مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور جاك دونزلز الأستاذ المحاضر في جامعة فانتير والمستشار في ما يخص الشؤون العمرانية والمدنية الفرنسية، وهو يقدم في كتابه الجديد لمحة عامة عن أزمة الضواحي الفرنسية الفقيرة التي انفجرت في أواخر العام الماضي على هيئة ثورة عارمة. ومعلوم أن الحرائق التي أشعلتها هذه الثورة الاجتماعية ملأت شاشات التلفزيون والفضائيات في العالم أجمع.
واعتقد الناس أنهم يعيشون أو يشهدون ثورة فرنسية جديدة أو نوعاً من كومونة باريس التي اندلعت في أواخر القرن التاسع عشر بسبب الفقر أيضاً واستغلال البرجوازية للطبقة العمالية الكادحة أبشع استغلال.ومعلوم أن الشرارة التي أدت إلى اندلاع ثورة الضواحي المليئة بالعمال المغتربين هي كلمة واحدة صدرت عن وزير الداخلية نقولا ساركوزي، فقد وصفهم بأنهم أوباش أو رعاع. وعندئذٍ انفجر هؤلاء الناس الذي يعيشون في ظروف بائسة جداً وفي أحياء وسخة وبشعة ومحرومة من كل عناية، لقد انفجروا دفاعاً عن كرامتهم وتعبيراً عن سخطهم على إهمال الدولة لهم وعدم اهتمامها بمعاناتهم ومشكلاتهم الاجتماعية العديدة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن هذه الثورة العارمة لم تكن أول انتفاضة تقوم بها الضواحي المليئة بالعرب والسود عموماً. وهي الضواحي التي تحيط بالمدن الفرنسية الكبرى كباريس ومرسيليا وليون وسواها. ففي عام 1981 حصلت أول انتفاضة في ضواحي ليون، وكان ذلك بعد انتخاب أول رئيس اشتراكي للبلاد بفترة قصيرة: فرانسوا ميتران. وحاولت الحكومة الاشتراكية وقتها أن تأخذ مطالب المتمردين بعين الاعتبار. ولكن من دون أن تفعل شيئاً يُذكر على أرض الواقع. فالشيء الذي قدمته لم يكن كافياً أبداً. صحيح أنها راحت تتحدث عن ضرورة احترام التعددية العرقية والثقافية لفرنسا، وراحت تعترف بأنها أصبحت متعددة الأعراق والألوان. لقد أصبحت مشكَّلة من السود والبيض والعرب. وقدمت بعض المكاسب البسيطة للأحياء الفقيرة ثم اكتفت بذلك.
وبدءاً من عام 1983 راح اليمين المتطرف بقيادة جان ماري لوبن يستغل الوضع ويحذر الفرنسيين من خطورة هؤلاء العمال المغتربين عليهم. وهكذا وبدلاً من أن يتعاطف مع أناس فقراء قدموا دمهم وعرق جبينهم لفرنسا راح يشنّع بهم ويؤلِّب السكان الأصليين عليهم.
راح يقول للطبقات الشعبية الفرنسية: إن سبب مشكلاتكم الاقتصادية يعود إلى وجود هؤلاء العمال الأجانب الذين يسرقون عملكم ويأكلون لقمة عيشكم. وبالتالي فأموركم لا يمكن أن تتحسن إلا بعد طردهم من البلاد. والبطالة المتفشية بين صفوفكم تزداد وتتفاقم ما داموا هنا.
ولكن ماذا يمكن أن ننتظر من اليمين المتطرف؟ هل ننتظر منه النزعة الإنسانية والشفقة على الفقراء؟ مهما يكن من أمر فإن اليمين المتطرف ابتدأ في تلك اللحظة يكسب الأصوات العديدة في الانتخابات الفرنسية، بل وأصبح يمثل ما لا يقل عن 15% من عدد الأصوات. وهي نسبة مرتفعة جداً ما كان يحلم بها سابقاً أبداً.
في السابق لم تكن تتجاوز نسبته 5% على أحسن تقدير. وبالتالي فلو لم يلعب على وتر العصبية القومية الضيقة وكره الأجانب لما استطاع تحقيق كل هذا النجاح الانتخابي.ولكن من أين جاء كل هؤلاء العمال المغتربين؟
وكيف تشكلت هذه الضواحي البائسة حول المدن الفرنسية؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلاً: بعد الحرب العالمية الثانية خرجت فرنسا مدمرة من الحرب، وكانت بحاجة إلى عمال كثيرين لإعادة بنائها.
وبما أن الفرنسي كان يرفض ممارسة بعض الأعمال المرهقة في المصانع وأعمال البناء، خصوصاً أن أرباب العمل راحوا يبحثون عن العمال في البلاد الأجنبية. وهكذا سافروا بالطائرات إلى بلدان المغرب العربي لكي يستقدموا إليه العمالة الرخيصة من هناك.
وبالتالي ففي البداية كانت فرنسا هي الطالبة، وهي التي دعت هؤلاء الناس للمجيء إليها في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وليس صحيحاً ما يقول اليمين المتطرف من أنهم غزوا البلاد أو دخلوها سراً لكي ينهبوا رزقها، ولكي يعيشوا على حساب الفرنسي.. هذه دعايات كاذبة.
