يقوم الباحث السوري جورج نحاس بمتابعة أساطير الخصب في الشرق الذي يوصف بأنه منبع الديانات وجدولتها ومقارنتها وتحليل الأيقونات والرقم والأختام و المنحوتات المتوفرة منطلقا من واقع أن دراسة الأساطير تلقي الضوء على الأصول التاريخية لكثير من المفاهيم الدينية والاجتماعية فالأسطورة جزء من تراث الأمة وحقيقة تاريخية و اجتماعية لكن مكتوبة بشكل شعري ومجازي كما يقول الباحث العراقي فاضل الربيعي.

مصطلح «ميثوس» الإغريقي يعني حكاية ثم توسع فصار يعني الأساطير والقصص الخرافية المتضمنة التاريخ « المقدس» كما تذهب الباحثة الفرنسية مرسيا الياد، و كلمة أسطورة العربية مقتبسة من هيستوريا اليونانية التي تعني التاريخ، وربما تكون من كلمة السطر العربية.عرفت الزراعة أول مرة في الشرق القديم، ووجد الإنسان في النبات اتصالا مع الطبيعة وعرف معنى الانبعاث ودورة الحياة ورغم تنوع تفاصيل الطقوس وأسماء الآلهة من مكان إلى آخر فإن جوهر المعتقد يتركز حول اله واحد ذي أسماء متعددة.

ففي سومر نجد دوموزي اله الخصب والرعي والذي يعني الابن البار للمياه العميقة وقد سماه الساميون تموز وظهر في ملحمة جلجامش عشيقا لإنين (إينانا)، انه النموذج الأول لجميع آلهة النبات التي تموت في الصيف وتعود في الربيع، ويتوالى في كثير من النصوص القديمة مفهوم حراثة المرأة (ملحمة جلجامش ـ القرآن الكريم- الفيدا الهندوسية ..) .

وفي آكاد يصبح اسم دوموزي تموز ويصير قاهرا للحيوانات المفترسة الممثلة للموت ويساوي تموز جلجامش ملك اوروك الذي اخفق في إيجاد نبتة الحياة كما يعادل ننجرسو ونينورتا في مدينة كوتا. وهم جميعا يجمعون الألوهية الناقصة في أشخاصهم الفانية.

ورغم الفروقات بين تموز صاحب حظيرة الحيوانات وجلجامش صاحب قصور أوروك تبقى عقيدة تموز الانبعاثية سارية فيها وفي الأساطير اللاحقة مثل أسطورة شمش (إله الشمس) الاكادي الذي يحمل بيده منشارا وتنطلق من كتفيه حزمة ضوئية لتحرير الملك تموز من العالم السفلي. ومثلهما الإله انكي الاكادي والآلهة ماري (ربة الينبوع السورية)..

تتكرر أسطورة التنين(ممثل قوى الشر السفلية) في أكثر من أسطورة شرقية ففي سومر وآكاد يقوم الإله انكي (أو ايا عند الساميين) اله المياه الحلوة الذي يشبه بوسيدون اله البحار الإغريقي بذبح الوحش كور بعد اختطافه إحدى الإلهات السماويات وهو هنا يشبه اغتصاب برسفونة الإغريقية ابنة زيوس من قبل اله العالم الأسفل هادس، وفي مدينة جرسو بالعراق يقوم نينورتا اله ريح الجنوب وابن انليل اله الهواء بقتل اسج اله المرض، يلي عملية القتل إرواء الأرض العطشى.

وفي بابل وآكاد نجد مروخ (إله الشمس أو عجل الشمس) يقتل تنين الشر تيامات في معركة ضارية وشق جسمها نصفين جاعلا منهما السماء والأرض. ويشير الباحث إلى أن صورة المسيح في الأيقونات السورية (في افاميا) بلحيته وتاجه وجسده المغطى بدوائر داخلها نجوم رباعية مقتبسة من الإله مروخ بطل أقدم ملحمة بشرية .

