قام بتأليف هذا الكتاب والإشراف عليه البروفيسور كارل أميريكس أستاذ الفلسفة في جامعة نوتردام. وهو من كبار المختصين بفلسفة كانط التي كرس لها عدة كتب. وساهم معه في تأليفه العديد من الباحثين الآخرين.ويتألف الكتاب من الفصول التالية: مقدمة عامة بعنوان: تفسير المثالية الألمانية بقلم المشرف العام كارل اميريكس.وأما الباحث فريد ريك بيزر فقد كتب الفصل الأول تحت عنوان: التنوير والمثالية.

وفيه يدرس العلاقة بين حركة التنوير الأوروبي والفلسفة المثالية الألمانية التي كانت جزءاً منها. وأما الباحث بول غدير فقد كتب الفصل الثاني بعنوان: المثالية المطلقة ورفض الثنائية الكانطية. أما الباحث آلين وود فقد كتب الفصل الثالث تحت عنوان: الفلسفة العملية لكانط: أي الفلسفة التي تتحدث عن القضايا الأخلاقية والسياسية والعملية والقضايا النظرية التي كرس لها كتابه الضخم: نقد العقل الخالص. ومعلوم أن كل فيلسوف يقسم فكره إلى قسمين: قسم نظري وقسم عملي.

وأما الباحث دانييل داهلستورم فقد كتب الفصل الرابع من الكاتب تحت عنوان: النظرية الجمالية الكلية للمثاليين الألمان من أمثال: هامان، هيردر، شيلر هذا في حين أن الباحث بول فرانكس كتب الفصل الخامس تحت العنوان الفلسفي التالي: كل شيء أو اللاشيء: التفكير المنطقي التماسك والعدمية لدى جاكوبي، رينهولد، ميمون.

أما الباحث رولف بيتر هورستمان فقد كتب الفصل السادس من هذا الكتاب تحت العنوان التالي: الفلسفة الأولى لفيخته وشيلنغ. هذا في حين أن الباحث شارل لارمور كرس جهوده لدراسة الفلسفة المثالية الألمانية من وجهة نظر شاعرين كبيرين هما: هولدرلين ونوفاليس. (الفصل السابع). أما الباحث تيري بينكارد فقد كرس جهوده لدراسة الموضوع التالي: فينومينولوجيا هيغل والمنطق. رؤية عامة.

(الفصل الثامن). أما الباحث روبرت بيبين فقد كتب الفصل التاسع تحت العنوان التالي: الفلسفة العملية لهيغل : تحقيق الحرية في التاريخ. ومعلوم أنه كان يعتبر ان عصره هو عصر التحرر من الإقطاع والظلم والأصولية الظلامية المسيحية التي كانت سائدة آنذاك.

وتطرق الباحث غونتر زولير إلى الموضوع التالي: المثالية الألمانية: التحديد الذاتي للمثالية عند فيخته وشيلنغ وشوبنهاور. وهنا نلاحظ إقامة توازن بين المثالية والواقعية عند كبار الفلاسفة (الفصل العاشر من الكتاب) المثاليون الألمان لم يكونوا مجرد حالمين أو ضائعين في متاهات الميتافيزيقا وإنما كانوا أيضاً مرتبطين بالواقع.

أما الباحث ديترستور فقد كتب الفصل الحادي عشر تحت هذا العنوان: السياسة والأسطورة الجديدة في الحركة الرومانطقية. هذا في حين أن الباحث اندروباوي درس العلاقة بين المثالية الألمانية والفنون (الفصل الثاني عشر). فالمثالية تشعبت وتغلغلت حتى وصلت إلى ساحة الفن التشكيلي والشعر وسوى ذلك.

وأخيراً ختم المشرف العام على الكتاب المشروع كله ببحث هام عن تأثير الفلسفة المثالية الألمانية على الفلاسفة الكبار الذين جاؤوا بعدها مباشرة من أمثال: فويرباخ، ماركس، كيركيغارد. وهكذا يكون قد حصل الربط بين الماضي والحاضر. هذا هو المخطط المهم للكتاب، والآن لندخل في التفاصيل.

