اريك اورسينا، عضو في الأكاديمية الفرنسية منذ عام 1998 ـ هذه الأكاديمية يدعى أعضاؤها بالخالدين. حاز على جائزة «الغونكور»، أهم جائزة أدبية فرنسية في عام 1998، عن روايته «المعرض الاستعماري»، روائي واقتصادي ومستشار سياسي ورحالة ورئيس المركز الدولي للبحار..
هذه هي بعض الصفات التي يمكن أن تتبع اسم اريك اورسينا .. اسمه الحقيقي هو اريك ارنو أما تسمية اورسينا فهي الاسم المستعار الذي اختاره لروايته الأولى المنشورة عام 1947. وينبغي ألا ننسى أيضاً أن «اريك اورسينا» يعمل مستشاراً ثقافياً في قصر الاليزيه حيث يساهم في كتابة خطابات رئيس الجمهورية الفرنسية.
قدّم اريك اورسينا العديد من الأعمال في الرواية وأدب الرحلات والدراسات من بينها: «قواعد اللغة أغنية ناعمة» و«صورة توصيفية لخليج ستريم: في مديح تيارات البحر» و«حول العالم في ثمانين يوماً». الخ. «رحلة إلى بلدان القطن» هو كتاب عن العولمة في نسختها الليبرالية الجديدة..
ولكن من بوابة ضيقة، وتبدو أنها ضيّقة للوهلة الأولى، هي بوابة «القطن» لكنها بالفعل ليست سوى «بوابة» نحو العولمة.. إذ هناك عدة مئات الملايين من البشر في مختلف قارات العالم يعملون في عالم القطن زراعة أو تجارة أو تصنيعاً أو توزيعاً أو استهلاكاً فنحن نحمله غالباً فيما نلبس، هذه النشاطات كلها تترابط فيما بينها وتتكامل وتتزاحم. وهذا ما يحاول مؤلف هذا الكتاب أن يشرحه.
وتبرز في الشروح المقدمة في هذا الكتاب شخصيتان للمؤلف وكلتاهما من «اختصاصه» فهما شخصية الاقتصادي الذي غدا كاتباً. انه مسلح بهاتين الشخصيتين، يجوب العالم وهو يسترشد بدليل واحد يؤشر على خط سيره هي أن البلدان التي يقصدها تنتج كلها القطن أو يشكل عنصراً أساسياً في اقتصادها.. وذلك من مالي، البلد الإفريقي الفقير، إلى الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم..
ومن البرازيل إلى الصين ومروراً بأوزبكستان ومصر وفرنسا وغيرها.ويعترف اورسينا أن البعد الاقتصادي في شخصيته الذي طغى عليه رجل الأدب يعود إلى سنوات شبابه الأولى حيث كان الاقتصاد الدولي في طليعة اهتماماته.. بل وانه أصبح لفترة من الزمن أخصائياً بحركات رؤوس الأموال على المدى القصير وباقتصاد المواد الأولية مثل القهوة والكاكاو والنحاس والسكر والبترول والقطن.. وهكذا تغدو الرحلة إلى بلدان القطن «مفهومة ومبررة أكثر».
إن اورسينا يدعو قارئه إلى زيارة مستودعات الشركة الوطنية المالية ـ من مالي ـ للقطن والتي تمتلك فرنسا 40% من أسهمها.. إن هذه المؤسسة تؤمن موارد لما يزيد على ثلاثة ملايين ونصف المليون من الماليين لتأمين قوت يومهم والحد الأدنى من سبل العيش، هذا فضلاً عن أنها تقوم بالعديد من النشاطات الاجتماعية والثقافية الأخرى التي ما كان لها أن توجد بدونها مثل إقامة مراكز تقوم هي بتمويلها، لمحو الأمية لدى عمالها وفي بلاد تعاني من نسبة عالية جداً من الأميين..
كما أنها ـ أي المؤسسة ـ وراء افتتاح العديد من المدارس لاستقبال أبناء العاملين فيها وكذلك بناء مستوصفات لاستطبابهم.. ويشير المؤلف في هذا السياق إلى انه من حسنات هذه المؤسسة وفضائلها الكبيرة أنها تخرق تعليمات «البنك الدولي» الذي يريد أن يفرض اختصاصات محددة في ميدان النشاط الاقتصادي، بحيث لا يتم الخروج عنها حسب قواعد العولمة اللبرالية الجديدة السائدة.
