قراء رواية «ساحة الدماء» للكاتبة البريطانية دنيز ماينا الذين أحبوا شخصية بطلتها الصحافية باتريشيا بادي ميهان، يجدون أنفسهم على موعد متجدد مع هذه البطلة على صفحات رواية ماينا الصادرة أخيراً بعنوان «الساعة الميتة».

وعنوان الرواية في موضعه حقاً فميهان صحافية تعمل في جريدة سكوتش ديلي نيوز وتنطلق مع سائق عربة الصحيفة بيل في الساعات الميتة بمعايير المهنة، أي الخالية من الأحداث والمفاجآت والمواد التي تصنع التقارير الكبيرة، وهي تنافس في عملها في هذه المناوبة الليلية الصعبة زملاء أكبر منها، في منتصف العمر، ويمرون بأزمات هذه المرحلة العمرية الأمر الذي يجعل هذا التنافس شيئاً لا يرحم.

لكن ميهان، وهي في الحادية والعشرين من عمرها الآن، هي المعيلة الوحيدة لعائلتها، وهي مضطرة لخوض غمار هذا التنافس القاسي في سنوات مرغريت تاتشر المفعمة بالضغوط الاقتصادية على المملكة المتحدة بأسرها، وبالتالي فعليها أن تصمد في عملها أياً كانت الضغوط والتحديات التي تواجهها.

إذا كنا قد التقينا ميهان، وهي في الثامنة عشرة من عمرها في «ساحة الدماء» ووجدناها مضطرة للتضحية بموقف عائلة خطيبها منها لكي تظهر الحقيقة في جريمة قتل وحشية، فإننا الآن سنجدها مخلوقة أخرى، فهي الآن في الحادية والعشرين من عمرها، تأكل بدافع العصبية، وتلتهم البسكويت لكي تكمل فقرات أخرى في التقارير التي تكتبها للصحيفة.

وهي تدخل في علاقة أخذ وعطاء مع رجال الشرطة الذين لابد لعملها من أن يتقاطع بالضرورة مع عملهم، بل انها تقع في غرام أحد رجال الشرطة هؤلاء على الرغم من أنه متزوج ولا أمل في أن تربطة بها صلة الزواج ذات يوم.

لابد لميهان من أن تلفت نظرنا بشعرها الشائك، ومعطفها الجلدي الذي يبدو أنها اشترته من أحد متاجر الملابس المستعملة، وقوامها الموحي بالتحدي في قاعة التحرير وعلى صفحات الجريدة على السواء. وهي تخوض مراحل من النضج على صفحات الرواية الجديدة، حيث تتحسن قدرتها على الحكم على شخصيات الناس بصورة ملحوظة.

وهي تتابع الصحيفة التي تعمل بها وهي تحارب من أجل حياتها المالية، وخدمة بعد وصول رئيس تحرير جديد من لندن أرسل خصيصاً ليهز الوضع القائم في الصحيفة بشدة.

مع بداية الرواية، نجد أنفسنا في عام 1984 في جلاسجو، حيث تتلقى ميهان نبأ حدوث اضطرابات عائلية صاخبة في فيلا على الطراز الفيكتوري تقع في ضاحية بيرسدن المترفة الواقعة شمالي المدينة، فتبادر إلى الانطلاق مسرعة مع بيل، سائق سيارة المناوبة الليلية، إلى موقع ما يبدو أنه شجار عائلي صاخب.

لأول وهلة يبدو لها الأمر مجرد شجار بين زوج عصبي وزوجة مدللة. ومن المؤكد أن رجلي الشرطة اللذين سبقاها إلى مكان الحادث كانا يعتقدان الاعتقاد نفسه، ويبدو أنهما قد نظرا إلى الأمر باعتباره لا يستحق الكثير من العناء، وعليهما الانتقال من المكان إلى ساحة شيء أكثر أهمية وخطورة، خاصة أن صاحب الفيلا فيما يبدو قد نفحهما ما يساعدهما على نسيان الأمر برمته.

غير أن ميهان لديها من الفضول ما يدفعها إلى محاولة اجراء حوار قصير مع الزوجين، وهي تلمح في مرآة المدخل وراء الرجل الوسيم، الانيق، الذي فتح باب الفيلا لها امرأة شقراء يبدو أنها تعرضت لإصابة دموية في الرأس، وتحاول أن تسأل المرأة عما إذا كانت تريد مساعدة، لكنها تشير إلى ما يفيد أنها على ما يرام.