والتي يقول مفادها إذا كان خلود الجسد مستحيلا فإن خلود الذكر هو الغاية النبيلة أو تعويض كبير. يجاهد مردوخ مع صديقه انكيدو (الإنسان الثور) ضد وحوش الشر (التنين هواوا حارس المعبد) ويقوم بحماية الحيوانات الأليفة و خصوبة الأرض .

وتعكس أسطورة شمشون العبرية شخصية جلجامش كما تعكسها شخصية سوم المصرية الفرعونية وثيسيوس الإغريقي الذي قتل الميناتور ومثله هرقل الذي قتل هيدرا ذا الرؤوس التسعة.تختلف صفات الإله من عهد لعهد ففي الدور البابلي يقف اله الطقس (الإله الملحق بإله الخصب) على التنين أو الدراكون ويمسك بيده رمز البرق ويحيط به رذاذ المطر، التنين غالبا مجنح ثم اخذ التنين يحل محل آلهة البرق وفي العهد الاكادي يصبح التنين رمزا للإعصار المدمر.

يوازي بعل السوري أو الفينيقي تموز العراقي البابلي وأوزيريس الفرعوني. وملحمة بعل (الذي يعني سيد الأرض ) مجموعة قصص زراعية اوغاريتية منقوشة على سبعة ألواح مؤلفة من سبعة مواضيع هي الصراع مع يم اله البحر وبناء قصر بعل ثم الصراع بين بعل وموت وتلعب عنات البتول دورا في مساعدة بعل بقتل لوتان وتحرير بعل من جوف الأرض و وهي تماثل اينانا السومرية وبعودة الإله الميت ينهمر المطر وتعود الأرض للحياة.

ويأخذ بعل أسماء عدة في شمال سوريا مثل حدد وادد وتيشوب . أدون اله الخصب في جبيل هو نظير تموز البابلي وبعل الاوغاريتي و أوزيريس المصري وقد دخلت عبادته اليونان باسم ادونيس وأطلق عيه الكنعانيون اسم النعمان. تعتبر مراسم موت ادونيس وبعثه تصويرا لموت النبات وبعثه، كان ادونيس تجسيدا للجمال و الخصوبة وقد تعرض في رحلة صيد دون مرافقة عشتار إلى هجوم خنزير بري أدى إلى مقتله.

أسطورة اوزيرس لا تختلف كثيرا عن ادونيس مع فوارق الحياة في وادي النيل فقد عانى من خيانة شقيقه ست الذي أرقده في صندوق ورماه في البحر ثم قطعه إربا و قد عاد إلى الحياة بمساعدة ايزيس الوفية (عشتار مصر) و انتصر على الموت. يقوم الخيال الشعبي بالحفاظ على الأساطير وشحنها بالعواطف.

وقد تسربت الأساطير القديمة إلى الديانات السماوية فايليا التوارتي الذي عاش إبان عهد الملك أخاب وزوجته ايزابل بنت ملك صيدون انذر الناس بغضب الرب وانقطاع المطر بسبب تحول آخاب إلى ديانة كنعان والقديس جورجيوس مثال ثان لتموز (القديس الأكثر شعبية عند الفلاحين وجورجيوس تعني فن العمل بالأرض في اليونانية) ينطبق الأمر على الخضر (من خضرة النبات) الذي تروي بعض التفاسير انه العبد الصالح الذي قابل موسى عند مجمع البحرين في سورة الكهف ومثلهما القديس الياس وقد كانت المسيحية ميالة إلى امتصاص الديانات الزراعية . الخضر و ايليا (الياس) وجورجيوس أسماء تكشف عن اله واحد للخصب يحمل ارث دموزي وتموز وبعل، وروح الحضارة الشرقية .

أحمد عمر

*الكتاب: أساطير الخصب الإنباتي في حضارات الشرق الأدنى

*الناشر:وزارة الثقافة ـ دمشق 2006

*الصفحات: 137 صفحة من القطع المتوسط