مؤلف هذا الكتاب هو طلال عتريسي أستاذ علم الاجتماع مدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية. صدرت له العديد من المؤلفات والدراسات في قضايا اجتماعية وتربوية وسياسية، منها:

«جدل السيادة والإصلاح في الشرق الأوسط، 2005»، و«رامي لن يأكل الشوكولا، 2002»، و«في التربية وعلم النفس ـ اختلاف المفاهيم، 1994»، وترجم إلى اللغة العربية الكتب التالية: «أزمة التحليل النفسي»، و«فرويد والتراث الصوفي اليهودي»، و«مهمة فرويد».

وفي كتابه الجديد، «الجمهورية الصعبة: إيران في تحولاتها الداخلية وسياساتها الإقليمية»، يتناول المؤلف الكيفية التي استجابت من خلالها إيران للتحولات السياسية والاستراتيجية في الفترة التي تلت الحربين اللتين خاضتهما الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، مستعرضاً الواقع الإقليمي الجديد الذي نشأ في أعقاب الانتشار العسكري الأميركي على الحدود الإيرانية.

وفي قلب الشرق الأوسط بعد غزو العراق من قبل قوات التحالف، دون أن يغفل الفرص والتحديات التي تواجهها إيران نتيجة لهذا الواقع السياسي الجغرافي المستجد، والتي جعلتها القوة الإقليمية الأبرز في ظل الأهداف المباشرة وغيرها للضغوط الأميركية والتهديدات الناتجة عنها.

ويحلّل المؤلف الأسباب التي كانت وراء صعود الحركة الإصلاحية في إيران، وأسباب هبوطها، وحركة الإنهاك والارتباك التي أصابتها. ثم عودة المحافظين والخلفيات السياسية والاقتصادية والايديولوجية التي أدت إلى عودتهم، وساهمت في وصول التيار المحافظ إلى تسلّم دفة الحكم في الجمهورية الإسلامية في إيران.

ويبيّن تأثير تلك العودة على إدارة العلاقات مع الغرب، وعلى التشدّد في الملف النووي الذي أصبح الشغل الشاغل للمسؤولين الإيرانيين في الوقت الراهن، من دون إغلاق «نافذة» التفاوض مع «الشيطان الأكبر». إذ أنه في إطار هذه التحولات الاستراتيجية لا تقل مخاوف إيران من التطويق عن فرصها في الاعتراف بها «قوة إقليمية صاعدة» يصعب على أي كان تجاهل دورها ونفوذها.

ولا شك في أن إيران ما بعد الشاه قد تحولت تحولاً استراتيجياً، رافقه انقطاع في العلاقات الإيرانية ـ الأميركية، حيث تحولت إيران من مربع احتواء النفوذ السوفييتي وتطويق المدّ الشيوعي جنوباً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى دولة تناهض السياسات الأميركية، وتختلف معها علناً، وتدعوها إلى الكف عن التدخل في شؤونها وفي شؤون العالم منذ قيام الثورة الإيرانية بزعامة الخميني عام 1979.

ولم تستطع الولايات المتحدة الأميركية تجاهل هذا التحول الذي حصل في إيران. ومرد ذلك هو خسارتها إيران كحليف مهم وتحولها إلى عدو، وكذلك خسارة موقع إيران الاستراتيجي في قلب منطقة الشرق الأوسط التي يتم فيها استخراج وتصدير البترول بوصفه أهم مصدر للطاقة في العالم.

وعشية الحرب الأميركية على أفغانستان، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، أحست إيران بالقلق بسبب هذه الحرب التي ستجري على حدودها الشرقية، بالرغم من علاقاتها المتردية مع نظام طالبان والتي وصلت إلى حد الاستنفار.

