برونو بالييه هو أحد المساهمين الثلاثة في تأليف هذا الكتاب إلى جانب أستاذين يعملان في جامعة هارفارد الأميركية هما «بيير كولبيبر»، و«بيتر هال». أما «برونو بالييه» فهو باحث في إطار مركز دراسات الحياة السياسية الفرنسية التابع للمركز القومي الفرنسي للبحث العلمي.باحثون ثلاثة، فرنسي وأميركيان، يرسمون لوحة عيانية للتبدلات التي شهدتها فرنسا خلال ربع قرن من تاريخها ما بين عام 1980 و2005.

ويبدو أن هؤلاء الباحثين يرفضون منذ البداية القبول بالفكرة السائدة القائلة ان فرنسا تعيش حالة من «الانحدار» وأنها تعاني من مشاكل (بنيوية) بحيث من الصعب إصلاحها. إنهم يكشفون بالمقابل على أن هذه البلاد التي كانت إحدى القوى الكبرى في العالم لفترة عدة قرون من الزمن حيث بنت إمبراطورية شاسعة قد عرفت في الواقع تبدلات عميقة خلال ربع القرن الأخير على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وفي إطار البحث عن أسباب تلك التحولات وآليات عملها يتطرق المساهمون في هذا الكتاب إلى بحث دور الدولة الفرنسية في الاقتصاد ونقاط قوة وضعف «النموذج الاجتماعي الجمهوري» الفرنسي .

وأيضا في الأسباب الكامنة وراء الأزمة التي تعيشها فرنسا عمليا في السنوات العشر الأخيرة والتي تتبدّى مظاهرها في مظاهرات وإضرابات واضطرابات كان آخرها وأكبرها عمقا ما عرف بأحداث الضواحي والتي أحرق الشباب «المحتجون» على المجتمع فيها أكثر من عشرة آلاف سيارة.

ما يؤكده المؤلفون، ويصرّون عليه منذ الانطلاق في تحليلاتهم هو أنهم لا يدخلون أصلا في «مغامرة» البحث عن تحولات عرفتها فرنسا طيلة ربع القرن الأخير كي يدافعوا عن أطروحة محددة مسبقا وتقول إن بلاد الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 قد بدأت مسيرة هبوطها على مختلف المستويات، بل يمكن التأكيد منذ البداية أن مؤلفي هذا الكتاب يصلون بالأحرى إلى نتائج تذهب في اتجاه مخالف لاتجاه الانحدار.

إنهم يؤكدون على واقع التبدلات العميقة وإنما «التدريجية» وفي كثير من الأحيان «الصامتة» بحيث أنه لم تتم رؤيتها ومدى عمقها، بل وتعيد التحليلات الواردة في هذا الكتاب أحد أسباب الأزمة السياسية التي شهدتها فرنسا خلال السنوات الأخيرة إلى الفارق الكبير بين «اتساع التبدلات الحاصلة»، وتصور الرؤية السياسية للمراحل التي حصلت فيها تلك التبدلات.

وتتمثل إحدى الطرق الأساسية التي انتهجها المساهمون في هذا الكتاب باللجوء إلى المقارنة بين فرنسا، كما قامت على أساس النموذج الذي تبنته خلال سنوات الستينات المنصرمة، أي خلال السنوات التي تلت تأسيس الجمهورية الخامسة على يد الجنرال شارل ديغول الذي صاغ دستورا جديدا للدولة يعطي رئيس الجمهورية صلاحيات كبيرة.

وإنما يؤكد على البعد الاجتماعي وضرورة التأكيد على ضمان العمل والتأمين الصحي، وبين فرنسا في الوقت الراهن، وكانت النتيجة تقول إنه «نادرة هي البلدان الأوروبية التي عرفت تغيرات مثل تلك التي عرفتها فرنسا».

لكن تلك التغيرات، رغم عمقها مرّت دائما دون أن يلحظها أحد تقريبا ولم تكن أبدا موضوعا لنقاشات عامة يشارك فيها الخبراء والباحثون والمعنيون بها، كما لم تكن الحملات الانتخابية العديدة التي شهدتها فرنسا خلال الفترة المدروسة مناسبة لنقاش عام حول المقترحات الواردة في البرامج المطروحة من قبل المرشحين كي يصار بعد ذلك إلى البت بها «ديمقراطيا» من قبل الفرنسيين.

