحافية ، وامتلاك السلطة .ثم يدعو المؤلف في خاتمته إلى ضرورة الاهتمام بالسرد العربي القديم والبحث فيه من منظور جديد ، بناء وخلاق ، لأنه الأكثر تمثيلا لذاكرتنا وهويتنا ومخيلتنا.
نذير جعفر
*الكتاب: الرواية والتراث السردي
*الناشر:رؤية للنشر والتوزيع
القاهرة 2006
*الصفحات: 282 صفحة من القطع المتوسط