ولم تكن القيادة الإيرانية تتوقع بتاتاً أن تتخلص من هذا النظام من دون حرب تخوضها بنفسها ضده، لكن المفارق في الأمر هو أن يخدم عدوها الأميركي مصالحها القومية ويطيح نظام طالبان في أفغانستان. غير أن الولايات المتحدة، وقبل أن تحصي إيران الأرباح والخسائر من إسقاط نظام طالبان، أعلنت الحرب على العراق بغية الإطاحة بالنظام العراقي.

وقد خدمت هذه الحرب إيران مجدداً، إذ أنها كانت تشعر على الدوام بأن النظام العراقي قد نفذ تهديداً استراتيجياً فعلياً ضدها طيلة ثماني سنوات (1980 - 1988) كلف مئات مليارات الدولارات وذهب ضحيتها مئات الآلاف من الأرواح. لكن الوجه الآخر الذي سعت إليه الولايات المتحدة من إسقاط النظامين في أفغانستان والعراق هو تطويق إيران وعزلها وتقليص فرصها للمناورة، وتهديدها اقتصادياً.

غير أن تهميش إيران في السوق العالمية على الصعيد النفطي سقط فعلياً أمام ارتفاع أسعار النفط عدة أضعاف واستفادت إيران حتى نهاية العام 2005 بنحو عشرة مليارات من الدولارات. وتبقى خشية إيران ماثلة بعد سقوط النظام العراقي من فيدرالية تمنح الأكراد استقلالاً يثير النزعات الانفصالية لدى الأكراد الإيرانيين.

وعلى خلفية ما تقدم فإن المؤلف يعتقد باستمرار التدهور والتوتر في العلاقات الأميركية الإيرانية، لأن أميركا صنفت إيران في «محور الشر»، وتتهمها بدعم الإرهاب والتدخل في شؤون العراق. وربما ستقود حملة دولية لإثارة المخاوف من السلاح النووي الإيراني. وستلوح باستخدام القوة الأميركية تارة، والإسرائيلية تارة أخرى، لتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

مع أن هذا الواقع سيفتح أبواب الاختلاف والاجتهاد في الداخل الإيراني حول كيفية إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة «الجار الجديد». فالبعض يرى أنها فرصة مناسبة ينبغي عدم تفويتها لإعادة العلاقات إلى طبيعتها المتوازنة بين إيران وأميركا. ومنهم من يرى أنه يجب التمسك بالقطيعة والتنديد بالسياسات الأميركية، من دون الدعوة إلى المواجهة بالضرورة.

وقد لجأت إيران إلى إتباع سياسة «الحياد الإيجابي» تجاه ما يجري على حدودها، فاعتمدت عدم التصادم المباشر مع الولايات المتحدة الأميركية، وعدم مساعدتها في الحرب، وعدم الالتحاق بها أو تسهيل عملياتها، وكذلك عدم مساعدة النظام الذي يتعرض للحرب، أو القتال إلى جانبه. إضافة إلى العمل على منع قيام نظام جديد معاد لها في أفغانستان والعراق يكرر التهديد الاستراتيجي السابق.

غير أن إيران زادت من تشددها حيال سياسات الولايات المتحدة الأميركية مع مجيء الرئيس أحمدي نجّاد الذي ينتمي إلى تيار المحافظين، وانعكس ذلك في تفاوضها حول برنامجها النووي، خاصة وأنها المرة الأولى التي يحصل فيها مثل هذا الانسجام السياسي الايديولوجي بين المرشد الأعلى والرئيس ومجلس الشورى. ومع أن السياسة الإيرانية في العراق تتسم بالتفهم حيال العملية التي وضعتها واشنطن لإدارة الوضع.

إلا ان هذا التفهم يترافق مع تغلغل إيراني في ثنايا وتفاصيل الأوضاع العراقية، مع ما يعنيه ذلك من قدرة على الفعل والتحكم، وعلى الانقلاب على السياسة الراهنة اذا ما دعا داع لذلك، وهو ما تتوجس منه واشنطن. وينطبق القانون نفسه على الخيارات المحتملة إزاء التهديد الأميركي لسوريا، فيما لو فشلت دمشق، على رغم كل ما تبذل، في تعطيله، أو إزاء تفعيل القرار 1559 في لبنان.

