مؤلفة هذا الكتاب هي الناقدة الانغلوساكسونية روزماري لويد أستاذة الآداب الفرنسية والإيطالية في جامعة إنديانا حالياً. وقد تخرجت من جامعة كامبردج عام 1978 وأصبحت أستاذة في قسم اللغة الفرنسية وآدابها في نفس الجامعة عام 1979. ثم انتقلت إلى جامعة إنديانا عام 1990 لكي تدرس مادة الأدب الفرنسي والأدب الايطالي حتى عام 1998.

وهي مختصة بأدب القرن التاسع عشر الذي شهد ظهور العمالقة من أمثال فيكتور هيغو، شارل بودلير، جيرار دونيرفال، الخ. ولكنها تعتبر من أكبر المختصين أو المختصات بشعر مالارميه في العالم الانغلوساكسوني. كما أنها من كبار المختصين بشعر بودلير حيث كرست له العديد من الدراسات والمؤلفات. ومعرفتها وثيقة بغوستاف فلوبير صاحب مدام بوفاري.

وفي هذا الكتاب الجديد تقدم المؤلفة نبذة تاريخية عامة ومفصلة عن حياة بودلير وأعماله ومدى التأثير الكبير الذي مارسه على الشعر الحديث داخل فرنسا وخارجها. وهي تقول بما معناه: لقد ابتدأ بودلير كتابة الشعر بشكل مبكر جداً، ولكنه رفض أن ينشر شيئاً قبل الثلاثين. كان يكتفي بقراءة أشعاره أمام أصدقائه المخلصين فقط.

والواقع ان بودلير كان يعتبر أن الشعر هو جوهر الفن وخلاصة الكتابة. وبالتالي فلا ينبغي أن نتساهل في أمره. وان نعتبره تسلية أو تقضية وقت. لا الشعر شيء خطير لأنه يعبر عن أعماق الإنسانية وجوهر الوجود البشري. انه فلسفة وحتى أهم من الفلسفة بمعنى من المعاني لأنه يلخص في أبيات معدودات تجربة الحياة كلها.

وعلى عكس فيكتور هيغو فإن بودلير لم يكن يؤرخ قصائده عندما كان ينشرها، لماذا؟ لأنه كان يعتبر أن الشعر يتجاوز الظروف العارضة التي كتب فيها. انه صالح لكل زمان ومكان. الشعر أبدي خالد والدليل على ذلك أننا لا نزال نطرب لشعر هوميروس الذي كتب قبل آلاف السنين.

وعلى عكس معظم الرومانطيقيين فإن بودلير كان يولي الأهمية للصنعة الشعرية ويقدمها على الإلهام. وكان يشتغل قصائده اشتغالاً ويعدلها ويغير فيها على مرور الأيام والسنوات حتى تكتمل وتنضج ولهذا السبب فإنه لم ينشر إلا ديوانا واحدا هو: أزهار الشر.

ولكنه كان كافياً لتخليده أكثر من مئة ديوان فالعبرة ليست في الكمية وإنما في النوعية.

لكن لماذا خلع عليه هذه التسمية الغريبة: أزهار الشر؟ على هذا السؤال يجيب بودلير قائلاً في مشروع مقدمته للديوان: هناك شعراء كبار ومشهورون اهتموا بالأقاليم المزهرة والجميلة للوطن الشعري.

ولذلك بدا لي انه ينبغي عليّ الاهتمام بشيء آخر مختلف تماماً.

لقد بدا لي أنه من الممتع جداً والمفيد أن نستخلص الجمال من الشر.

وبما أن المهمة صعبة جداً وعسيرة فإني تفرغت لها كلياً. بل وزادت حماستي لها لأنها كانت عسيرة وغير مطروقة سابقاً من قبل أي شاعر.

فالشر له جماله أو جمالياته وينبغي أن نعرف كيف نعبر عنها. وهذا الديوان غير المفيد على الإطلاق والمجاني بريء تماماً ولم اكتبه إلا لكي أسلي نفسي وأعودها على ركوب المخاطر والصعاب.

في البداية كان عنوان الديوان «السحاقيات» وهو عنوان شاذ جداً وصادم للذوق. ومعروف عن بودلير انه كان يحب أن يصدم المجتمع إلى أقصى حد ممكن.

ولكنه بعد فترة من الزمن غير العنوان فأصبح: اليمبوس. وهي كلمة تسمية تدل علي مقام أرواح البررة قبل مجيء السيد المسيح، والمكانة التي يحتلها الأطفال الذين يموتون قبل أن يعمدوا مسيحياً: أي يموتون وهم كفار بحسب الاعتقاد الديني.

وعندما سألوا بودلير عن سبب هذه العناوين الغريبة اجاب: احب العناوين السرية ذات المجاهيل او العناوين الصارخة المفرقعة.

وواضح ان عنوان السحاقيات ينتمي الى النوع الثاني. اما اليمبوس فينتمي الى النوع الأول.

بالنسبة لدانتي فإن اليمبوس يشكل اول طبقة من طبقات الجحيم.