ولا يكتفي اريك اورسينا بصياغة ملاحظاته النظرية «الأكاديمية» وإنما يعطي الكلام للمنتسبين أنفسهم.. هكذا نرى أن رئيس «مالي» يعلن عن غضبه الكبير أمام ما يسمى بـ «المنافسة» حسب الأصول الجارية .. او اية منافسة ممكنة بين بلاده وبين الولايات المتحدة الأميركية التي لا تتردد في تقديم الدعم المالي الكبير لمزارعي القطن فيها بينما تتدنى قيمة العملة الوطنية المالية التي ترتبط باليورو الذي تؤدي زيادة قيمته إلى ارتفاع ثمن القطن..
ثم اية منافسة ممكنة وهناك بلاد مثل الصين، تمتلك قدرات إنتاجية هائلة وبكلفة زهيدة جداً ولا تتقيد بنفس الوقت بالقواعد التجارية التي حددتها منظمة التجارة العالمية اللبرالية السائدة اليوم قد خلفت ظواهر مقلقة ومهددة لمصادر عيش الملايين من العاملين..
ففي فالي مثلاً التي تتلقى مساعدات «إنسانية» من الغرب يسميها المؤلف بـ «منافسة القلب» تكاد الألبسة المعروضة في الأسواق هي حصراً تلك التي يتم الحصول عليها «مجاناً» من «المحسنين» الغربيين والتي يتم بيعها من قبل الأفارقة بأثمان زهيدة.. ومما يعني الموت شبه الكامل لصناعة الألبسة المحلية مع ما يترتب على هذا من حرمان لفرص العمل للآلاف من البشر.
ان لعالم القطن دورته الكبيرة إذ هناك من يزرعون ومن يصنعون الخيوط ومن ينسجون ومن يصنعون ومن يوزعون ومن يبيعون للمستهلك العادي لباساً أو خيماً أو أعلاماً أو ستائر إلى ما هنالك من سلسلة الاستخدامات التي لا تنتهي للمنسوجات القطنية.. ومن خلال هذا كله هناك من تكون حصتهم الألم مثل الملايين من سكان بعض الأرياف في الصين الذين قد لا يجدون ما يسد جوعهم..
هذا ما يؤكده أريك أورسينا ليؤكد بالوقت نفسه أن ثمن العولمة هو دائماً زارع القطن، ومنتجه الأول المحكوم عليه أن يبقى سجين المجال الجغرافي الذي يعمل به، بينما يمتلك «الممول» أو «الموزع» حرية كاملة في حركته.. وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول أن «الرحل» هم الذين يربحون اليوم كثيراً بينما تتردى حالة «الحضريين»..
ثم أن هذا الواقع الجديد الذي فرضته العولمة له أيضاً نتائجه إذ أن عشرات الملايين من المزارعين الصينيين يحلمون بإمكانية التخلي عن دور «زارعي القطن» والذهاب نحو المدن الشاطئية الصينية الصناعية للعمل في «صناعة القطن».. كما أن الظاهرة تتكرر نفسها في البرازيليين الذين لا يذهبون نحو منطقة «ماتو غروسو» إلا من أجل الهرب من بؤسهم.
وهذا ما كان قد لخصه رئيس مالي بالقول لمؤلف هذا الكتاب إن القطن وراء تأمين سبل العيش لثلاثة ملايين ونصف من أبناء الأرياف في بلاده.. وإذا انهار النشاط الاقتصادي في هذا القطاع فهذا يعني أن هؤلاء «الريفيين» سيتوجهون نحو المدن «المالية» الفقيرة أصلاً، ولا شك أن قسماً كبيراً منهم سوف يحاول الوصول، بشتى الطرق، إلى المدن الأوروبية..
وبهذا المعنى يغدو مصير القطن في مالي مرتبطاً بتفاقم ظاهرة الهجرة «السرية» التي تعاني منها البلدان الأوروبية المتقدمة.. وتحاول أن تضع حداً لها.. لكن رغم هذا كله فإن أعداداً كبيرة من «بائسي إفريقيا» سوف يجربون حظهم بالوصول إلى «فراديس العيش الرغيد في أوروبا».