بل ان المشكلة الحقيقية هي أنه يتم الإعلان عن برنامج ثم يلي ذلك عمل عكسه أحيانا ولكن دون أي تغيير في الخطاب المستخدم. هكذا مثلا جرى في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 1981، أي تلك التي وصل فيها اليسار الفرنسي بقيادة فرانسوا ميتران إلى السلطة.

ثم في الانتخابات الرئاسية أيضا لعام 1995، أي التي أوصلت الرئيس الحالي جاك شيراك إلى سدة الرئاسة، رفع شعار «تغيير الحياة» و«مكافحة الشرخ الاجتماعي». لكن في الحالتين أيضا كانت السياسات المطبّقة بعد عدة أشهر من فوز المرشحين الذين خاضوا الانتخابات ببرامج تحمل عنوان «التغيير»، هي تماما «عكس» ما كان قد جرى طرحه واقترع الناخبون الفرنسيون لمرشحهم على أساسه.

وكانت الحجة دائما هي نفسها وهي أن «مستلزمات» الواقع تفرض نهجا آخر، ولكن دائما دون اللجوء إلى أية نقاشات، أي بمعنى أن السياسات تغدو «مفروضة» و«غير مختارة».

هناك إذن تغيرات وتبدلات ولكن دون نقاشات حقيقية، بل إنها قد تكون نتيجة لسياسات تؤدي إلى عكس ما كان مرجوا منها أو ربما إلى ما لم يكن متوقعا أبدا.

هكذا مثلا عرفت السياسات الخاصة بالتربية أو بالهجرة تبدلات عديدة في فرنسا ولكن دون إدراك الرأي العام الفرنسي بمدى عمق التغير الحاصل والذي لم يكن في الأصل نتيجة قرار عام، وإنما نتيجة توجهات حكومية يمينا أو يسارا.

وما يتم تأكيده أيضا هو أن فرنسا قد عرفت منعطفات حقيقية على مستوى الانخراط أكثر فأكثر في العولمة والانفتاح على اقتصاد السوق وعلى المنافسة، ولكن بنفس الوقت بالتلازم مع المحافظة على خطاب يؤكد على «مساوئ» العولمة واقتصاد السوق والمنافسة حسب النسخة اللبرالية الجديدة «العشوائية» و«المتوحشة».

مع ذلك، ورغم هذا الخطاب «المقاوم» فإن فرنسا قد مشت شوطا طويلا باتجاه التأقلم مع الاقتصاد المعولم الذي تفرضه قواعد السوق.

إن فرنسا ولجت إذن طريق التبدّل الذي يفرضه الواقع وتفرضه الحياة، وهذا أمر يُفترض أن يبعدها عن المسار الانحطاطي الذي يقول به الكثيرون ويحذرون منه، لكن الخطورة تأتي من حيث أن الأمر لا يجري بطريقة «ديمقراطية».وبالتالي تصبح فاعليته أقل.

وهنا يؤكد المساهمون في هذا الكتاب على أن الفرنسيين ليسوا مناهضين أبدا لما يجري في الواقع من تغيرات وأنهم ليسوا ضد الإصلاحات، بل إن أغلبيتهم تؤيد قواعد اقتصاد السوق ويبدون قدرا كبيرا من التسامح الأخلاقي وقبول قواعد جديدة، وهذا ما يطلق عليه المؤلفون وصف «الليبرالية الثقافية» بمعنى مناهضة إجراءات الحماية الثقافية التي ينادي بها البعض في فرنسا باسم «الاستثناء الثقافي» الفرنسي.

ولكن إظهار الفرنسيين لعدم حماسهم، أو بصيغة ما لعدم قبولهم، للتبدلات الحاصلة إنما يعود لكون أنها تجري «وراء ظهورهم» بل وأحيانا «دونهم».

ومن هنا تأتي الأسباب العميقة لأزمة عدم الثقة القائمة بين جماهير الفرنسيين وبين طبقتهم السياسية بكل طيوفها وبالتالي العزوف عن المشاركة في الحياة السياسية.

أو أحيانا الذهاب نحو «التطرف» في المواقف، الأمر الذي ظهر بوضوح عندما جرى إقصاء مرشح اليسار في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002، أي ليونيل جوسبان الاشتراكي، لصالح جان ماري لوبن، زعيم اليمين المتطرف الذي خاض الدورة الثانية للانتخابات ضد الرئيس الحالي جاك شيراك لكنه لم يحصل سوى على نسبة تقارب 18 بالمئة من أصوات الفرنسيين، مما أشار بوضوح إلى أن فرنسا لا تزال بعيدة عن الفاشية.

