نظر المستوطنون الأوروبيون الأوائل في أميركا الشمالية إلى الهنود الحمر باعتبارهم متوحشين، لانهم في المقام الأول ليست لديهم غريزة تملك، فالأرض من منظورهم ما كان يمكن أن تنتمي إلى أي إنسان، ومن هنا فإنهم لم يكونوا يحملون أي وثائق ملكية للأراضي، وهكذا بادرت الحكومة والشركات، وتم الزج بهم في المحميات والمعازل، وحتى هذه بدورها ما لبثت أن سرقت منهم.
وتقوم الروائية الأميركية لويز إردريك، التي تنحدر من أصول ألمانية من ناحية أبيها ومن قبيلة الأوجيبوي من ناحية الأم، بتوظيف بيئتهم وأعرافهم وتقاليدهم كخلفية لرواياتها العشر والعديد من شخصياتها الأولى تعاود الظهور في روايتها الصادرة أخيراً بعنوان «أرواح أربع»، التي تدور حول التواريخ العائلية للكثيرين منهم. وهم إذ لا يفارقون معازلهم المدمرة الغارقة في المرض والجوع والعار، ويطرقون أبواب بيوت البيض الخلفية لبيع أشياء تنتمي إلى تراثهم القبلي يمضون لشراء الويسكي الذي يتكفل بالقضاء على ما بقي منهم.
في الثلاثينات من القرن العشرين تنطلق فلور بيلاجر، وهي امرأة ذات جمال مذهل وارادة مخيفة، تحب وتكره إلى أقصى حدود التطرف، سيراً على الأقدام إلى مدينة مينابوليس للعثور على جون جيمس موزر رجل الأعمال الأبيض الذي سلبها الغابة القائمة في جزيرة تملكها، ورحل من دون أن يخلف وراءه إلا الكره الشديد وبقايا الأشجار التي اجتث جذوعها، واستغل في غمار ذلك الأشجار والصخور والهنود البائسين الذين سلبهم عرقهم وجهدهم، وسخرهم في بناء داره المنفية التي يقيم فيها مع زوجته بلا سيدي وأختها بولي إليزابيث.
فلور التي بحثت عن موزر للانتقام منه تجده في داره طريح الفراش، لكنها تفلح في التسلل إلى الدار بطريقتها الخاصة، وتعالجه لكي تتضاعف معاناته عندما تنتقم منه، وهي تنجب منه ابناً ونفلح في طرد زوجته واختها من الدار وفي السيطرة على شركته، لكن انتقامها لا تكتمل دائرته أبداً، فالطفل سرعان ما يتبين أنه مصاب بالعته، وسرعان ما تتبدد ثروة موزر، وفي غضون ذلك تسقط فلور في قبضة الإدمان على الشراب، ومع ذلك فإن قوتها لا تتقلص حتى النهاية.
وشخصية فلور هي من التعقيد بحيث اننا لا نضع أيدينا على الخطوط الرئيسية لقصتها إلا من خلال ثلاثة رواة هم اليزابيث أخت زوجه موزر التي تصادق فلور وابنها، ونانابوش الهندي الأحمر العجوز الذي يدهشنا بجنونه وحماقته وإلهامه في ان وزوجته المثيرة للإعجاب والمقيتة في آن، مرغريت، والتي تدفعه إلى الجنون من خلال الغيرة.
ونحن نرى حياة المحمية من خلال عيني نانابوش العجوزتين فيما هو يرصد نضال أبناء قبيلته في مواجهة الآلية الشيطانية وغوايات الرأسمالية الأميركية، وهو يروي لنا ماضي فلور ومحاولاته للقضاء على عدوه اللدود شاشيب الذي ينافسه على حب مرغريت. وهكذا فإن حكايات فلور ونانابوش تتردى إلى الفنون المعتمة للعشق والانتقام مع الوصول إلى نتائج مفزعة.
يتساءل نانابوش: «ما الذي يمنحنا مثل هذا السبب لإيذاء كل منا للآخر؟ من أين نأتي بمادة غضبنا وكبريائنا؟» وهناك لقاءات وحشية مع ما هو فائق للطبيعة ومع الجنون واليأس والخلاص. إن صوت لويز إردريك على نحو ما يتناهى إلينا من خلال هذه الرواية هو صوت فريد في الأدب الأميركي بأسره، وهو صوت بجمع بين الأصالة والقوة النابعة من الأسطورة ومن عادات قبيلة الاوجيبوي.
