مؤلف هذا الكتاب الدكتور يونان لبيب رزق، وهو كاتب ومحلل سياسي له العديد من المؤلفات منها «العلاقات الخارجية للدولة المهدية، الخارجية المصرية، قضية وحدة وادي النيل، التعليم المصري في السودان». من خلال هذا الكتاب أراد المؤلف أن يلقي الضوء على بعض الحقائق ويكشف بعض الادعاءات المبنية على معتقدات بالية كسياسة المؤامرة والخطط الغربية،

واستعرض من خلال الفصول العديد من القضايا منها عمليات الربط بين اسمي كل من جمال عبد الناصر وصدام حسين، وأوضح أن هناك فارقاً كبيراً بين التوقيت والمكان والحدث في حد ذاته. ويحتوي الكتاب على قراءات تاريخية على هامش حرب الخليج على خمسة مواضيع ويتفرع من كل موضوع عدد من الفصول.

في مقدمة الكتاب يرى المؤلف أن تأصيل الأحداث تاريخياً هو الهدف من هذا العمل، ثم يتم الغوص في تفاصيل ما يجري على ضوء هذا التأصيل، وتأسياً على هذا فإن التعامل مع أحداث حرب الخليج منذ انطلاق شرارتها الأولى بالاجتياح العراقي للكويت وحتى لحظة الانتهاء من هذا العمل بكل المضاعفات التي صاحبت تلك الحرب.

يشير المؤلف إلى التشبيه الذي صدر عن الدوائر الغربية، وهو تشبيه صدام حسين بجمال عبدالناصر، وهي في ذلك أرادت أن توقظ داخل الرأي العام في بلادها مشاعر الخطر على المصالح التي أصبحت تجربة عبدالناصر رمزاً لها، وهذا التشبيه صدر في الوقت نفسه عن العراق وبعض القوى المؤيدة لسياسات صدام حسين في المنطقة العربية انطلاقاً من أن ما يفعله الرئيس العراقي إنما يضعه في موقع المناهضة لخصوم الأمة، وهو ما فعله جمال عبدالناصر.

ويرى أن صدام حسين ليس عبدالناصر، وذلك لأسباب تتعلق بالتاريخ والجغرافيا والتكوين السياسي. فمن الناحية الجغرافية فإن العراق ليست مصر، فالعراق دولة أطراف ومصر دولة قلب.. وتتعدد المخاطر التي يتعرض العراق لها كدولة أطراف، بدءاً من القوى المجاورة غير العربية، إيران وتركيا، ومروراً بالانقسامات العراقية الحادة ـ أكراد وتركمان وأشوريين، ووصولاً إلى الانقسامات المذهبية شيعة وسنة.

ويقول المؤلف وعن التكوين السياسي لزعيم الضباط الأحرار وقائد ثورة يوليو يتناقض تماماً من التكوين السياسي لرجل حزب البعث في بغداد، فالروايات المتداولة عن الرئيس صدام حسين كانت تؤكد أنه أستاذ في فن التصفيات الدموية، ليس فقط في اتجاه ارتقاء سلم الزعامة داخل الحزب، وإنما الأهم من ذلك في اتجاه البقاء على قمة هذا السلم..

أما تعامل جمال عبدالناصر مع خصومه كان يتم من خلال وضعهم في الظل، بطريقة أو بأخرى، وباستثناءات محدودة جداً على مدى تاريخه الحافل تعامل مع هؤلاء الخصوم بالعنف، وكان يلجأ إليه في أضيق الحدود. كما كان يلجأ إليه رداً عل العنف بعنف، أو يلجأ إليه اعتقاداً بأنه يحمي من خلال تلك الثورة.

يذكر المؤلف الحدث المأسوي الذي بدأ فجر يوم الخميس 2 أغسطس عام 1990 بالغزو العراقي للكويت، هذا الحدث الذي خلف مضاعفات على الواقع العربي ربما لم يخلفها حدث مماثل منذ حرب فلسطين عام 1948 فهذا الحدث كان الفصل الأخير من قصة طويلة بدأت عام 1913، وقت تعيين الاتفاقية البريطانية العثمانية لخط حدود بين الكويت والأملاك العثمانية المحيطة بها،

وبمرور ما يقرب من ثمانين عاماً (1913-1991) على تعيين خط الحدود بين دولتين دونما تعليم هذا الخط، وبمعنى آخر عدم وضعه على الأرض، إنما يمثل سابقة فريدة في تاريخ خطوط الحدود بين الدول وهي سابقة قد يكون لها ما يبررها. ويرى المؤلف أن إثارة العراق لمشكلات الحدود مع الكويت ترجع إلى مطالبه المستمرة بقروض إضافية منها، الأمر الذي بدا واضحاً في أعقاب الاجتياح الأخير.