وهذا لا يلغي واقع أزمة الثقة الكبيرة بين الفرنسيين و«حاكمهم».وهناك تغير عميق آخر شهدته فرنسا، ويؤكد عليه المساهمون في هذا الكتاب، وهو أن دور السلطة التقليدية للدولة المركزية قد «تراجع» خلال العقدين الأخيرين، وذلك لصالح السلطات المحلية من بلديات وغيرها في المجالس، ولكن أيضا لصالح الاندماج في الإطار الأوروبي العام و«تحرير» الحياة الاقتصادية الذي يقتضي تقليص هامش تدخل الدولة في حياة المؤسسات والشركات.

ثم إن مثل هذا التبدل لم يكن هو الآخر نتيجة أي «خيار» عام، بل ان الدولة نفسها هي التي قامت عمليا بتنظيمه وهي التي خلقت الأجواء المناسبة له بل وللدفع باتجاهه. ولكنها بنفس الوقت لم تُبد أنها تريد أن تقول ما كانت بصدد فعله.

وهذا يعود لسبب بسيط يتم تحديده بالقول إن أقل القطاعات تعرّضا للتغيير كات بالتحديد هو قطاع الدولة وذلك من حيث بناها ونمط تنظيمها، وهذا ينضوي بالطبع على مفارقة كبيرة تتمثل في كون أن الدولة هي التي أطلقت بالفعل حركة من الإصلاحات تخص الجميع «عداها».

المشكلة الكبيرة التي تواجهها فرنسا يحددها المساهمون في هذا الكتاب بحالة «انهيار» ما كان قائما من النموذج الاجتماعي الفرنسي، ولكن دون أن يتثبت مع ذلك أي نمط جديد. هكذا مثلا لا يزال الطاعنون في السن يمثلون مركز اهتمام آليات توزيع الثروة السائدة بينما أن الشريحة التي تعاني أكثر من غيرها من المصاعب تتمثل في الشبيبة وخاصة من أبناء الجيل الثاني من المهاجرين ولكن أيضا من الشابات ـ الأمهات العازبات ومن الشباب قليلي التأهيل.

هذه الشريحة بالتحديد كانت هي محرك أعمال العنف الأخيرة التي شهدتها ضواحي المدن الفرنسية الكبرى والتي كان عنصر المواجهة الأساسي فيها للحكومة هم أبناء المهاجرين وأصحاب التأهيل القليل بنفس الوقت.

وفي المحصلة يتم التأكيد على أن «التغيير» لا يعني بالضرورة «التقدم»، ذلك أن مثل هذا التقدم ينبغي أن يأخذ باعتباره معطيات الواقع ومستلزماته.

وعلى هذا الأساس يبدو أن تعديل نظام التقاعد القائم في فرنسا أمر لا بد منه باتجاه أن لا يقوم على كاهل الدولة وحدها وإنما يساهم فيه المعنيون بتكديس رأس مال أثناء حياتهم المهنية والوظيفية.

ومن المهم أن تكون أية إصلاحات قائمة على أساس المشاركة العامة وبحيث لا يحس المعنيون بها ـ الشعب الفرنسي ـ أنهم «ضحايا» ذلك التغيير المفروض وليسوا «القوى الفاعلة» فيه، أي أن لا يكون التغيير «من فوق» فقط، مثلما عرفت فرنسا خلال ربع القرن الأخير.

«فرنسا المتبدلة، 1980-2005» كتاب يذهب مؤلفوه عكس التيار السائد للقول بأن فرنسا قد «تبدّلت» كثيرا ولم «تنحدر» إنما ينبغي أن تسير عملية التبدل على «قدميها» وليس على «رأسها». هذا ثمرة ما وصل إليه التعاون بين معهد البحوث الأوروبية في جامعة هارفارد ومركز دراسات الحياة في باريس.

*الكتاب:فرنسا المتبدلة، 1980-2005

*الناشر:صحافة العلوم السياسية باريس 2006

*الصفحات: 475 صفحة من القطع المتوسط

La France en mutation, 1980-2005

Bruno Palier et®.

Presse de Sciences Po- Paris 2006

p.475