قام بتأليف هذا الكتاب الكاتب المؤرخ هيو بيشنو المختص بدراسة العلاقات بين الإسلام والمسيحية وكذلك شؤون الامبراطورية العثمانية والتاريخ الأوروبي عموما.وفي هذا الكتاب يقدم المؤلف لمحة تاريخية عن أهم معركة جرت بين الإسلام والمسيحية أو بين الامبراطورية العثمانية والقوى المسيحية الأوروبية. ويقال بأن هذه المعركة حسمت الأمور لصالح تفوق أوروبا وبداية انحطاط الامبراطورية العثمانية التي كانت مسيطرة عسكريا حتى ذلك الوقت.
يقول المؤلف بما معناه: جرت معركة بحرية هائلة بتاريخ 7 أكتوبر 1571 بالقرب من ليبانتو الواقعة في خليج باتراس في اليونان أو بجواره. وقد اصطدمت فيها القوى البحرية العثمانية من جهة، والأساطيل المسيحية للبابا وإسبانيا والبندقية من جهة أخرى.
وشاركت فيها بشكل أقل قوات جنوة وبعض المدن الإيطالية الأخرى هذا بالإضافة إلى فرسان مالطة. وتم كل ذلك تحت شعار التحالف المقدس للمسيحيين ضد الامبراطورية العثمانية.
وقد قاد الأساطيل الأوروبية بكل فعالية ملك النمسا دون خوان وهو الابن غير الشرعي لإمبراطور المسيحية كلها: شارل كم.
أما الأساطيل العثمانية فقد قادها علي باشا بمساعدة القراصنة الأوروبيين سيروكو وإيلودجي وسواهما.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد بقيت هذه المعركة في كتب التاريخ العسكري بصفتها منعطفا في الإستراتيجية البحرية. فقد كانت هي المرة الأولى التي تستخدم فيها السفن الشراعية الحربية للأتراك ضد أسطول مناور ومزود بالمدافع الحديثة للأوروبيين.
وكانت استراتيجية القوى المسيحية الأوروبية تكمن في حشر القوات العثمانية في خليج ليبانتو ومحاصرتها تماما، ثم القضاء عليها. وعلى هذا النحو هاجمت المدفعية الإسبانية السفن الشراعية التركية التي عانت من هروب بعض عناصرها والتخلي عن ساحة القتال.
هذا وقد استطاعت القوات الأوروبية غزو سفينة القيادة العثمانية وقطع رأس قائدها. ثم رفعوا رأس هذا القائد العثماني على صارية الأسطول الإسباني لكي يرى الجميع ما حصل بالضبط. وساهم هذا في تحطيم معنويات القوات التركية بعد أن عرفت أن قائدها قد قتل.
ثم يردف المؤلف قائلا: في الواقع أن المعركة كانت عبارة عن هزيمة كاملة للعثمانيين الذين فقدوا فيها 260 سفينة حربية من أصل 300 كان يضمها أسطولهم. وكان عدد القتلى كبيرا وشراسة المعركة من طرف وآخر هائلة. ولذلك بقيت أصداؤها في حوليات المعارك العسكرية وكتب التاريخ حتى اليوم.
فقد سقط من جهة المسيحيين ما لا يقل عن سبعة آلاف وخمسمئة قتيل، وأما في جهة الأتراك فسقط حوالي الثلاثين ألفا بين قتيل وجريح. ثم أسرت الأساطيل المسيحية ما لا يقل عن ثمانية آلاف عسكري تركي.
واستطاعت القوات الأوروبية أن تحرر من الأسر خمسة عشر ألف مسيحي، وتستولي على 117 باخرة تركية، و450 مدفعا وأشياء أخرى.
لقد كانت موقعة «ليبانتو» أكبر معركة بحرية تجري في المتوسط حتى معركة أبوقير وحروب نابليون بونابرت.
وقد أدى انتصار الأسطول المسيحي على الأسطول العثماني إلى هيمنة الإسبان على البحر الأبيض المتوسط وبخاصة في جزئه الغربي.
ولكن العثمانيين سرعان ما أعادوا بناء أسطولهم واستولوا على قبرص كرد فعل على هزيمتهم في «ليبانتو». ولكنهم لم يتجرأوا بعدئذ على المغامرة في الجزء الغربي من البحر الأبيض المتوسط.
وقد كان الهدف من المعركة الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط كله وانتزاع هذه الهيمنة من أيدي الأتراك. وهذا ما تحقق بالفعل.
ولكن المشكلة هي أن المتوسط لم يعد مركز العالم بعدئذ وإنما أصبح المحيط الأطلسي والمتاجرة مع العالم الجديد: أميركا. يضاف إلى ذلك المحيط الهندي وبقية المحيطات الأخرى. ولكن مع ذلك يبقى صحيحا القول بأن هيمنة الأتراك على البحر الأبيض المتوسط ابتدأت تضعف منذ ذلك الوقت.