بالمقابل فإن الزوج يدس في يد ميهان ورقة نقدية كبيرة ملوثة بالدماء، مطالباً باسدال ستار الصمت على الأمر كله، وقبل أن ترد أو تعيد إليه الورقة النقدية يبادر بإغلاق الباب في وجهها.

تبادر ميهان بالاتصال بالصحيفة وإرسال تقرير عن هذا الشجار العائلي لينشر في اليوم التالي في الأخبار المحلية القصيرة.

صباح اليوم التالي تأخذ الأمور بعداً مختلفاً، حيث تكتشف ميهان أن الزوجة التي تدعى فيهاري بيرنيت، وهي محامية وناشطة قد لقت مصرعها فيما يبدو أنها جريمة قتل غامضة في دارها، ويتبين أنها ليست متزوجة، وتدرك ميهان أنها قد تمت رشوتها من قبل القاتل لكي تنصرف وتترك الأمر يأخذ مجراه.

هكذا تجد ميهان نفسها في ورطة قاسية. فما الذي يتعين عليها أن تفعله؟ هل تذهب إلى الشرطة وتعترف بكل شيء؟ هل تقر بأنها تلقت رشوة؟ هل تغامر بأن تلوك الالسنة سمعتها المهنية في قاعة التحرير؟

يزداد الأمر سوءاً عندما تعلم ميهان أن صديقا لفيهاري بيرنيت قد أقدم على الانتحار بعد أن ترك رسالة يعتذر فيها عن خذلانه لها. ويقفز رجال الشرطة مسرعين إلى استنتاج أن هذا الصديق هو المسؤول عن مصرع فيهاري بيرنيت وانه قد انتحر لشعوره بالذنب.

غير أن ميهان تراودها الشكوك في صحة هذا الاستنتاج الذي قفز إليه رجال الشرطة، وبمساعدة غير متوقعة من رجل الشرطة المسؤول عن القضية والذي يدعى جوردون سوليفان تنطلق لاكتشاف من الذي قتل فيهاري ولماذا.

الرواية تنتهي بمفاجأة تسمح لنا بتوقع أن نشهد في المستقبل انطلاق رواية جديدة تشكل اكتمال ثلاثية من بطولة ميهان، ولكن ما يعنينا أن نلاحظه هنا هو هذا الاهتمام الذي نرصده من جانب المطبوعات المتخصصة بهذه الرواية، حيث نلمح استحساناً لهذه الشخصية يجعلنا نتوقع أن تطل على الشاشة الفضية في وقت ليس بالبعيد.

ها هي ذي مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة لاتتردد في الاعراب عن أملها بأن هذه الرواية لن تكون المنعطف الأخير في مغامرات ميهان التي تعد من أكثر الشخصيات التي ظهرت في عالم الجريمة والغموض في السنوات الأخيرة قدرة على استقطاب القراء.

وبدورها تعرب مجلة «بوكليست» المتخصصة عن اعتقادها بأن ميهان تعد إحدى الشخصيات الواقعية التي يتمسك بها القراء بكل ما فيها من حسنات وعيوب وسيتابعونها بمزيد من الشغف مع اطلالتها في العمل المقبل.

ويقول مكسيم جاكوبوفسكي عن هذه الرواية في صحيفة «غارديان» إنها ترتقي بالرواية التي تدور عن الجرائم والغموض إلى ذروة رفيعة من ذرى الابداع في هذا القالب الادبي.

وفي تحليل مطول في صحيفة «نيويورك تايمز» تذهب الناقدة جانيت ماسلين إلى القول إن حبكة هذه الرواية هي أقل جوانبها ادهاشاً وان لم تكن أقلها قوة وعنفوانا».

ومن المؤكد أن عشاق هذا اللون من الابداع الأدبي سينتظرون ـ من الآن ـ مغامرة ميهان المقبلة في عالم الصحافة ودنيا الجريمة على السواء.

* الكتاب: الساعة الميتة

* الناشر: ليتل براون ـ لندن 2006

* الصفحات: الصفحات: 352 صفحة من القطع المتوسط

The Dead Hour

Denise Mina

Little Brown- London 2006

2006

20