ونثرها متألق بلا حدود ومع ذلك فإنها توظف حشداً من الأدوات للغوص إلى ما تحت القشرة السطحية للثقافة والنفاذ إلى قلب التوتر الذي يتيح لنا الاطلال على عالم مجهول، عالم مفعم بالحياة بكل صراعاتها وتحدياتها.
ويلفت نظرنا ان الإطلالة الأولى لشخصية فلور بيلاجر كانت في رواية «دروب» التي تفصلها في الصدور عن «أرواح أربع» خمسة عشر عاماً، وهي في الرواية الجديدة ـ كما رأينا ـ تنطلق في مسيرة شاقة وطويلة لتحقيق الانتقام من سارق أرضها جون جيمس موزر، التي كانت تخطط لقتله، ولكنها امرأة صبورة، تتحرك على مهل، وتمضي في مشروعها خلسة، حيث تعمل في فريق الخدم بدارته المنفية في مينابوليس، وهي تفلح في معالجة موزر من مرضه الذي ألزمه الفراش طويلاً، وهو يتزوجها في خطوة بائسة تعبر عن سعيه للتكفير عما جنته يداه بحقها.
ومن ناحية الشكل تروي الفصول بصورة متراوحة بين الشخصيات الثلاث بولي اليزابيث ونانابوش وزوجته مرغريت، حيث نحس على نحو يفوق أي رواية أخرى من روايات لويز إردريك العشر اننا حيال رواية تروى من داخل التجربة، بل من صميمها.
وتظل فلور نفسها في الرواية الجديدة كما كانت في رواية «دروب» قبل خمسة عشر عاماً شخصية فاتنة وقادرة على استقطاب القارئ بلا حدود، والتفاصيل بالغة الثراء المتعلقة بالثقافة والمجتمع الأميركيين الأصليين تظل نسيجاً بالغ القوة يشكل عنصر إثراء للرواية، حيث يتابع القراء بشغف تصوير إردريك البارع للصراع من أجل إبقاء ثقافة الأميركيين الأصليين على قيد الحياة في أميركا الشمالية.
وتبدو الموضوعات المتعلقة بالانتقام الذي لا طائل وراءه والخلاص بالغة القوة هنا خاصة عبر جاذبية نثر إردريك الغنائي القوي. وعلى الرغم من الاشادات العديدة التي قوبلت بها رواية إردريك الجديدة، إلا أننا نقرأ على موقع «أمازون» الالكتروني المتخصص انتقادات عدة يدور جانب منها حول أن رواية «أرواح أربع» قد تبدو محيرة ومربكة بعض الشيء للقارئ مع بروز شخصيات سبق أن أطلت في روايات سابقة للروائية، وعلى رأسها شخصية فلور بيلاجر.
وهناك إشارة إلى أن القصة الخلفية التي تستند إليها «أرواح أربع» ليست واضحة بالقدر الكافي أو المطلوب للقارئ. أما الانتقاد الثالث الذي لا يفتقر للحدة بالنسبة للرواية فهو متعلق بشخصية العجوز نانابوش، حيث نقرأ إشارة إلى أن الحماقات التي يرتكبها لاظهار مدى عمق حبه لزوجته مرغريت تحول الرواية إلى نوع من الفارس، وتوشك على التردي بها إلى المستوى الهزلي.
أياً كان الأمر، فإن هذه الرواية التي لاتزيد إلا قليلاً عن مئتي صفحة تظل عملاً شديد الثراء والجاذبية والقدرة على استقطاب القراء وامتاعهم، على الرغم مما فيها من هنات. وتظل الحقيقة الأساسية فيما يتعلق برواية «أرواح أربع» هي أن قلة قليلة من الروايات التي كتبت عن الأميركيين الاصليين قد كتبها أميركيون أصليون، وهذه الرواية تعد من أفضل ما كتب بقلم مؤلف أميركي أصلي عن ثقافة تناضل من أجل البقاء والاستمرار في مواجهة حشد هائل من عناصر الموت والدمار.
*الكتاب:أرواح أربع
*الناشر: هاربر كولينز ـ لندن 2006
*الصفحات:224 صفحة من القطع المتوسط
Four Souls Louise Erdrich
Harpercalins - London 2006
p. 224
