مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة الإنجليزية دافني دو مورييه التي ألفت ما لا يقل عن خمس وعشرين رواية وقصة قصيرة ومسرحية، هذا بالإضافة إلى العديد من كتب السيرة الذاتية، ومن بينها هذا الكتاب عن فرانسيس بيكون أحد مؤسسي النهضة الأوروبية في مجال العلم والفلسفة.

في البداية تقدم المؤلفة لمحة عن حياة هذا الفيلسوف والسياسي الفذ وتقول بما معناه: وُلد فرانسيس بيكون في مدينة لندن عام 1561، وكان والده إقطاعياً ينتمي إلى طبقة النبلاء ويحتل مقعداً في مجلس اللوردات الإنجليزي الشهير. ولذلك فقد تربى في جو عائلي ارستقراطي لا ينقصه شيء.

وعندما وصل إلى سن الثانية عشرة أرسله والده إلى جامعة كامبردج لتحصيل العلم فيها ونيل الشهادات التي تؤمِّن له مستقبلاً مرموقاً لاحقاً كجميع أبناء العائلات في ذلك الزمان. أما أبناء الفلاحين الذين يشكلون أغلبية السكان فنادراً ما كانوا يصلون إلى الجامعة.

وقد كشف فرانسيس بيكون منذ نعومة أظفاره عن مواهب خارقة في مجال العلم والفلسفة. وبالتالي فإن عبقريته تفتحت بشكل مبكر تماماً كما حصل للعالم الفرنسي باسكال الذي عاش في الفترة نفسها أو بعدها بقليل.

ومنذ البداية فكر فرانسيس بيكون بإصلاح العلوم، وبالتالي فقد سبق غاليليو وديكارت إلى هذا المشروع بسنوات عدة. ويمكن القول إنه أول مدشِّن للحداثة الفلسفية في الغرب. ولكن اهتماماته السياسية شغلته عن تنفيذ هذا المشروع الطموح.

فقد كلفوه ببعض المهام التي أخذت جلّ وقته في شبابه الأول. نذكر من بينها إرساله إلى فرنسا مع سفير إنجلترا لكي ينقل رغبات الملكة إليزابيث الأولى إلى بلاط هنري الثامن. وهناك أقام فترة من الزمن.

ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن بعد موت والده استدعوه إلى إنجلترا حيث أصبح محامياً بعد أن درس مادة الحقوق والتشريع. ولكن بدلاً من تكريس وقته لهذه المهنة الليبرالية راح ينخرط في خدمة الحكومة ويكرِّس جهوده للارتفاع في مناصب الدولة العليا.

وهكذا أصبح عضواً في مجلس العموم البريطاني عام 1592، وبعد موت الملكة إليزابيث صعد على سدة العرش ملك يُدعى جاك الأول. وكان يحب العلماء ويعرف قدرهم. ولذلك رفع بيكون إلى أعلى درجات الشرف والوجاهة. وخلع عليه النعم والمراتب.

وقد عيَّنه نائباً عاماً للمحكمة ووزيراً للعدل. ثم رفعه أكثر فأصبح عضواً في المجلس الشخصي للملك. وبلغ فرانسيس بيكون أوج صعوده السياسي بين عامي 1607 ـ 1618، ولكنه ما كان يعرف أنه ما بعد الصعود إلا السقوط الذي أصبح وشيكاً. فالاقتراب من السلطة إلى مثل هذا الحد ليس مضمون العواقب والحساد كثيرون وكذلك الوشاة والحياة هي هكذا: يوم لك ويوم عليك.

والواقع أن خصومه اتهموه بالفساد، أي باستغلال السلطة لأغراض شخصية. وقالوا إنه استخدم منصبه الكبير في الدولة لكي يغتني ويرتشي. وهكذا دخل في دائرة الثراء غير المشروع.

ولهذا السبب جرت محاكمته عام 1621 وأدين بالتهمة وعاقبوه بالسجن في برج لندن ودفع غرامة مالية ضخمة تصل إلى أربعين ألف جنيه إسترليني. وهو مبلغ ضخم جداً بالنسبة لذلك الزمان.ثم جردوه من كل امتيازاته وصلاحياته وفصلوه من الوظيفة العامة للدولة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: والواقع أن خصومه ما كانوا يستهدفونه بالدرجة الأولى بقدر ما كانوا يستهدفون حماته الكبار. وبالتالي فقد ذهب ضحية تصفيات سياسية تتجاوزه لأن الذنب الذي ارتكبه لم يكن كبيراً إلى الحد الذي صوروه لنا وبالغوا في تصويره. وبالتالي فالرجل اقترب من السلطة أكثر مما ينبغي فاحترق بحر نارها. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.

ولكن الملك لم يقبل بسجنه أكثر من بضعة أيام ثم أعفاه من دفع الغرامة المالية الكبيرة التي حكموه بها أو قل ردها إليه بعد أن دفعها. ولكن رب ضارة نافعة. فإبعاده عن السلطة والشؤون العامة جعله يكرس السنوات الأخيرة من حياته لبحوثه العلمية والفلسفية. وهكذا قدم للبشرية الأوروبية خدمة كبرى إذ دلها على المنهج الصحيح الذي إذا ما سلكته خرجت من ظلمات العصور الوسطى ودخلت في أنوار العصور الحديثة.