منذ البداية يطرح هذا السؤال نفسه: ماهي المثالية الألمانية؟ ويجيب المشرف العام ـ أو المؤلف الأساسي للكتاب ـ قائلاً بما معناه: الفلسفة المثالية هي حركة فكرية ظهرت في ألمانيا إبان القرن الثامن عشر وازدهرت في القرن التاسع عشر. وقد ظهرت أولاً على يد ايمانويل كأنه صاحب الكتب الشهيرة: فقد العقل الخالص، ونهت العقل العملي، والدين ضمن حدود العقل ... الخ.

ومن أشهر ممثلي هذه الفلسفة بالإضافة إلى الأب المؤسس كانوا يمكن أن نذكر فيخته، شيلنغ، هيغل، ومن الصعب أن نفصل هذه الحركة الفلسفية الضخمة عن سياقها التاريخي والغليان الثقافي الاستثنائي الذي كانت تعيشه ألمانيا في تلك الفترة. فكان هو الذي ختم التنوير بعد أن وصل به إلى أكبر نضج ممكن، وبعده جاءت الفلسفة المثالية الألمانية كمعادل موضوعي للحركة الرومانطيقية في مجال الآداب والشعر والفنون.

وبالتالي فالفلسفة المثالية هي فلسفة التنوير وما بعد التنوير كما أنها تمثل نقداً لنواقص التنوير وتجاوزاً لها. ثم يردف المؤلف قائلاً: والفلسفة المثالية الألمانية هي المعاصر الفكري لأكبر حدث سياسي في ذلك الزمان: أي الثورة الفرنسية فجميع الفلاسفة المثاليين أيدوا تلك الثورة في البداية لأنهم كانوا مثاليين يحلمون بتغيير الواقع الإقطاعي والاستبدادي لألمانيا مثلما غيرته الثورة الكبرى في فرنسا.

وبالتالي فالمثاليون الألمان على عكس ما توحي به التسمية كانوا منخرطين في معمعة الواقع أكثر مما نظن. ويمكن القول إن كبار ممثلي الفلسفة المثالية الألمانية كانوا متألمين لانقسام ألمانيا إلى عدة إمارات أو دول متناحرة. ولذلك نفخوا الروح في الشعب الألماني وأشعروه بوحدته القومية وساهموا بالتالي في توحيد ألمانيا الذي تحقق لاحقاً.

وهذا يعني أن تأثيرهم كان كبيراً على مجريات الأمور. فإذا كانت المثالية تغير الواقع فأهلاً وسهلاً بالمثالية. بهذا المعنى فإن الفلسفة المثالية كانت ذات نزعة قومية رومانطيقية عالية. وهذا ما يتجلى في كتاب فيخته الشهير: خطاب موجه إلى الأمة الألمانية. ومعلوم أن فيخته كان من كبار ممثلي الفلسفة المثالية، ومعلوم أيضاً أن كتابه هذا يعتبر من قبل الألمان حالياً بمثابة المؤسس للقومية الجرمانية.

وقد استلهمه بعض منظري البعث الأوائل عندما فكروا في توحيد الأمة العربية. ولكن الفرق بعيد بين تنظيرهم السطحي عموماً وتنظيره الفلسفي العميق. وكتاب فيخته هذا كان موجهاً أيضاً ضد الاحتلال الفرنسي لبلاده في عهد نابليون. وقد أعلن الفيلسوف فيه بكل عنجهية وافتخار تفوق اللغة الألمانية على جميع اللغات الأخرى.