في البداية جاء العامل المغربي أو التونسي أو الجزائري بناء على طلب السلطات الفرنسية لإدارة عجلة المصانع، وملء ورشات العمل والبناء. فيما بعد حصل دخول للعمال سري، ولكن ليس في البداية.يضاف إلى ذلك أن أرباب العمل الفرنسيين كانوا يعرفون أن العامل الأجنبي شديد الخضوع والطواعية على عكس العامل الفرنسي الذي ينتظم في نقابات عمالية ويقوم بالإضرابات ويتجرأ على تحدي الدولة وكبار القوم من بورجوازيين ورأسماليين.
أما العامل الأجنبي سواء أكان عربياً أم إفريقيا أسود فيخاف على نفسه ووظيفته، ولا يتجرأ على رفع رأسه أمام أرباب العمل. ولهذا السبب رغبوا به واستقدموه بعشرات الآلاف أو مئات الآلاف إلى فرنسا. وفي البداية كان الكثير من العمال يسكنون في أحياء الفرنسيين نفسها، ولكن بمرور الزمن تشكلت لهم أحياء خاصة بهم بعد أن استقدموا عائلاتهم لكي تلحق بهم. وعلى هذا النحو تشكلت الضواحي الفقيرة التي تثور اليوم.
والواقع أنها لم تثر ولم تنتفض إلا مؤخراً. والسبب بسيط: ففي البداية كان هناك عمل للجميع، وبالتالي فالرزق مؤمَّن ولا داعي للاحتجاج أو الثورة، فطيلة السنوات الثلاثين المجيدة والمزدهرة التي عاشتها فرنسا بين عامي (1950 ـ 1980) لم تكن هناك بطالة في البلاد، كل الناس تقريباً كانوا يجدون عملاً لهم إذا ما أرادوا.
ولكن بعد ذلك ابتدأت المشاكل الاقتصادية، وأصبح أرباب العمل يسرّحون العمال بالآلاف. وكان أول المسرحين العمال الأجانب بطبيعة الحال. وهكذا ازداد الفقر والتهميش في الضواحي التي أصبحت بائسة بعد أن كانت مزدهرة نسبياً. ثم نشأ الجيل الثاني والثالث من أولاد المغتربين في جو مزعج لا يكاد يحتمل. وهو الجيل الذي انتفض مؤخراً وحرق الأخضر واليابس وشوه سمعة فرنسا في الخارج.
فهذا الجيل عندما يعود إلى البيت يجد أباه عاطلاً عن العمل ولا يستطيع أن يقدم له شيئاً يذكر. ولذلك يسرح في الشوارع ويمارس التجارة بالمخدرات أحياناً لكي يكسب عيشه. وبما أن الفقر هو سبب كل الآفات الاجتماعية فإن الكثيرين يتحولون إلى عصابات زعران أو قطاع طرق تقريباً. ويصبحوا يخيفون الناس أو يعتدون عليهم أو يسرقونهم. ولذلك توجد أحياء في فرنسا لا يتجرأ حتى البوليس أن يدخل إليها.
إنها تستعصي على الدولة وتعيش خارج القانون.ثم يردف المؤلف قائلاً: إن الضغط يولد الانفجار فالحالة لم تعد تحتمل في هذه الضواحي المهمشة والمحتقرة من قبل الشعب الفرنسي. عموماً الناش يعيشون في «غيتوهات» مغلقة على ذاتها ومقطوعة عن العالم الخارجي: أي عن الشعب الفرنسي، وهكذا تفككت المدينة الفرنسية وأصبحت عدة مدن دفعة واحدة.
وهي مدن متجاورة ومتعادية في الوقت ذاته.ولذلك لجأ الكثيرون من الشباب إلى الدين كوسيلة لحل مشكلتهم، وبعضهم انخرط في الحركات الأصولية المتطرفة لأنها هي وحدها التي تعطيه الأمل والإحساس بإنسانيته، بهويته وجذوره.
وهكذا اندلعت مشاكل عديدة في المجتمع الفرنسي كان بغنى عنها. ولكن السياسة المتبعة من قبل اليمين أو اليسار حتى الآن لم تستطع أن تجد حلاً لمشكلة الضواحي. وبالتالي فهي من أكبر المشاكل المطروحة على المجتمع الفرنسي حالياً وفي السنوات المقبلة. ويرى بعض الخبراء أن الطبقة السياسية الفرنسية ترفض أن تدفع ثمن الحل: أي عدة مليارات من الدولارات أو اليورو.
وينصح المؤلف باتباع سياسة جديدة ومسؤولة لحل هذه المشكلة الخطيرة التي أصبحت تهدد ليس فقط الضواحي وإنما المجتمع الفرنسي كله. فالمدينة الفرنسية أصبحت مفككة ومقسومة إلى عدة دوائر منفصلة عن بعضها البعض بل ومتخاصمة.
وبالتالي فينبغي تغيير هذا الوضع عن طريق اتباع سياسة جديدة للمدن ومحاربة الفقر والتهميش الاجتماعي المنتشر بكثرة في أوساط العمال المغتربين وفي بعض الأوساط الفرنسية أيضاً. ينبغي انتهاج سياسة جديدة كاملة ومختلفة كلياً عما سبق للخروج من هذا المأزق الكبير.
*الكتاب:عندما تتفكك المدينة
ما هي السياسة التي ينبغي اتباعها تجاه أزمة الضواحي؟
*الناشر:سويل ـ باريس 2006
*الصفحات:188 صفحة من القطع الكبير
QUAND LA VILLE SE DEFAIT
QUELLE POLITIQUE FACE A LA CRISE
DES BANLIEUES
JACQUES DONZELOT
SEUIL-PARIS 2006
P.188