إن إيران الحالية، على رغم كل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها، بلد لا يستهان بقوته. وهي قوة طورت الجانب العسكري فيها سنوات الحرب مع العراق، وطورت هذا الجانب وجوانب أخرى، تصنيعية وإنتاجية متنوعة، وكذلك علمية، وسنوات التضييق الأميركي تحديداً والغربي إجمالاً. وقد دفعتها إلى إيجاد بدائل عن القطيعة القائمة مع واشنطن والاستقصاء الذي يتهددها من العواصم الغربية الأخرى.

وتقع الصين على رأس تلك البدائل، وكذلك روسيا وإن بنسبة اقل. ويكفي أن تكون الصين بموجب اتفاقات بدأ التوقيع عليها منذ مطلع العام الفائت، وتلاحقت مذاك بوتيرة عالية، أول زبائن إيران في مجال استيراد الغاز المسيل والنفط وفي مجال استثمار حقولهما، وأن قيمة العقود الموقعة لهذه الأغراض تصل إلى أرقام فلكية، وأن تطوير التبادلات المتنوعة يصاحب ذلك.

وقد اعتمدت إيران استراتيجية دفاعية لتتجنب التورط، مع الاستعداد للردع والدفاع. ووقفت لكن بحذر، لأن جارتها الجديدة لن تتركها ببساطة تتحول إلى قوة إقليمية، خصوصاً مع رفضها التسوية السلمية في الشرق الأوسط وتمسكها ببرنامجها وحقها النووي.

وتعرضت إيران أثناء التفاوض مع الأوروبيين إلى تهديدات إسرائيلية مباشرة بقصف منشآتها النووية، إلا أنها اعتمدت سياسة مزدوجة في التعامل مع هذا الواقع المعقد، فأظهرت من جهة استعدادها القوي للرد العسكري على أي محاولة إسرائيلية للاعتداء على منشآتها، وقامت باستعراض صواريخها التي باتت تصل بعد تطويرها إلى نحو 2000 كلم أي إلى عمق الأراضي الإسرائيلية.

واعتمدت من جهة ثانية المرونة والدبلوماسية فلم تقاطع الوكالة الدولية ولم تقطع التفاوض مع الأوروبيين. وعبّر قبول دول الاتحاد الأوروبي التفاوض مع إيران حول الموضوع النووي عن الاختلاف مع واشنطن على كيفية إدارة هذا الملف.

وقدمت إيران مؤخراً ردها على المقترح الأوروبي، وبانتظار الرد عليه فإنه يمكن رصد الكثير من التوترات التي تظهر أحياناً في أكثر من موقع قريب أو بعيد. فداخل مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة هناك من يرغب بحسم عسكري ضد إيران ولو بشكل انفرادي، أو مع إسرائيل، وهناك أيضاً من يدعو إلى العقوبات الجماعية المؤذية.

ولم يستقر النقاش بعد على موقف بعينه. ولا شك في أن أصحاب القرار في واشنطن يقفون مطولاً، اليوم، أمام حصيلة الحرب الإسرائيلية على لبنان، وأياً تكن مواقفهم فإنهم يلاحظون جيداً أن هذه الحرب وقعت في الفترة ما بين استلام إيران عرض الحوافز وردها عليه، وهم يعتبرون فشل أهداف الحرب تقوية للموقع الإيراني، وبالتالي تملك وجاهة، بالنسبة إليهم، وجهة النظر الداعية إلى المواجهة العسكرية الشاملة مع إيران.

عمر كوش

*الكتاب:الجمهورية الصعبة

إيران في تحولاتها الإقليمية وسياساتها الإقليمية

*الناشر:دار الساقي ـ بيروت 2006

*الصفحات:272 صفحة من القطع الكبير