وهي طبقة مسكونة من قبل الشخصيات الأدبية العظمى كهوميروس، او هوراس، او اوفيدوس، الخ. فيما انهم ولدوا في العصور الوثنية التي سبقت ظهور المسيح والانجيل فقد حقت عليهم اللفتة الأبدية في الدار الآخرة، وذهبوا الى الجحيم على الرغم من عظمتهم. بالطبع فإن بودلير باختياره لهذا العنوان كان يريد ان يسخر من العقائد المسيحية ويقول:

ما ذنب هؤلاء اذا كانوا قد ولدوا قبل ظهور الدين المسيحي؟ وهل ينبغي ان ينزل عليهم غضب السماء لأنهم لم يعرفوا الانجيل؟ ولماذا يدفعون ثمن شيء لا حيلة لهم به؟

ولماذا يدخل الناس العظماء، الناس الطيبون الى جهنم غصباً عنهم.

ولكن بودلير كان يقصد الى شيء آخر لا يقل عمقاً الا وهو: انه نزل في هذا الديوان الى الطبقات السفلى للجحيم البشري، هنا على هذه الارض.

وبالتالي فقد استخدم دانتي لاسباب لا علاقة لها بدانتي، او بالكوميديا الإلهية، ففي رأي بودلير ان الجحيم موجود هنا في الحياة الدنيا ولا داعي لانتظاره في الآخرة.

وبالتالي فقد اراد ان يبرر في هذا الديوان عن جحيم الحداثة، عن جحيم الحياة المعاشة: أي حياته الشخصية هو بالذات.

انه سيرة ذاتية له لا اكثر ولا اقل، ولكن سيرة ذاتية مقننة.

لقد اراد بودلير بهذا الديوان الذي لم يكن قد صدر بعد ان يعبر عن الضجر، عن سأم الحياة المعاشة، عن استحالة التصالح مع المجتمع، بل وحتى مع الذات. فالفنان متمزق على نفسه ويعيش حالة تناقضية قاتلة. ومهمة الشعر ان يعبر عن هذه الحالة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعد ان هجر بودلير عنوان الديوان للمرة الثالثة فأصبح: ازهار الشر. ثم استقر عليه ولم يغيره ابداً يحصل ذلك لما لأنه كان يبحث عن هذا العنوان طيلة حياته كلها. والواقع أن ديوانه صدر بهذا العنوان كما هو معروف واشتهر به.

فما هو الشر الذي تتفتح أزهاره في ديوان بودلير يانعة جنيه؟

انه كل مظاهر الحياة الحديثة، فمشاعر الحداثة الأكبر هي اكبر عدو للحداثة الصناعية، والمادية في وقته! من هنا التناقض في وضع بودلير. فيكتور هيغو الذي يعتبر قديماً من الناحية الشعرية كان من أكبر أنصار الحداثة السياسية، والصناعية والتقدم البشري.

وأما بودلير الذي احدث ثورة في الشعر انتقل به من المرحلة الرومانطيقية الى مرحلة الحداثة فلم يكن يبالي بالحداثة المادية ولا يؤمن بفكرة التقدم على عكس جيله كله.

كان بودلير ملاحقاً من قبل فكرة الخطيئة الأصلية ومشكلة الذنب الناتج عن وجودنا في هذا العالم. كان ذا طبيعة قلقة، متشائمة، يائسة، إلى أبعد الحدود، ولذلك توقف طويلاً عند الجوانب السلبية من الحياة، عند الجوانب الشريرة والمعتمة.

فالوجود ليس جمالاً كله على عكس ما يقول لنا الشاعر الرومانطيقي.

انما هناك القبح، والسأم، والملل من الحياة، والتعب من مواصلة الوجود.. وهناك الشر، والخطأ، والجريمة.

ولكن للقبح جماله من نظر بودلير، وكذلك للشر.

فهناك نوع آخر من الجمال لا يراه الناس. وهو وحده الذي رآه: إن جمال المعاناة، والعذاب، والشر، والعدمية، واليأس المطبق، والنزول الى الطبقات السفلى للجحيم.

الشاعر الرومانطيقي كان يتغنى بجمال الأزهار، والغابات، والوديان، والبحيرات، وكل ما هو جميل وساحر في الطبيعة الخلابة لأوروبا. اما بودلير فكان أول من اكتشف جمال الشر ورأى أزهاره تتفتح تحت عينيه وبصره. من هنا أصالة بودلير وابتكاريته التي لا تضاهى. والواقع أنه سبق وأبعد إلى كتابة فصل في الجحيم.

فأزهار الشر كلها ليست إلا تصويراً للجحيم الأرضي الذي نعيشه على الرغم من كل التقدم البادي الذي تحقق في عصر بودلير حيث ظهرت الكهرباء لأول مرة، وكذلك القطارات، والآلات البخارية التي تمشي بها السفن وأشياء أخرى عديدة.

في أواخر ديوانه يكتب بودلير هذا البيت: «هذه البلاد تضجرنا، آه يا موت، فلنرحل!» .

وقد رحل الشاعر وهو في السادسة والأربعين من عمره بعد أن عاش مرّ التجارب ونزل الى الطبقات السفلى للجحيم واكتوى بحرّ نارها.

*الكتاب: كتاب كامبردج عن بودلير

*الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006

*الصفحات :256 صفحة من القطع المتوسط

The Cambridge Companior to Baudelaire

Rosemary Lioyd

Cambridge university press 2006

pr

pr