ويقول الخبراء بأن معركة ليبانتو كشفت عن مدى أهمية الأسلحة الحديثة في حسم المعارك والحروب. فلولا أن الأسطول الإسباني كان مزودا بمدافع كبيرة لما استطاع الانتصار على العثمانيين. وبالتالي فبدءا من ذلك الوقت أصبح التفوق التكنولوجي الأوروبي هو العامل الأهم في السيطرة والنفوذ.
وأما تخلف الامبراطورية العثمانية من الناحية التكنولوجية فقد أدى إلى انحسار هيمنتها ونفوذها.
ثم أصبحت هذه الامبراطورية الرجل المريض في أوروبا بعدئذ كما هو معلوم. وظلت قوة أوروبا صاعدة بل ومتزايدة أكثر فأكثر بفضل المخترعات الجديدة وتقدم العلم والتكنولوجيا.
وعلى هذا النحو تفوق العالم الأوروبي المسيحي على العالم الشرقي الإسلامي وحسم مسألة التنافس التاريخي لصالحه منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد برهنت معركة ليبانتو على أن عدد الجيش الجرار لم يعد كافيا لكسب المعارك كما كان يحصل سابقا. فالعثمانيون كانوا يمتلكون جيشا ضخما جدا. وقد أثبت شجاعته وبسالته في ساح الوغى أكثر من مرة. بل وهزم الجيوش المسيحية في منطقة البلقان مرات ومرات.
والسبب هو أن كلا الجيشين كان يستخدم نفس الأسلحة أو نفس المستوى التقني من الأسلحة. ولكن بدءا من اللحظة التي اكتشفت فيها الأسلحة النارية والمدافع الحديثة فإن تفوق الجيوش الأوروبية أصبح مؤكدا لا نقاش فيه. فالأسلحة القديمة لا تستطيع مواجهة الأسلحة الحديثة. وأنت لا تستطيع مواجهة المدافع بسيوف خشبية حتى ولو كان عندك أفضل الجنود وأكثرهم شجاعة وإقداما.
وبالتالي فإن تفوق أوروبا على العالم الإسلامي أصبح حقيقة واقعة بعد ظهور الثورة العلمية والتكنولوجية في أوروبا. وأما تخلف العالم الإسلامي وعلى رأسه الامبراطورية العثمانية فيعود إلى توقف حركة العلم والإبداع وإقفال باب الاجتهاد.
لقد دفع الجيش العثماني ثمن ركود الفكر والبحث في أرض الإسلام بعد موت الحضارة الكلاسيكية العربية الإسلامية.
لقد دفع ثمن موت الفلسفة والفكر العقلاني المنطقي وهيمنة الشعوذات والعقلية الفقهية الضيقة والدروشة والانقطاع عن حركة العلم والإبداع. هنا يكمن السبب الأساسي لهزيمة العثمانيين المنكرة في معركة ليبانتو الشهيرة. وبالتالي فهناك أسباب عميقة للهزيمة وليس فقط أسباب سطحية أو مباشرة.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: لقد كانت معركة ليبانتو خاتمة الحروب الصليبية بشكل من الأشكال. ومعلوم أنها حصلت بعد النداء الذي وجهه البابا إلى كل القادة المسيحيين لمحاربة الأتراك الذين قضوا على الامبراطورية المسيحية في الشرق: أي بيزنطة.
ولهذا السبب جمعوا كل قواتهم وحضروا أنفسهم للمعركة الفاصلة. وأرادوا بذلك أن يثبتوا للبابا أنهم الأقوى وأن حركة التاريخ قد تغيرت لصالح المسيحية ضد الإسلام.
يضاف إلى ذلك أن انتصارهم في هذه المعركة الحاسمة حرّر الأوروبيين من الخوف التاريخي من الأتراك. ومعلوم أن أسطورة التركي الذي لا يهزم كانت قد انتشرت وترسخت في وعي الناس بعد كل تلك الانتصارات التي حققها الجيش العثماني في ساح الوغى.
وبالتالي فقد كان الأوروبيون بحاجة إلى هذا النصر الحاسم في ليبانتو لكي يستعيدوا الثقة بأنفسهم ولكي يحطموا أسطورة الرجل التركي الذي لا يهزم ولا يقهر.
وهكذا ضربوا عدة عصافير بحجر واحد، وأثبتوا للعالم كله أن أوروبا المسيحية أولا ثم العلمانية ثانيا أصبحت سيدة الكرة الأرضية بفضل تفوقها العلمي والتكنولوجي.
*الكتاب:الهلال والصليب: معركة ليبانتو لعام 1571
*الناشر:فونيكس بريس
نيويورك،لندن 2005
*الصفحات: 320 صفحة من القطع المتوسط
Crescent and cross
the battle of Lepanto 1571
Hugh Bicheno
Phoenix Press- New York, London 2005
p.32