ويبين اريك اورسينا كيف أن العولمة اللبرالية التي تعني إزالة الحدود بين الدول وخلق مجالات حرة للتبادل على أساس قواعد العرض والطلب والتقليص من دور الدول في النشاطات الاقتصادية لبلدانها بحيث يأخذ القطاع الخاص دوره بصورة كاملة، إنما لها أيضاً «وجهها الخفي» الآخر..
وإن التنمية أو المساعدة على التنمية، حسب النسخة، التي يقول بها البنك الدولي تتلكأ ولا تجد ترجمتها في الواقع.. ذلك أن ما يؤكده المؤلف بناءً على مشاهداته وتحليلاته في رحلته إلى بلدان القطن، هو أن مختلف البلدان وجدت نفسها أمام العولمة مثل ذلك السجين الذي يجد نفسه في قاعة شديدة الإضاءة ولذلك يبحث عن «قليل من الظل» كي يحمي نفسه ولا يجد اورسينا سوى استثناء واحد لدولة تلعب لعبة العرض والطلب بكل حدودها، هي البرازيل وتحديداً في القطاع الزراعي؟
بينما لا تحترم جميع الدول الأخرى القواعد.ثم وأمام كل ما قيل على «عدم كثافة الحدود» وأن العالم قد أصبح «قرية كونية» فإن الواقع يبين، وكما يراه اورسينا، تدخل الدولة في كل مكان بآليات النشاط الاقتصادي.. بل إن الحس الوطني قد نما في مواجهة المطلب «العولمي» وبدت العولمة، وعلى عكس تطلعاتها، لا تزال بعيدة جداً عن «إلغاء الأمم!» كما يردد حاملو مباخرها منذ أكثر من عقدين من الزمن..
إذ يؤكد أورسينا أنه قد رأى، بأم عينيه، العمال البرازيليين في محالج القطن وهم يترنمون أمام آلاتهم النشيد الوطني البرازيلي.. كما يؤكد أنه قرأ على بعض بطاقات الزيارة العائدة لمنتجي القطن الأميركيين عبارة تقول: «يبقى حب الوطن نابضا قويا في قطاع القطن».
وليس الحس الوطني والقومي ودور الدولة الأمة نجت وحدها من مشروع «العولمة» ومحاولة مؤسساتها فرض إرادتها، بل يصر مؤلف هذا الكتاب على أن العائلة لا تزال هي العنصر الأساسي في قلب ميدان الإنتاج في عالم القطن.. وهذا ما يبدو بوضوح في مصر.. وإلى درجة كبيرة في أوزبكستان وفي مالي حيث يأخذ البعد «التعاوني» بعداً كبيراً.
ويتم التأكيد أيضاً في الإطار نفسه أن العائلة هي أفضل مركز لتدريب اليد العاملة بالقياس إلى مختلف مراكز التعليم الأخرى، إذ إن التجربة الزمنية «التاريخية» والعلاقة الجغرافية على الأرض تشكل أوراقا رابحة للتأقلم مع الواقع القائم.ولعل من أهم الدروس التي يرى مؤلف هذا الكتاب أن العولمة تتطلبها يتمثل في التأكيد على أهمية العمل.. والعمل أكثر وليس أقل..
وذلك في إشارة إلى تبني الاشتراكيين الفرنسيين عندما كانوا في الحكم بفرنسا قبل سنوات لتطبيق 35 ساعة عمل أسبوعياً، الأمر الذي يرى به خطأ كبيرا ولا يتماشى مع متطلبات العولمة.كتاب عن العولمة.. وإلى حد كبير عن العالم الذي لم ينفك المؤلف عن قرع أبوابه وولوج الدروب التي تنفتح أمامه..
وكان قد نقل في إحدى لقاءاته الصحفية عن الكاتبة الكبيرة مرغريت بورسنار، التي كانت أول سيدة تصبح عضواً في الأكاديمية الفرنسية، قولها له: «الأرض هي زنزانتنا.. وأحب قبل مغادرتها أن أتجول فيها كلها».
*الكتاب:رحلة إلى بلدان القطن - موجز صغير للعولمة
*الناشر:فايار ـ باريس 2006
*الصفحات :291 صفحة من القطع المتوسط
VOYAGE AUX PAYS DU COTON
PETIT PRE'CIS DE MONDIALISATION
ERIK ORSENNA
FAYARD - PARIS 2006
P. 291
