درجت دور النشر العربية وفي طليعتها اللبنانية على طرح جديدها خلال شهر سبتمبر من كل سنة، وذلك بعد فترة الصيف التي عادة ما تكون فترة كسل واسترخاء حيث تقل المعارض وتخف حركة التوزيع، ولكن في المقابل يعلو هدير المطابع في معظم عواصم النشر.

قطاع النشر في لبنان تأثر كله بالعدوان الإسرائيلي الأخير على هذا البلد، فقد تضررت أكثر من تسعين دار نشر لبنانية وتعطلت مطابع واحترقت مخازن ومستودعات ودمرت مكاتب كانت تتخذ من الضاحية الجنوبية مقراً لها. وغدا الكتاب في واحدة من أهم محطات النشر العربية ضحية، شأنه شأن الآلاف من الشهداء والمهجرين. بعدما كان ضحية الإهمال العربي قراءة واهتماماً وتعزيزاً.

التعويض الذي يحتاجه الكتاب ليس كتعويض فاقدي البيوت، التعويض أن يعود ثانية إلى الواجهة عبر دوران المطابع أولاً، ودفع العناوين الجديدة إلى المعارض ثانية وخاصة ان خارطة المعارض في المنطقة تبدأ في الانطلاق الفعلي أواخر كل صيف.

لا أحد يعرف حجم الخسائر التي طالت صناعة الكتاب في لبنان، خاصة في وقت ينشغل فيه المعنيون بخسائر بشرية ومادية أكثر أهمية، وفي وقت تتفاعل فيه أزمة الكتاب العربي مادياً ومعنوياً يبدو أن بيروت نالت نصيبها الأكبر من الخسارة، حيث كان متوقعاً ان مئات العناوين الجديدة ستجد طريقها إلى النور وستكون في متناول القارئ خلال معارض الكتب المقبلة.

فإذا كانت الحرب طالت عشرات دور النشر اللبنانية، فإنها في الوقت ذاته تبث الرعب في قلوب صانعي الكتب الذين انشغلوا بإحصاء ما دمرته القنابل من مكاتب ومستودعات وما خلفته من أجهزة محطمة يحتاج إصلاحها أو استبدالها إلى وقت ومال ليس متوفرين بتلك السهولة التي تتوفر لأغنية فيدو كليب،

حيث يمكن لفريق تصوير احدى روائع «العرب» ان ينطلق بقضه وقضيضه إلى إيطاليا ليصور مشهد ارتماء فوفو في أحضان سبع البرمبة والعودة سالمين غانمين، بينما لا يمكن لناشر عربي أن يطبع كتاباً في بنغلاديش فهو لا يمتلك فريقاً يرتمي في أحضانه، وأصلاً لا يمتلك مالاً ليصور الكتاب بطريقة الفيديو كليب.

مأساة الكتاب العربي تفاقمت أكثر بعد الحرب في ظل غياب الدعم الحكومي لهذا القطاع الحيوي، وفي ظل غياب المؤازرة الشعبية له قياساً بما تحظى به قطاعات أقل شأناً ولكنها أشد تأثيراً، وستكبر المأساة عندما ندرك التقديرات الأولية لخسائر دور النشر اللبنانية التي تفوق خمسة وسبعين مليون دولار.

hussain@albayan.ae