مؤلف هذا الكتاب هو الباحث الفرنسي فابريس بوتيون الأستاذ في جامعة بريست الواقعة غرب فرنسا، وكان قد نشر سابقاً عدة كتب نذكر من بينها: التاريخ الفلسفي للاتحاد السوفييتي. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن موضوع مهم طالما شغل الباحثين ألا وهو: كيف نشأ النظام الجمهوري في فرنسا على أنقاض الملكي السابق.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: نحن نتخيل أن النظام الجديد اكتسب مشروعيته لمجرد أن قضى على النظام القديم وحل محله: أي بعد اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789 وسقوط سجن الباستيل الشهير وقطع رأس الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت.. ولكن هذا خطأ ما بعده خطأ، فالواقع أن الجمهورية الفرنسية لم تكتسب مشروعيتها إلا بعد مرور قرن وربع القرن على تأسيسها.
أما طيلة القرن التاسع عشر فكانت ناقصة المشروعية لماذا؟ لان الشعب الفرنسي كان منقسماً إلى قسمين: قسم الملكيين المحافظين، الذي لا يزال يحن إلى العهد القديم، وبالتالي لا يعترف بالثورة ولا بالنظام الناتج عنها، وقسم جمهوري مؤيد للثورة حتى العظم ويكره القسم السابق كرهاً شديداً.
والقسم الأول كان كاثوليكيا متعصباً، هذا في حين أن القسم الثاني كان علمانياً حاقداً على الأكليروس المسيحيين ورجال الدين ويريدون أن يزيلوهم من الوجود، وعلى هذا النحو اندلع الصراع بين الطرفين على مدار القرن التاسع عشر، ولم ينته فعلياً إلا بعد فصل الكنيسة عن الدولة عام 1905،
بل انه لم ينته حقيقة إلا عام 1914، عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، وعندئذ حصل التحالف المقدس بين كلا شِقَيّ فرنسا، أي بين اليمين واليسار من أجل الانخراط في الحرب ككتلة واحدة ومواجهة ألمانيا. نقصد باليمين هنا الكاثوليكيين المحافظين وباليسار العلمانيين الثوريين.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لكي نفهم سرّ هذا الوضع ينبغي أن نعود إلى التاريخ القديم، فطيلة ألف وأربعمئة سنة تقريباً كانت فرنسا خاضعة للمشروعية اللاهوتية المسيحية. وهي المشروعية التي رسخها القديس أوغسطينوس عام (410م) عندما نشر كتابه: مدينة الله. وفيه قال بأن مدينة الله تتغلب على مدينة البشر، وأن السماوي يتغلب على الأرض، والديني على الدنيوي.
وبالتالي فينبغي على السلطة، ان تخضع لتعاليم رجال الدين وتوجيهاتهم، فهم الذين يخلعون المشروعية الإلهية عليها. وعلى هذا النحو حكمت فرنسا طيلة أربعة عشر قرناً: أي حتى اندلاع الثورة الفرنسية. فالبابا هو الذي كان يخلع بركته على ملوك أوروبا وعندئذ يصبح حكمهم شرعياً.
وملك فرنسا كان يُنصّب في كنيسة كبيرة بحضور جمهور ضخم من المطارنة والكرادلة الذين يباركونه باسم البابا ويخلعون عليه المشروعية الدينية المسيحية. وهكذا يصبح ظل الله في الأرض، بل ويصبح شخصه مقدساً وكأنه ليس من جنس البشر، يصبح الحاكم المطلق بأمره يفعل بالشعب ما يشاء دون أن يكون للشعب أي رأي، أو حق في الاعتراض. ودام هذا الوضع قروناً وقروناً كما قلنا حتى وصلنا إلى عام 1789 واندلاع الثورة الفرنسية.
فماذا حصل بعدئذ؟ حصل أن النظام الجديد رفض المشروعية القديمة دون أن يستطيع ترسيخ مشروعية جديدة محلها، لا ريب في أن الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن أصبح بمثابة النص المقدس للثورة.
وحل بذلك محل الإنجيل أو القانون للفقه المسيحي. ولكن نصف الفرنسيين ظل غير مؤمن به أو غير متقبل له.نصفهم ظل متعلقاً بالمشروعية اللاهوتية القديمة لأنه تعود عليها منذ ألف وأربعمئة سنة، ولا يمكنك أن تشطب على أربعة عشر قرناً بجرة قلم واحدة أو بسنة أو حتى بسنوات.
المشروعية القديمة كانت راسخة الجذور في أعماق الشعب الفرنسي، كانت متغلغلة في عروقه وحناياه. وبالتالي فما كان بالإمكان فصله عنها. أو قل ان الذين انفصلوا كانوا هم أهل اليسار فقط لا أهل اليمين. ثم يردف المؤلف قائلاً: ولهذا السبب فان النظام في فرنسا كان يسقط كل عشرين سنة تقريباً. وكانوا يكتبون دستوراً جديداً للبلاد في كل مرة.
