يحاول هذا الكتاب الإقتراب من الظاهرة الإسلامية وتقديم قراءة جديدة لها تساهم في التعامل معها بصورة مختلفة عن تلك التي راجت في عقود القرن الماضي، لتضع مسألة دمج الحركة الإسلامية السلمية في عملية التطور الديمقراطي في إطار فهم أوسع لطبيعة التحديات الثقافية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بهذه الحركة.

ويحاول الكتاب مناقشة التحولات التي شهدها الخطاب الإسلامي من أكثر من زاوية والتحديات الكبيرة التي تقف أمام تحول هذا التيار إلى تيار ديمقراطي يؤمن باحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان ويمثل عنصر قوة في نهضة الأمة.

يعالج القسم الأول من الكتاب التحديات الفكرية والسياسية التي تقف امام تطور التيار الإسلامي والعوامل التي تكبح انطلاق خيال الإسلاميين كما أشارت الباحثة هبة رؤوف عزت في دراستها او تلك المتعلقة بالتحديات التي تقف امام بناء مشروع إسلامي ديمقراطي كما كتب الأستاذ هشام جعفر في دراسته الرصينة والمهمة حول الموضوع.

ومن خلال دراستها تحاول هبة رؤوف الإطلال على على مساحة من مساحات الجدل بين الإسلاميين في صفحات مجلة المنار الجديد إلى استكشاف ما تسميه مقومات الخيال السياسي للإسلاميين كما يتجلى في خطابهم ومفاهيمهم.

مع الإشارة في الوقت ذاته إلى أنها لا تضع الديمقراطية الليبرالية نموذجا مثاليا يقاس بالنسبة له فكرهم اقترابا أو تباعدا. وانطلاقا من استعراضها تشير الباحثة إلى مجموعة ملاحظات منها بشأن الرؤية التي قامت بتحليلها منها مركزية أسطورة الدولة الإسلامية، وغلبة الخطاب السياسي الجدالي على التصور الاجتهادي الجدلي، وكلية النظرة للآخر (الغرب) وتعميمها وغياب النظر للآخر.. (الجنوب والشرق)..

فالآخر هو الاستعماري او الصليبي وهو الغربي بالأساس. وتشير بناء على هذه الرؤية إلى أن أزمة الخيال الإسلامي تجلت في تجاهله لواجب التجديد لمفاهيمه المركزية من ناحية والالتفات لبناء الأفكار وتركامها بشكل يحرص على التجديد والتطوير فسقطت موضوعات هامة وانصرف السجال إلى قضايا فرعية حالت دون النهوض بالملفات الشائكة من واقع الركود إلى أفق نقلة نوعية في الاقتراب واجتهاد في ظل تحولات الواقع.

ثم تسعى الدراسة الثانية حول الإسلاميين وتحديات بناء مشروع ديمقراطي إلى الإجابة على سؤال يتعلق بما اذا كانت مسائل الديمقراطية مثلت أولوية في خطاب أطروحات العمل الإسلامي في مصر بحيث يمكن القول إن أطروحات العمل الإسلامي الخمس في مصر قد انتجت خطابا في هذه المسألة يتسم بالتكامل والشمول وقادرا على حل بعض إشكالات الديمقراطية في الواقع أم مجرد اقوال متناثرة لا يتنظمها سياق نظري متكامل وممارسات عملية يعوزها إدراك الإشكالية والقدرة على تجاوزها؟

كما يتطرق الباحث إلى علاقة الإسلاميين في مصر بإشكالات بناء المجتمع الأهلي باعتبار أن مستقبل العلاقة بين الاثنين الإسلاميين والمجتمع الأهلي سيترك بصماته على الديمقراطية في الوطن من جهة أن بناء مجتمع أهلي قوي من شأنه الحد من تغول سلطة الدولة المصرية التي سعت على مدار القرن العشرين بأكمله أن تحد من فعاليات العمل الأهلي واستقلاله عنها.

