الفن دوما مخبأ مناسب، ليس للديناميت، بل لمتفجرات الأفكار وقنابل المجتمع الموقوتة. ولهذا السبب وجدت التورية والرمزية، فما معنى السخرية والتنديد وانحسار الشفافية إن لم تكن تمثل أفضل مخبأ للحقيقة العارية التي تداهم القاريء على حين غرة ليكون كشفه لها بمثابة وقع الصاعقة عليه. ذلك ما ذكره الروائي الألماني هنريش بول خلال الكلمة التي ألقاها في استوكهولم لدى تسلمه جائزة نوبل للآداب عام 1972.

نال بول تلك الجائزة تقديرا لأعماله التي صورت وأرخت واقع جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد الحرب العالمية الثانية ابتداء من عام 1949 وحتى عام 1990 برؤية إنسانية عميقة انتقد من خلالها القيم المادية التي هيمنت على مجتمع ما بعد الحرب.ولد هنريش في مدينة كولون في 21 ديسمبر عام 1917، وكان خلال دراسته في المرحلة الثانوية وما بعدها يزاول العديد من المهن. وذكر في سيرته الذاتية أنه بدأ الكتابة حينما كان في الواحد والعشرين من عمره إلى جانب قراءاته المكثفة، وتوفي بول في بون في 16 يوليو 1985، وصرح النقاد بعد وفاته بأنه ترك فجوة في عالم الأدب والتاريخ.ويعتبر من القلة التي رفضت الانضمام للحزب النازي.

وبدأ بدراسته الجامعية عام 1939، لكن اندلاع الحرب فرض عليه الانضمام لصفوف الجيش بصفته جندي، وانتقل بين العديد من الجبهات ليتم أسره أخيرا من قبل الأميركان.وفي عام 1945 عاد مع زوجته وأطفاله إلى بلدته المدمرة كولون. وهناك وتحت الأنقاض تابع رحلته مع الكتابة إلى جانب عمله على ترميم المنزل ومتابعة دراسته.

البداية مع نشره للقصص القصيرة ما بين عام 1946 و1949 لينشر في ذات العام أول رواية له بعنوان «وصول القطار في الموعد » علما بأنه توج حياته بزواج ناجح عام 1942.

عمل بعد ذلك كصحافي متعاون وكانت مهماته تستدعيه السفر بصورة دائمة. من عام 1951 تفرغ للكتابة. وتناول في روايته الأولى حياة الجنود البائسة والقسوة والضغوط التي شهدها خلال خدمته العسكرية، وكذلك تصوير حياة بعض النازيين إلى جانب رصده للحرب العالمية الثانية لتمتد رؤيته تدريجيا إلى واقع المجتمع الألماني الحديث.

أما نجاحه كأديب فقد أتاه عام 1953 مع روايته (ولا تقل أية كلمة) ويروي فيها بضمير المتكلم حياة رجل وامرأة يواجهان كارثة انهيار زواجهما بسبب الفقر وفقدان الزوج للإيمان بالقدر.

أنتج بعد ذلك روايته (لعبة البليارد في 30:9)، وتتمحور أحداثها حول تاريخ عائلة ابتداء من عهد الإمبراطور ويلهلمينيات وإلى مرحلة ازدهار ألمانية الغربية. وتتالت أعماله وقصصه حتى عام 1971 حيث قدم روايته (صورة مجموعة مع سيدة).

وهذا العمل مبني على مقابلات ووثائق عن البطلة ليني ومن خلالها تناول حياة ستين شخصية بالتفصيل. ومن أهم أعماله التي كانت صدى لتجربة مريرة عاشها رواية (شرف كاثرينا بلوم الضائع)، وتتلخص في انتقاده لإحدى كبرى الصحف لإدانتها أحد المجرمين من دون الاستناد إلى دليل مع مطالبته الحكومة بحق المتهم في محاكمة عادلة.