وهكذا غيرت فرنسا دساتيرها خمس مرات أو أكثر طيلة القرن التاسع عشر. وكانت الأنظمة اليمينية واليسارية، أو الرجعية والثورية تتعاقب وراء بعضها البعض مرة واحدة كل عشرين سنة. فأحياناً ينتصر أصحاب القديم المؤيدين لعودة النظام الملكي السابق، وأحياناً ينتصر أصحاب الجديد المؤيدين للنظام الجمهوري الوليد. أحياناً تنتصر كومونة باريس، وأحياناً ينتصر أعداؤها من البرجوازيين اليمينيين فيسحقونها سحقاً وتتخضب شوارع باريس بالدم..
نعم لقد كان الشعب الفرنسي منقسماً على نفسه إلى أقصى حد. فاليمين يريد المدرسة الكاثوليكية المسيحية، واليساريون المدرسة العلمانية الحديثة البعيدة عن العقلية الطائفية أو المذهبية القديمة. وقد خاض هذا الصراع رجل يدعى جول فيري، مؤسس المدرسة العلمانية الإجبارية والمجانية في فرنسا. فقد هاجمه الحزب الكاثوليكي كثيراً واتهمه بمعاداة الدين.
وقالوا بأنه يريد ان يبعد أطفالنا عن مبادئ المسيحية التي تربينا عليها جيلاً بعد جيل. وقال لهم: انا لا أريد القضاء على القيم السامية والأخلاق الحميدة للدين. ولكن أريد القضاء على النزعة الطائفية المتفشية في المجتمع بين الأغلبية الكاثوليكية والاقلية البروتستانتية. ولذلك فأريد أن يكون التعليم قائماً على أسس فلسفية وعلمانية جديدة بعيدة كل البعد عن الطائفية.
ثم اتهم التعليم الكاثوليكي بأنه يغذّي النزعات الطائفية والمذهبية في المجتمع. ولذلك أراد إغلاق الكثير من المعاهد الدينية التقليدية في البلاد. وعندئذ حصلت مصادمات عنيفة بين رجال الدين والشرطة التي جاءت لإغلاق معاهدهم التي تفرّخ الأصوليين المسيحيين تفريخاً كما يقال.
وقد سجلت كتب التاريخ هذه المصادمات بل وتحولت حوادث تلك الحقبة إلى أفلام سينمائية لا تزال تخرج وتمثل في هذه اللحظة. وهذا دليل على مدى أهمية تلك الحقبة بالنسبة للوعي الجماعي الفرنسي. ثم يردف المؤلف قائلاً: لم يقبل الحزب الكاثوليكي بالجمهورية ومشروعيتها جزئياً لا بعد مرور مئة سنة على الثورة الفرنسية. وهذا أكبر دليل على مدى صعوبة اكتساب المشروعية.
فالقديم يظل راسخاً على الرغم من ان الجديد أصبح في السلطة وليس من السهل اطلاقا القضاء على المشروعية القديمة، وإحلال المشروعية الجديدة محلها. فهذا يتطلب وقتاً طويلاً ومعارك طاحنة وحروباً أهلية. مهما يكن من أمر فان الحزب الكاثوليكي أحس بخطورة الأمر على فرنسا إذا ما استمرت في حربها الأهلية هذه وقتاً أطول مما حصل حتى الآن.
ولذلك فان الكاردينال لامينغري أخذ فتوى من البابا عام 1890 بضرورة الاعتراف بالنظام السياسي الجديد في فرنسا تمهيداً لوضع حد للحرب الأهلية الدائرة منذ عام 1789: أي منذ قرن كامل وسنة واحدة. وانتهز الكاردينادل المذكور، وهو اكبر سلطة روحية أو دينية في فرنسا، إحدى المناسبات العامة لكي يرفع كأسه أمام كل الناس ويقول: أيها السادة فلنشرب نخب الجمهورية الفرنسية، وأصيب الحاضرون بدهشة وذهول.
فما كانوا يتوقعون ان يخرج هذا الكلام من فم ممثل الحزب الكاثوليكي والنظام الملكي القديم. ورفعوا كؤوسهم معه وشربوها. وألقى فيهم خطاباً قال فيه: لقد آن الأوان لكي ندفن الأحقاد فيما بيننا ونعترف بمشروعية النظام الذي يحكمنا على الرغم من كل تحفظاتنا الوجيهة عليه. ولكن حتى بعد هذا الخطاب ظل اليمين المتطرف الكاثوليكي يرفض الجمهورية الفرنسية ويريد تقويضها. ولكنه أصبح الآن أقلية قليلة.
*الكتاب:لا مشروعية الجمهورية
*الناشر:بلون ـ باريس 2005
*الصفحات: 313 صفحة من القطع الكبير
L'illegitimte' De La REPUBLIQUE
FABRICE BOUTHILLON
PLON - PARIS 2003
P.313

