إن الشعر في اعتقادي هو الأساس. ولا يمكن لأي عمل فني مهما كان أن يحظى بالديمومة إن لم يكن يتضمن أدوات الشعر. والروائي الكبير هو أولا شاعر عظيم)، ذلك ما صرح به الروائي والصحافي والشاعر الفرنسي فرانسوا شارك مورياك، الذي فاز بجائزة نوبل للآداب عام 1952،
ومن المنتمين إلى جيل الكتاب الذين تناولوا في أعمالهم إشكالية الخير والشر في طبيعة الإنسان والعالم. بدأت شهرة مورياك الذي ولد في بوردو عام 1885 بعد الحرب العالمية الأولى حيث أنتج روايتين، إلا أن روايته (قبلة إلى النمر) التي نشرها عام 1922 هي التي رسخت مكانته ككاتب ومنحته الشهرة.
نشر بعد ذلك مجموعة من الروايات منها (صحراء الحب) عام 1925 و(تيريز) عام 1927 التي تعتبر من أهم الروايات الفرنسية، ثم (عقدة الأفاعي) عام 1923 وغيرها الكثير، وتناول فيها نماذج مختلفة من الطبيعة البشرية المتفردة سواء بالأنانية أو البخل أو الحقد أو التطرف في المشاعر.
وفي عام 1933 انضم إلى الأكاديمية الفرنسية، وبدأ بالكتابة لأشهر وأهم صحيفة فرنسية هي (الفيغارو) كما انتقد في معظم مقالاته الفاشية بكافة صورها، فقد ساند استقلال الجزائر وأدان أساليب الجيش الفرنسي.
وخلال الحرب العالمية الثانية وعلى الرغم من احتلال الألمان لبلدته حيث عاش مجموعة من الضباط في مسكن عائلته، تمكن مورياك من كتابة ونشر عمله (الدفتر الأسود) تحت اسم مستعار هو فوري، ويدين فيه العدو.
وفي عام 1939 واجه مورياك انتقادا حادا وقاسيا من كاتب لم يكن معروفا بعد، وهو جان بول سارتر الذي ذكر في مقاله الخاص بنقد روايته (نهاية الليلة) التي نشرت عام 1935، بأن فرانسوا مورياك يتدخل في حرية شخصياته حيث أعاد بطلته تريز التي تنتمي إلى رواية سابقة، إلى الحياة في عمله اللاحق، كما اتهمه بأنه يمارس دور الآلهة مع شخوص أعماله.
كتب مورياك ثلاثين رواية وعددا من المسرحيات التي لم تحقق نجاحا كبيرة ونشرت أعماله في 12 مجلدا خلال حياته، من ضمنها السيرة الذاتية لشارل ديغول وذكرياته الخاصة، وتوفي في باريس في 1 سبتمبر عام 1970.
وكما ذكرنا سابقا فقد دفع هذا النقد القاسي مورياك لشحذ كافة قدراته الذهنية والإبداعية إن لم يكن لتجاوز نفسه في كتابة روايته (امرأة متسلطة) التي بدأ بكتابتها عام 1941 حيث كان مختبئا في منزله من الأعداء ونشرها في العام التالي. وكما ذكرنا فقد حققت له الرواية فوزه بجائزة نوبل.وتعتبر روايته تلك بمثابة الحلقة المفقودة لمرحلة انتقال الرواية الفرنسية من ما قبل الحرب إلى ما بعدها،
ويتناول فيها دقائق آلية عمل فكر السيدة بريجيت بيان كإنسانة متسلطة محبة للنفوذ. فهذه الإنسانة كما ترى نفسها تمثل إرادة الله على أرض الواقع وبالتالي تنفذ مشيئته. وهذه القناعة التامة لديها، تمنحها القوة وفي ذات الوقت تجعلها شخصية خطرة بالنسبة لمن حولها.
وبما أنها من فئة المتعصبين، فهي تعتقد أنها تفهم أكثر من جميع الناس وتدرك ما فيه مصلحتهم وخيرهم أكثر منهم شخصيا. وهي لا تعاني من أي انتقاد يوجه لها، كانت تواجه ردة فعل الآخرين ضدها وتذمرهم منها وبكل عفوية وبرفع يديها إلى السماء وترسل لله شكواها منهم.
ويبلغ مورياك أوج إبداعه، حينما يقدم شخصية لويس بيان الذي ينتقد تسلط زوجة أبيه وفي ذات الوقت يمارس سلوكها مع من حوله، فما هو إلا نموذج آخر لها وإن كان على مستويات مختلفة. تحكم هذه المرأة سيطرتها على جميع من حولها ابتداء من زوجها إدوارد إلى أبناء زوجها والجيران وانتهاء بالناس الذين تدعوهم أصدقاء. وإن تجرأ أحد على انتقاد هيمنتها أو تدخلها، فإنما تدعو الله بصوت عال يسمعه الجميع.
تدرك بريجيت أن الشاب ذا الماضي الملتبس، ليس بالرجل المناسب لابنة زوجها، وهكذا تبدأ باستغلال زوجها لمنع الشاب ميشيل من رؤية ابنته التي يحبها. وحينما لا يفلح القس الذي كان المرشد الروحي للشاب في التفريق بينهما حسب رغبة بريجيت، تأخذ بثأرها منه بتوجيه رسائل اتهام إلى مسؤوليه مما يؤدي إلى طرده من الكنيسة وتجريده من صلاحياته.
وما تقوم به بريجيت يشبه من يقوم بإطعام المساكين سمكا وهو يجلدهم حتى الموت، أو من يرفض تعليمهم الصيد لكنه يذكرهم على الدوام بإحسانه وبأنهم من دونه لما حصلوا على نصيبهم من السمك ولكان مصيرهم الموت جوعا. والويل الويل لهم إن حاولوا تعلم الصيد، حيث سيكف عنهم إحسانه قبل أن يحظوا بفرصة اتقان عملهم. وهذا بالطبع يوضح بأن هذه الشخصية لا تتعامل بدافع الحب لأنها مجردة منه.
إلا أن عبقرية الكاتب لا تتجلى في قوة شخصية بريجيت فقط، بل بعرضه لفكرة أن من يمارس عليه التسلط يقوم في الغالب بذات الدور مع غيره. ومعظم الناس لا يدركون ذلك، وشخصية لويس أكبر مثال على ذلك.
وقد عكست هذه الرواية واقع الحكومة الفرنسية الفاشية التي كانت تحكم البلد في عهد نشرها. وقد رأى مسؤولو الحكومة أنفسهم في الرواية وبالتأكيد لم يعجبهم ذلك، وعليه فقد منعوا المطبوعات من تقديم أي عرض أو خبر عنها وإن لم يمنع ذلك من انتشارها كالنار في الهشيم.
وفي النهاية وبصورة ما تدرك بريجيت خطأها وتسعى إلى التوبة، ولكن بعد أن مات من مات وتخلى عنها الجميع. وتعي أخيرا أن الله لا يطلب منا الأفعال التي نقوم بها، ولكن الحب النابع منها له وللآخرين. وجدير بالذكر أن الكاتب الشهير غراهام غرين كان قد طلب حينما كان يعمل كمحرر في دار نشر اير اند سبوتسوود في لندن ترجمة تلك الرواية إلى الانجليزية وذلك عام 1946 لتنتشر بعدها في أميركا.