ثم جاء بعده هيغل وأعلن عن تفوق الفلسفة الألمانية على جميع الفلسفات الأخرى بما فيها فلسفة الشعب المنافس لهم: أي الفلسفة الفرنسية. فقد قال هذه العبارة في كتابه: لمحة عامة عن العلوم الفلسفية: إن الفلسفة التجأت مؤخراً عند الألمان وهي لا تعيش إلا عندهم وبهم! .. من المعلوم أن هذه العنجهية الألمانية سوف تتضخم لاحقاً حتى تصل إلى هتلر ..

ولكن هذا لا يعني أبدا أن هيغل هو المسؤول عن هتلر! .. كل ما نقصده هو أن القرن التاسع عشر كان قرن انبعاث القوميات في أوروبا: من قومية فرنسية، أو ألمانية، أو ايطالية ... الخ. والواقع أن الفلسفة المثالية الألمانية أحدثت تجديداً في تاريخ الفلسفة الحديثة كلها. من المعلوم أن الأنوار الفلسفية الفرنسية وكذلك التيار التجريبي في الفلسفة الانجليزية انفصلا كلياً عن الدين وما عادا يهتمان به على الإطلاق.

لقد قاما على تصور علماني مطلق عن العلم وعن علاقته بالرياضيات والتجربة العملية المحسوسة. واعتبرا أن الدين قد انتهى كلياً بعد أن دخلنا في عصر العلم والتكنولوجيا. أما الفلسفة المثالية الألمانية فقد رفضت هذه القطيعة مع الدين وقالت ان المعرفة البشرية واحدة لا تنفصم والدين جزء من هذه المعرفة ولكن الفلسفة تشكل محركها الأساسي.

وقد قال الشاعر الكبير نوفاليس (1772 ـ 1801)، الذي كان تلميذا لفيخته ان الفلسفة هي المثال الأعلى للمعرفة البشرية. انها تجسد أعلى ذروة يمكن أن تصل إليها معرفتنا. والفلسفة بهذا المعنى تشمل الدين والعلم والفن وكل شيء. انها كلية المعرفة البشرية وعصارتها.

ثم يردف المؤلف قائلا: ونجد هذا التصور بالطبع عند المعلم الأكبر للمثالية بعد كانط: أي فيخته نفسه فقد نشر كتاباً مهماً عام 1794 بعنوان: المبادئ الأساسية لنظرية العلم. وفيه ينص على الفكرة المركزية التالية: ينبغي التوصل إلى المعرفة المطلقة التي تقول لنا كل شيء عن العالم ومصير الإنسان.

فالمعلم بالنسبة لفيخته كما بالنسبة لهيغل يعني النظام المعرفي المكتمل بذاته والمكتفي بذاكرته، ولكنه يشمل كل المعرفة بما فيها الدين. والمقصود بالعمل هنا الفلسفة بطبيعة الحال. فهي تضم كلية المعرفة البشرية بما فيها العلوم الطبيعية والإنسانية والدين وكل شيء. وهذا يعني أن الفلسفة بالمعنى العام والشامل للكلمة أصبحت تضم الفلسفة الطبيعية والفلسفة السياسية والفلسفة الأخلاقية وفلسفة الدين في آن معا. وهذا هو معنى كلية المعرفة البشرية.

من هنا يتبدى لنا الطابع الضخم للفلسفة المثالية الألمانية فهي طموحة إلى أقصى الحدود، بل ربما كان طموحها أكبر منها إذا جاز التعبير. فالواقع أنه لم يوجد فيلسوف واحد بعد فيخته وهيغل يعتقد بإمكانية جمع المعرفة كلها أو التوصل إلى المعرفة المطلقة والنهائية كما اعتقدا هما، ولكن هذه الفلسفة نجحت في بعث المانيا وتوحيدها ونفخ الروح فيها.

*الكتاب: دليل كامبردج إلى الفلسفة المثالية الألمانية

*الناشر: مطبوعات جامعة كامبردج 2006

*الصفحات:322 صفحة من القطع المتوسط

CAMBRIDGE COMPANION TO GERMAN IDEALISM

KARL AMERIKS

YTISREVINU EGDIRPMAC

PRESS 2006

223 .P