ثم تردف المؤلفة قائلة: ومعلوم أن فرانسيس بيكون كان من ألد أعداء المنهجية السكولائية: أي المنهجية الانحطاطية والتكرارية الاجترارية التي سادت العصور الوسطى في مجال العلوم والفلسفة. وهي منهجية شكلانية فارغة مؤلفة من بعض مبادئ العقيدة المسيحية وفلسفة أرسطو. وكانت تجريدية، بعيدة عن الواقع ومشكلاته الحقيقية.

ولهذا السبب فإن فرانسيس بيكون رماها في سلة المهملات ودعا إلى إتباع المنهجية التجريبية في مجال العلوم. فكل ما أثبتت التجربة صحته أخذنا به وكل ما لم تثبت صحته رفضناه. هذا هو المعيار الوحيد الذي ينبغي أن يسود ساحة العلم البشري والفلسفة الدقيقة. وكل ما عداه تنظيرات مجانية وأباطيل.

وهكذا قام فرانسيس بيكون بالانقلاب الكبير على أرسطو وفلسفته قبل ديكارت بزمن طويل. بل أن ديكارت كان يعتبر نفسه أحد تلامذته الذي يواصلون رسالته في تجديد الفلسفة الأوروبية. من هنا أهمية الدور الذي لعبه هذا الرجل في نهضة أوروبا عن طريق إغلاق مرحلة في تاريخ الفكر وتدشين مرحلة جديدة.

والدليل على ذلك أن أشهر كتاب لفرانسيس بيكون هو: كتاب المنطق الجديد. وهو المنطق الذي ينبغي أن يحل محل منطق أرسطو الذي هيمن على الغرب مدة 2000 سنة والذي انتهى مفعوله الآن بعد ظهور المنهجية التجريبية والعلمية الجديدة. ومن أشهر المبادئ التي نص عليها فرانسيس بيكون المبدأ التالي: لا يمكن أن نسيطر على الطبيعة إلا إذا أطعناها أو خضعنا لها. والمقصود بذلك أن ينبغي علينا أن نكتشف أولاً قوانين الطبيعة قبل أن نتعامل معها أو نستخدمها بشكل صحيح.

فإذا ما استخدمناها بشكل مضاد لقوانينها فشلنا في تسييرها أو تطويعها مصالحنا وفشلنا أيضاً في السيطرة على كوارثها: كالفيضانات، والحرائق، والأوبئة، والجراد، والحشرات، والزلازل، والبراكين، والسيول، وسوى ذلك، لكي نكافح كوارث الطبيعة ينبغي أن نفهم أولاً أسباب هذه الظواهر والقوانين التي تتحكم بها وإلا فلن نستطيع السيطرة عليها وتحاشي أضرارها.

ومعلوم أن ديكارت الذي جاء بعد بيكون بربع قرن أو أكثر قال شيئاً مشابهاً أو مكملاً. قال: ينبغي أن نسيطر على الطبيعة ونصبح أسياداً لها. ولا يمكن أن نسيطر عليها إلا بعد أن نكتشف القوانين التي تتحكم بها وذلك عن طريق المنهج التجريبي العياني المحسوس.

وبالتالي فوداعاً يا منهجية عصر الانحطاط والتكرار والاجترار وداعاً للمنهجية التجريدية الفارغة البعيدة عن الواقع المادي. وأهلاً وسهلاً بالمنهجية الجديدة التي ستعرفنا على ظواهر العالم بشكل صحيح. وأهلاً وسهلاً بالتجارب الفيزيائية والكيميائية والرياضيات وبقية العلوم الطبيعية. فهي التي ستوصلنا إلى المسيطرة على العالم.

نعم لقد ابتدأ عهد جديد في الفكر الغربي وسوف يؤدي إلى عصر الصناعة والتكنولوجيا التي ستغير وجه العالم وتخلق الحضارة الحديثة كلها. وهذا ما تحقق في الواقع بعد موت فرانسيس بيكون وديكارت وغاليليو بمئتي سنة.

ففي القرن التاسع عشر ظهرت كل المخترعات الحديثة الناتجة عن تقدم العلم. لقد ظهرت الآلة البخارية التي تسير السفن في عرض البحار، وظهرت القطارات وحلت محل عربات الخيول، وظهرت الكهرباء، ثم ظهرت الطائرات بعدئذ وكل المخترعات الحديثة التي ننعم بها اليوم. وكل ذلك من ثمار فرانسيس بيكون ومنهجيته التجريبية الجديدة.

ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: وأخيراً فقد دعانا بيكون إلى التسامح الديني ومحاربة الخرافات والأفكار المتعصبة الظلامية التي اعتبرها أكثر خطراً على المجتمع من الإلحاد. كما ودعانا إلى التفريق بين مجال العلم ومجال الدين لأن لكل منهما خصوصيته.

*الكتاب:السلم المتعرج: فرانسيس بيكون، صعوده وسقوطه

*الناشر: فيراغو بريس ـ لندن 2006

*الصفحات: 298 صفحة من القطع المتوسط

THE WINDING STAIR: FRANCIS BACON HIS RISE AND FALL

DAPHNE DU MAURIER

6002 NODNOL SSERP OGARIV

P.298