فبعد أن قدمت الكويت للعراق قرضاً كبيراً لتمويل مشروع كهربة سد سامراء أصدر بيان مشترك للمباحثات التي أجرتها اللجنة الفنية المكلفة بتسوية الحدود أعلن عن اتفاق الطرفين على مباشرة إجراء عملية مسح شامل للحدود الكويتية ـ العراقية، إلا أن الحكومة العراقية لم تكن مستعدة للتفريط في هذه الرهينة، مسألة الحدود، التي يمكن أن تثيرها كلما تطلب الأمر مزيداً من القروض،

ونتيجة للوساطة العربية أعربت الحكومة العراقية عن استعدادها لإرسال وفد إلى الكويت لاستكمال بحث قضية الحدود، وتعهدت الحكومة العراقية بالانسحاب من المواقع التي احتلتها في الصامتة، ووفت بتعهدها بالفعل بعد الحصول على قرض كويتي كبير، إن الأمور كانت قد اشتعلت في الخليج كله في أعقاب الحرب العراقية ـ الإيرانية بامتداد سنواتها الثماني، فإن قضية الحدود بين الكويت والعراق قد هدأت تماماً خلال تلك الفترة، كان الهدوء الذي يسبق العاصفة.

حصاد العاصفة يذكر المؤلف أن الكوارث لها قيمة في حصيلة الخبرة التاريخية للشعوب ولكن بشرط واحد هو أن تتعلم منها تلك الشعوب وهذه الحقيقية البسيطة تقود إلى النظر فيما يمكن أن نسميه «حصاد العاصفة» عاصفة الصحراء التي أطاحت بالكثير من مفردات الحياة السياسية التي درج عليها التاريخ العربي المعاصر لتحل محلها وقائع جديدة لم نستوعبها بعد،

وربما لا نستوعبها أبداً طالما استمرينا على إدمان ما كنا نتعاطاه من أفكار قديمة لم يعد لها مكان في عالم ما بعد العاصفة، فهناك بعض الأوساط السياسية العربية تروج أن ما حدث ليس أكثر من مؤامرة دولية حيكت ضد الحاضر والمستقبل العربيين،

وهو الأمر الذي لقي هوى في نفوس البعض ولكنه في نفس الوقت الأمر الذي يتطلب دراسة من جموع الباحثين حتى لا نحصد من العاصفة سوى الحنظل! ويرى المؤلف صعوبة قبول مقولة البعض بأنه كانت هناك مؤامرة دولية أو أميركية لشن حرب الخليج أو ضرب الخليج مما تروج له بعض الدوائر العربية معتمدة في ذلك على حادثة هنا أو واقعة هناك.

لعل أشهرها ما ذكر عن المقابلة بين السفيرة الأميركية في بغداد إبريل غلاسبي وبين الرئيس العراقي والتي قيل إنها قد ألمحت للرئيس العراقي أن بلادها لن تتدخل إذا ما أحتل الكويت، وأنها بذلك قد غررت به. ويذكر المؤلف أن قبول قطاع كبير من العاملين في حقل السياسية العربية، لتفسير المؤامرة في حرب الخليج، تم في جانب منه لسبب سياسي، إلا أن قبوله يشي بوجود جذور للفكرة في العقل العربي،

فهو لم يتخلص تماماً من رؤى العصور الوسطي، حكايات ألف ليلة وليلة المليئة بالدسائس والمؤامرات ويتقبلها، بل ويقبل عليها إذا ما تجسدت في أعمال فنية، مثل تلك التي تبثها محطات التلفزيون العربية بشكل منتظم في شهر رمضان من كل عام. ومثل هذا الإقبال يجعل من السهل الترويج للتفسير التآمري للتاريخ لدي أناس لم يتخلصوا بعد من جو صناعة المؤامرة.

يبين المؤلف الفارق بين الرؤية السياسية والرؤية التاريخية في أن أصحاب الرؤية الأولى يهمهم التفصيلات، وأن أصحاب الرؤية الثانية يتوخون النظرة الكلية، فالرؤية السياسية تقول إن النظام الدولي الجديد هو توصيف شارع للتعبير عن متغير أساسي جرى في ميدان العلاقات السياسية في الفترة ما بعد الحرب الثانية بحلول التعاون محل الصراع بين القوتين العظميين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي،

وتعميق فكرة الاعتماد المتبادل بينهما، أما التجربة التاريخية تقول بغير ذلك، فهذا التوصيف السياسي يفترض أن التغير الذي حدث في العلاقات بين القوتين العظميين، إنما قد جرى نتيجة لمجموعة من الدوافع المتكافئة لدى الجانبين دعتهما إلى إعادة صياغة العلاقات بينهما على النحو الذي أفرز النظام الجديد، وهو افتراض غير صحيح.

ويقول المؤلف إن تأثير العاصفة على دول العالم الثالث، وبخاصة المنطقة العربية، فنظن أن ما يجري الآن من شخوص هذه الدول على اختلاف نظمها إلى تحركات الولايات المتحدة في فترة ما بعد الأزمة سعياً لحل ما اصطلح على تسميته بمشكلة الشرق الأوسط، وخفوت الاهتمام بالدور السوفييتي أو حتى بدور أوروبا الغربية، الأمر الذي كان العرب يعولون عليه كثيراً قبل العاصفة، إنما يعبر عن بداية شيوع القناعة بأن السلام لن يجيء إلا عبر واشنطن وهو أمر كان محل انتقاد شديد وعادل في مرحلة تاريخية سابقة.

أيمن رفعت

*الكتاب: قراءات تاريخية على هامش حرب الخليج

*الناشر: الناشر: مكتبة الأسرة القاهرة 2005

*الصفحات:290 صفحة من القطع الكبير