بعد أن يشير إلى إشكالية الدلالات الغربية للمفاهيم السياسية المطروحة يوضح جعفر أن بعضا من هذه الإشكاليات لن يحل إلا بوعي الحركات الإسلامية بإمكانية صياغة وتطوير نموذج للممارسة السياسية مختلف عن النموذج الوافد القائم الآن، نموذج يحافظ على الإنسانية القائمة في النموذج المطروح باعتبارها تراثا إنسانيا مشتركا ويضيف اليها في نفس الوقت الذي يحافظ فيه هذا النموذج على قيم الإسلام الأساسية ومرجعيته العليا.

من التحديات إلى تحولات الواقع يتناول عمر الشوبكي قضية الإخوان المسلمين وحزب العدالة والتنمية محاولا البحث فيما اذا كان الأمر يعكس اختلافا في الخطاب أم السياق السياسي. في إطار رؤيته يشير الباحث إلى أنه من الواضح أن هناك فروقات جوهرية بين التجربة التركية وخطاب حزب العدالة والتنمية من جهة وبين نظيرتها المصرية وخبرة الإخوان المسلمين من جهة أخرى.

وابرز هذه الفوارق يرجع لكون التجربة التركية قطعت أشواطا أكبر نحو بناء ديمقراطية حقيقية وأن مصر تجمدت في مكانها منذ ما يقرب من ربع قرن وصار بالتالي أو بالنتيجة من غير الوارد تصور بناء تيار إسلامي ديمقراطي في مصر طالما لا يوجد من الأساس نظام ديمقراطي.

ولكن هل سيتبنى الإخوان المسلمون بشكل كامل الديمقراطية في حال بناء نموذج ديمقراطي في مصر رغم إشارته إلى ما يذهب اليه البعض في الاوساط الأصولية العلمانية من إرجاع المعضلة إلى بنية خطاب الإخوان باعتباره بحكم الطبيعة خطابا غير ديمقراطي .

وغير قابل لأسباب هيكلية للتطور الديمقراطي فإنه يشير إلى أن الرؤية العامة التي يتفق بشأنها الكثير من الباحثين هى أن عدم تبني الإخوان بشكل كامل للديمقراطية يرجع إلى السياق غير الديمقراطي المحيط بهم وليس لأسباب هيكلية لكونهم إخوانا مسلمين.

ويقرر أنه في ظل حالة الجمود السياسي التي تعيشها مصر منذ اكثر من عقدين وغياب الطبقة السياسية بل وربما السياسة نفسها وعجز النظام عن دمج أجيال جديدة وليس أفرادا منقين حتى لو حملوا نفس توجهاته السياسية سيصبح من الصعب تصور دمج الإخوان المسلمين داخل اللعبة السياسية المجمدة، مضيفا أن استبعاد الإخوان يعني في جانب منه استبعاد دور السياسة والكادر السياسي من العمل العام لصالح آليات بيروقراطية يتم على أساسها فرز النخبة القيادية من الإداريين والموظفين الكبار.

ومن المقارنة بين التجربة التركية والمصرية يتطرق الدكتور جان ماركو بعد ذلك إلى قضية الإسلام السياسي وما بعد السياسي في تركيا. ويستعرض من خلال الدراسة ظهور الإسلام السياسي في الديمقراطية البرلمانية التركية وتطوره ثم يتطرق إلى ظهور حزب العدالة وانتصاره وأسباب نجاح الحزب واستراتيجيته والتوازنات الجديدة في النظام السياسي.

ويصل الكاتب إلى أن تجربة حزب العدالة تشير إلى نزوع إلى الاعتدال الأمر الذي يصفه بما بعد الإسلام السياسي. ويقرر أن من المؤشرات على التحول إلى هذا التوصيف الذي يقدمه اختيار طيب أردوغان الانضمام إلى أوروبا متخليا عن صفة ذات مدلول إسلامي طالما التصقت به، وكذلك قبول حزب العدالة المبادئ الأساسية للجمهورية العلمانية وللديمقراطية، وهو أمر يراه الباحث يختلف عن القوة التعبوية التي تمتع بها الإسلام السياسي.