هذه المطالبة قلبت عليه الرأي العام والصحافة والتحريات التي لم تتوان عن تفتيش منزله عدة مرات، مع إدانته من قبل الصحف ليتصدر عناوين الصحف الأولى بصفته متعاطفا مع الإرهابيين. يستهل هنريش قصة روايته (شرف كاثرينا الضائع) من نهاية الحدث بقوله أنه بعد مضي أربعة أيام على حفلة عائلة ويبر فاشسناخت، تقوم كاثرينا بلوم بإطلاق الرصاص على صحافي في منزلها. لكن قصته هذه أبعد من ذلك بكثير.

كان الرجل الذي أصابته صحافيا يعمل لصالح إحدى الصحف المهتمة بأخبار المجتمع والفضائح، وكان مكلفا بكتابة موضوع عن كاثرينا وعن تورطها بعلاقة مع رجل مطلوب من العدالة. وهذا الصحافي الذي يدعى ويرنر تاتغيس، يلتقي بها حينما كانت قيد التوقيف. وعلى أمل أن يستمع الآخرين للحقيقة تسرد كاثرينا له ما حدث كما جرى في الواقع. فهي التقت بذاك المجرم لأول مرة في حياتها في الليلة السابقة، حينما دعيت لحفل أقامته عرابتها.

وهناك أعجب أحدهما بالآخر ومن ثم رافقها إلى منزلها وبات ليلته عندها، حتى الصباح حيث فوجئت بمداهمة الشرطة لبيتها وتفتيشه بعدما نجح الرجل في الهرب مما أدى إلى اتهامها بأنها متورطة معه.كانت كاثرينا امرأة مطلقة، تعمل كمدبرة لمنزل الدكتور الشهير بلورنا وعائلته.

وتتمتع بسمعة طيبة وتعيش في عزلة في شقتها. وخلال التحقيق في القضية تفارق والدتها ماريا الحياة وهي على سرير في المستشفى وحينما كان يطرح عليها أحد المحققين بضعة أسئلة عن ابنتها. تفاجأ كاثرينا في اليوم الثاني بنشر اللقاء في الصحيفة ولكن بصورة معاكسة تماما لما روته للصحفي، الذي صورها كإمرأة مستهترة .. رخيصة .. لعوب.

وخلال اليومين التاليين كانت كاثرينا تخضع لتحقيقات مكثفة من قبل مسؤولي الشرطة الذين كانوا يستجوبونها بطريقة مهينة ومن خلال إدانة مسبقة وكما الصحفي كان يحورون إجاباتها لتتوافق مع مرادهم، إذ أنهم كانوا بحاجة لكبش فداء لإثبات كفاءتهم.كما استمر الصحافي بتقديم مقالات جديدة عنها .

ولم يترك قريب أو بعيد يمت لكاثرينا بصلة إلا وأجرى معه أو معها لقاء صحافيا ليقوم بعدها بكتابة ما يريده على لسانهم.ومع تتالي المقالات، أدركت كاثرينا بأنه دمر حياتها ولم يترك لها أي أمل لتبرئة نفسها. ومن خلال شريك عرابتها، تتمكن من الحصول على مسدس.

كانت حينها تتملكها رغبة واحدة فقط وهي رؤية الصحفي ومعرفة أي نوع من البشر هو. وهكذا تتوجه إلى مقر الصحيفة التي يعمل فيها وتنتظره لمدة ساعتين لتغادر بعدها متوجهة إلى منزلها. إلا أن تاتغيس الذي كان يتابعها، يقرع جرس بيتها ويدخل بالقوة. يبدأ بمناداتها بألقاب تحقر من شأنها، ويبدي استغرابه من دهشتها لما تسمعه، ثم يقترح عليها ممارسة الحب بصورة رخيصة وسوقية.

حينها تبتسم كاثرينا وتقول له لم لا، ثم تخرج المسدس من حقيبتها وتطلق النار عليه، ومن ثم تغادر هائمة على وجهها في المدينة لبضعة ساعات قبل توجهها إلى مركز الشرطة لتسليم نفسها والاعتراف للمسؤول عن التحقيق معها بما حدث.