جوزيف هيف واندرو بوتر، أستاذان جامعيان كنديان يعمل الأول استاذاً للفلسفة في جامعة «تورنتو» وهو مؤلف العديد من الكتب من بينها «مجتمع الكفاية» و«الاتصال والخيار العقلاني» اما «اندرو بوتر» فهو أستاذ في جامعة مونتريال مختص بدراسة المنظومات الأخلاقية. في هذا الكتاب يقترح المؤلفان تحليلاً للحريات الثقافية في المجتمعات الاستهلاكية خلال العقود الثلاثة المنصرمة.

هذه الحركات أرادت ان تكون «راديكالية» ورفضت «كلية» النظام القائم وبالتالي أخرجت نفسها من المشاركة في الديمقراطية السياسية. ويقول المؤلفان عن عملهما: «إننا نؤكد في هذا الكتاب الفكرة القائلة انه اذا كانت عقود من تمرد الثقافة المضادة لم تغيّر أي شيء، فذلك يعود إلى واقع ان النظرية التي تعتمد عليها فكرة الثقافة المضادة هي فكرة خاطئة».

الفكرة أو «الرسالة» الأساسية التي يريد مؤلفا هذا الكتاب، الاستاذان الجامعيان الكنديان، تقول ان «الثقافة المضادة» قد أصبحت بدورها سلعة قابلة للبيع أو بالأصح سلعة «رائجة» في أسواق البيع.. فإذا كان الثائر الأميركي اللاتيني الشهير ارنستو تشي غيفارا هو أحد أهم رموز الثورة في القرن العشرين، فلا شك ان صوره والألبسة التي تحمل اسمه،

أو رسماً لقبعته الشهيرة، أو أي شيء آخر يدل عليه قد بيعت بملايين أو ربما بمليارات الدولارات في مختلف الأسواق العالمية. ثم ان كتاباً ما يجعل من موضوعه تحليل مفاسد المجتمع الاستهلاكي وأخطاره يمكن أن يدرّ على ناشره، وبدرجة أقل كثيراً على كاتبه، مبالغ طائلة..

هذا إلى جانب الشهرة التي ينالها صاحبه والتي تجعل من إنتاجه اللاحق سلعة رائجة بدورها.. يقول المؤلفان بهذا الصدد: «ان الخارجين على ما هو سائد، وليس المنضوون في إطاره، هم الذين يرفعون نفقات الاستهلاك. وهذه الملاحظة تبدو امراً واضحاً لا يحتاج إلى نقاش لدى العاملين في حقل الإعلان».

ويجد المؤلفان في الفترة «الثورية» التي شهدتها فرنسا خلال ما عُرف بثورة الطلبة في شهر مايو من عام 1968 وما رفعته من شعارات، مادة ممتازة اليوم لشركات الدعاية والإعلان، ثم ان «المتمرد» أصبح «فريسة سهلة» للمجموعات الكبرى متعددة الجنسيات ولما تطرحه في العالم أجمع من «ماركات» وبهذا المعنى غدت «الثورة المضادة» في الأمس،

مجرد أسطورة عرفت «الليبرالية الجديدة» كيف توظفها في سوق الاستهلاك. ذلك ان الرأسمالية تعرف كيف تتغذّى باستمرار من ثقافة «خرق ما هو مألوف» ذلك ان مثل هذه الثقافة لاتزال ذات أثر كبير على المجتمعات الغربية الاستهلاكية، ولاتزال حاضرة في الأذهان، وتجعل من المعنيين بها مستهلكين «محتملين»..

ومن السهل مثلا تصور مدى الأثر «الايجابي استهلاكيا» الذي يمكن ان تثيره علبة، أو زجاجة، كوكاكولا تحمل صورة تشي غيفارا.كذلك عرفت آليات السوق كيف تستفيد من الشعارات الثورية التي تطالب بإقامة مجتمع «بديل» يكون أكثر عدلاً، من المجتمعات الاستهلاكية الرأسمالية القائمة..

وهكذا فهم المعلنون ومن ورائهم أرباب الشركات الكبرى، ان فكرة «البديل» نفسها هي، وكانت باستمرار، «عامل بيع» كبير.هكذا اذا كان «الثوريون، قد رفعوا باستمرار شعارات تصب في القول ان «الثورة ستكون ثقافية ولن تكون». ولذلك ليست الرأسمالية ثوب «الرأسمالية الثقافية».

ويعتمد المؤلفان في تحليلاتهما على باحث اقتصادي، اخرجاه من طي النسيان. هو «تورستن فيبلين» المتوفى عام 1929، والذي أكدّ ان اللجوء إلى الاستهلاك الكبير لا يعود ابداً إلى «طغيان الماركات» كما شاع القول لدى أغلبية المحللين الاقتصادي وإنما بالأحرى إلى نوع من «السباق المحموم لنيل مكانة اجتماعية» لها علاقة مباشرة بالمعايير الثقافية السائدة.. اذ ان القاعدة السائدة هي: «قل لي ماذا تشتري، أقل لك من أنت».. وذلك على غرار: «قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت».

أي بتعبير آخر يمثل استهلاك هذه السلعة أو تلك مؤشراً إلى الميل نحو تأكيد المكانة الاجتماعية لمستهلكها. ان مثل هذا الميل يتماشى، حسب التحليلات المقدمة مع إرادة البشر في المجتمعات الرأسمالية بالتمايز عن الآخرين.. بل ان البحث عن «تعظيم الذات» موجود في «قلب الآلية الرأسمالية» ذاتها..