من المحلي على المستوى المصري والإقليمي على مستوى استعراض التجربة التركية يحاول الباحث نبيل عبدالفتاح استعراض قضية العولمة والديمقراطية والإسلام السياسي. يبدأ بالإشارة إلى صعوبة وصف الظواهر الرئيسية في عالمنا المعولم وعملياته وصيرورته المتسارعة.

ويحاول الباحث الإجابة عن السؤال المتعلق بهل تؤثر المتغيرات العولمية والضغوط السياسية على الجماعات الإسلامية والمؤسسة الدينية الرسمية.. الخ؟ أو الحالة الإسلامية على وجه العموم صوب الإصلاح والديمقراطية؟ وهل يتطور النظام السياسي المصري على نحو يسمح بإدماج إسلام إصلاحي داخل هيكله الحزبي؟ وهل يتطور التعليم الديني؟

وهل يتأثر انتاج الخطابات الدينية في بنياتها ومرجعياتها ومراميها كنتاج للعوامل الخارجية؟

ومن النتائج التي يشير اليها عبدالفتاح من تناوله أن ورقة الإسلام السياسي ستستمر موضوعا للمناورة والتواطؤ والضغط من قبل العولمية الأميركية وحلفائها وأوروبا وبين مصر والدول العربية حينا سيكون تواطؤا وحينا آخر ستوظف ورقة حوق الإنسان اذا كانت مواقف مصر الرسمية إزاء إسرائيل متشددة في الحقوق العربية.

وهذا هو ما برز مؤخرا في آخر تقارير لجنة الحريات الدينية التي تحدثت عن انتهاك للحقوق السياسية لجماعة الإخوان المسملين والقرآنيين والشيعة بعد أن كان التركيز سابقا على الحقوق الدينية للأقباط أساسا.

ويوضح في سياق هذا اتناول أن الولايات المتحدة هي التي وظفت الإسلام السياسي إزاء الناصرية والماركسية كحائط صد أيديولوجي ونفسي أيام الحرب الباردة وفي إطار العلاقات بين عرب الماء وعرب النفط، بين الصحراء والمدينة وفي إطارإسلام محافظ ضد إسلام محافظ آخر.

وعلى هذا يؤكد نبيل عبدالفتاح على أن ثمة ضرورة ملحة لإبداع رؤى جديدة واجتهادية سياسية ودينية حول العلاقاة بين الدين والدولة وتحاول أن تنطلق من دراسة لتاريخية العلاقة وأزماتها وتراكماتها العديدة وانعكاساتها على الحقول المجتمعية العديدة وبين التجارب المقارنة مع الوضع في الحسبان ظواهر العولمة الدينية والسياسية.

إن الحاجة ـ حسبه ـ تبدو شديدة لاجتهادات جديدة سياسية وفقهية وفكرية للخروج من دائرة المشكلات المعقدة والمتكالبة التي باتت تسم العلاقة الاحتكارية للإسلام من قبل الصفوة السياسية والحكم أو نزاعها عليه من قبل الإخوان والتيار الإسلامي وانتشار عمليات اختطاف عديدة من قبل أفراد وجماعات أخرى.

ويخلص في النهاية إلى التأكيد على تطوير التعليم الديني والعام وسياسات ومحتوى العمليات التعليمية فضلا عن الحاجة الضرورية لتطوير إصلاح ديني شامل وجاد بعيدا عن ضغط الخارج وصد القوى المضادة للتطوير والإصلاح والتغيير السياسي في السلطة والصفوة الحاكمة لأن الإصلاحات الدينية لن تتم إلا في إطار إصلاح سياسي شامل وجذري يؤسس للديمقراطية النيابية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

مصطفى عبدالرازق

*الكتاب: إسلاميون وديمقراطيون

*الناشر: مركز الأهرام

القاهرة 2005

*الصفحات:265 صفحة من القطع الكبير