هكذا يرى المؤلفان ان النخب المدينية الجديدة تبحث عن التمايز عن «العامة»، أو ربما عن «الرعاع» في ذهن الكثيرين من افرادها، ولذلك تبحث عن التمايز المنشود عبر «التجديد» في مجال الاستهلاك الذي كان أصلاً في صميم تكونها.

ويؤكد المؤلفان على ان اليسار في الغرب إجمالاً، أي في بلدان المجتمعات الاستهلاكية، قد وجد نفسه في الطريق المسدود بسبب الإرث «الثقيل» لسنوات الستينات، سنوات تشي غيفارا وثورة الطلبة في فرنسا.. هذا اليسار لم يفهم آليات عمل السوق وان الأسئلة التي اثارتها المجتمعات الاستهلاكية لها علاقة عضوية بالعمل الجماعي للمجتمع وليس بصراع الطبقات فيما بينها،

ثم ان هذا اليسار يهرب من مجابهة الواقع عبر تحميل مسؤولية المشاكل المطروحة إلى إرادة قوة شريرة «تحرك الخيوط كلها لمصلحتها الخاصة. وعلى عكس اليسار الذي ظل محافظاً على مواقعه الجامدة باسم المباديء الايديولوجية المختلفة، فإن اليمين الرأسمالي وخاصة بنسخته الليبرالية الجديدة، خرج من الأطر القديمة التقليدية كي يبحث عن مصالحه لدى «الغير»، «الآخر» «البديل»..

باختصار سعى إلى استثمار «الثقافة المضادة» التي كانت قد أعلنت الحرب عليه ذات فترة، كما كان قد أعلن الحرب عليها.. ان الثقافة «الاستهلاكية» لم تكتف بسحب البساط، كما يقل، من تحت اقدام الثقافة المضادة وإنما وضعته، تحت اقدامها هي..

هكذا أصبح الانتقال إلى «ما هو مختلف» يشكل مادة أساسية في الإعلانات الموجهة إلى المستهلكين مباشرة في شتى الميادين.. مثل الدعوة الى موسيقى «ليست كغيرها من أنواع الموسيقى» والى طب «بديل» والى رحلات سياحية لـ «بلاد الغرائب».. ثم ان نمط العيش الذي كان يتم وصفه سابقاً انه «بوهيمي» أصبح اليوم موضوع سوق استهلاكي هائل.

ويقوم مؤلف هذا الكتاب بعملية نقد عنيف ضد إرث الجيل السابق، تجدر الإشارة هنا إلى ان المؤلفين، كليهما، في الثلاثينات من العمر، ويعتبران ان المبالغة في تحميل الدولة الحديثة مسؤولية القمع والكبت والجمود دفعت اليسار إلى العزوف عن العمل السياسي المنتج..

وصبت في نفس الاتجاه اعمال سيغموند فرويد في الحالة الأميركية حيث جرى تفسيرها «على عجالة» بشكل يتواءم مع موجة الأفكار والتي كانت سائدة في سنوات الستينات، لاسيما فيما يتعلق بتركيز «الثورة المضادة» على ممارسة العنف كـ «غاية بذاته» وليس في أفق أي مشروع للتغيير. ولا يترددان في التأكيد ضمن هذا السياق، على أن اليسار الأميركي خاصة، واليسار الغربي عامة، الذي تشكل وحدد نهجه انطلاقاً من سنوات الستينات «لم يزود نفسه بالامكانيات المطلوبة من اجل تغيير نمط العيش».

ويعتبر المؤلفان ان اليسار «الثوري» الذي رفع شعارات «الثورة المضادة» بقوة خلال ستينات القرن الماضي خاصة، لم يتعرض، ولم يفهم، المشاكل الجوهرية المطروحة على مجتمعاته.. وفضل الاكتفاء ببعض المواقف «الصرعات» مثل إعلان «يوم بدون استهلاك» في أميركا، وذلك مرة كل سنة.. وذلك كوقفة «ضميرية» ولكن ما لم يكن يدركه الأميركيون هو ان المبالغ المتروكة للبنوك في ذلك اليوم كان يتم استهلاكها من قبل آخرين. وكان من نتيجة ذلك «العماء» لدى اليسار.

عدم اهتمامه الحقيقي بالرهانات السياسية المطروحة على المستويين الوطني والدولي.. أي ان ذلك اليسار خاض معارك «قانونية» وأهمل ما هو جوهري وبهذا المعنى أيضا كان الانتماء إلى معسكر اليسار يعني اختيار «الطريق السهل» وليس النضال من اجل التأثير على مجريات الأمور. ولا يتردد المؤلفان في التهكم ضمن هذا الإطار من أولئك «اليساريين» الذين كانوا «يؤشرون نحو اليسار» ثم «ينعطفون بسياراتهم نحو اليمين».

*الكتاب:التمرد المستهلك: حول عدم فعالية الثقافة المضادة

*الناشر: هربر كولنز ـ لندن 2005

*الصفحات :368 صفحة قطع متوسط

NATION OF REBELS: WHY

COUNTER CULTURE BECAME

CONSUMER CULTURE

SOSEPH HEATH

ANDREW POTTER

HERPERCOLLINS

5002 NODNOL

863.P