بمجلة «أتلانتك مونثلي» هذه المقابلة مع الروائية الأميركية لويز إردريك بمناسبة صدور روايتها الجديدة «أرواح أربع» حيث ألقت الضوء على مجمل أعمالها التي تضم ديوانين وعشر روايات وكتاباً للسيرة الذاتية ومجموعات من قصص الأطفال، وحرصت على التأكيد على أنها لا تعيد قص المأثور الشفهي لأبناء قبيلة الأوجيبوي التي تنتمي إليها أمها وإن كانت تستلهم حياة وأساطير وعذابات هذه القبيلة وغيرها من الأميركيين الأصليين،

وتطرقت إلى معاودة الشخوص التي ظهرت في أعمالها الأولى الظهور في أعمال لاحقة والسر في هذه الظاهرة. وفيما يلي نص المقابلة: *أجرت كيتي بيكون المحررة الثقافية ؟ لقد كتبت تقولين إن السبب الرئيسي في أنك أردت تعلم الحديث بلغة الأوجيبويموين، وهي اللغة التي يتحدثها أبناء القبيلة التي تنتمي إليها أمك، وهي قبيلة أوجيبوي، هو أنك أردت فهم النكات التي تقال بهذه اللغة، فهل لك في الحديث عن دور الفكاهة في اللغة؟ وماذا عن الدور الذي تلعبه الفكاهة في رواياتك؟

ـ تعد لغة الأوجيبويموين بمثابة أعجوبة، وكلما زاد معرفتي بها قل ما أعرف أنني أعرفه منها، فالكلمات دائماً في حالة حراك وابتكار، وبوسع المتحدث البليغ أن ينقل الحس بالفكاهة إلى شيء أو موقف من خلال الحروف اللينة أو من خلال تبديل بسيط فيما يشير إليه فعل ،

وعلى سبيل المثال فإن صديقه لي في غمار وصفها لما يحس به طفل صغير حيال عدم ارضاعه جمعت بين كلمتي «نيشكا» التي تعني غاضب و«دودوش» التي تعني حليب لكي تنحت كلمة ترجمتها «حليب الغضب» وهي «نيشكا دودوش». ولسوف أظل على الدوام مبتدئة في هذه اللغة، حيث أنها بالتأكيد واحدة من أكثر اللغات تعقيداً على وجه الأرض.

أما فيما يتعلق بالفكاهة في رواياتي فإنني آمل أن تكون موجودة فيها، ذلك أن من المستحيل الكتابة عن حياة الأميركيين الأصليين من دون الفكاهة، حيث أن الفكاهة هي الكيفية التي يحافظ بها الناس على عقولهم ويبعدون شبح الجنون عنهم.

* إنك تعودين إلى الشخصيات ذاتها مراراً وتكراراً، وتمعنين النظر في حياتها من منظورات مختلفة، وتسردين قصصها بطرق مختلفة. هل تدهشك شخصياتك على الدوام بمعاودة الظهور في ذهنك بعد أن تكوني قد حسبت أنك قد فرغت منها تماماً أو بمضيها في اتجاه مختلف عما كنت تعتقدين أصلاً أنها ستمضي فيه؟

ـ نعم، غالباً ما يكون ذلك مفاجئاً لي.

وعلى سبيل المثال فإنني لم يخطر ببالي أن الأب دميان هو نفسه أغنس عندما كتبت عنه في أول الأمر. ولم يخطر ببالي أن أغنس دي ويت هو الأب دميان عندما كتبت قصة «امرأة عارية تعزف موسيقى شوبان». وليس لديَّ تفسير لمعاودة الشخصيات الحضور في ذهني باستثناء ما يتعلق بوعيي، فلابد أن هذا الوعي يتضمن هؤلاء الناس، في كل الأعمار والمواقف التي أصبحت متاحة لي مع مرور الوقت.

وخمسة عشر عاماً ليست بالوقت الطويل لتواصل كاتبة الانطلاق مع شخصياتها.وروايتي الأخيرة «أرواح أربع» هي بمثابة استمرار لحضور شخصيات سبقت لي الكتابة عنها. والكتاب بأسره هو جزء من هذه الظاهرة.

* في عام 1995 كتبت يوميات بعنوان «رقصة بلو جاي» عن حملك والعام الأول من حياة ابنتك. فماذا كان شعورك حيال كتابة يوميات وليس رواية؟ وهل تعتقدين أنك ستخوضين مغامرة كتابة اليوميات مرة أخرى؟

ـ ربما أفعل ذلك. كنت حريصة للغاية على ألا يكون الكتاب حول أي من بناتي. فقد كنت أكتب يوميات على الدوام واستخدمت مواد مكتوبة في السنوات الأولى من حياة بناتي الأخريات، وعلى وجه خاص الشهور الأولى من حياة بناتي الأكبر.

وقد كان هناك بعض اليأس في تأليف الكتاب، حنين إلى مسقط رأسي، حيث كانت نيو هامبشاير قد استنفدتني، العزلة عن العائلة، عن أبناء قبيلة أوجيبوي أو الخلفية المختلطة لأصولي، غياب السماء والآفاق.كان مكاناً جميلاً، ولكنني كنت وحيدة هناك ومعزولة عن منابعي كافة. ولذا فقد ركزت على البنات الصغيرات والغابات. وبالفعل فإنني آمل ألا اضطر أبداً إلى التركيز بشدة على هذا النحو على أي شيء مجدداً إلا الروايات.

* الكثير من أعمالك يحظى بجوانب من الواقعية السحرية بل والسوريالية. وبالنسبة لي فإن روايتك «التقرير الأخير» وعلى الرغم من أن فيها لمسات سحرية بالتأكيد، إلا أنها تبدو أقل فانتازية وأكثر مباشرة. هل هذا يرجع إلى أن الشخصية الرئيسية هي من خارج ثقافة قبيلة الأوجيبوي؟ أم أن ذلك انعكاس للطريقة التي تتطور بها كتابتك؟

ـ لم تبد أعمالي لي أبداً فانتازية حقاً، ولم ألحظ فارقاً في ذلك الكتاب، على الرغم من أنه كان مثيراً للاهتمام بالنسبة لي أن الأحداث الأكثر خروجاً عن المألوف في الكتاب كانت تقوم على متفرقات من الأبحاث التاريخية. وقد وجدت ذكراً لراهب قديم كان عزفه على الأرغن يستقطب الثعابين. وكان ذلك يعتبر أعجوبة كبرى. وكل شخص من أبناء قبيلة الاوجيبوي يعرف شخصاً ارتحل في نهر على قرون حيوان موظ سابح في ماء النهر.

* كتب شينوا أتشيبي في كتابه الصادر أخيراً ويضم مجموعة من المقالات المهمة بعنوان «الوطن والمنفى » يقول: «شهد القرن العشرين على الرغم من اخطائه العديدة بداية مهمة، في إفريقيا وأماكن أخرى مما يدعى بالعالم الثالث، لعملية «إعادة حكي» الشعوب التي الزمتها الصمت صدمات كل أنواع الاقتلاع من جذورها».

هل تنظرين إلى نفسك باعتبارك قائمة باعادة الحكي بالنسبة لقبيلة الأوجيبوي، وبحسبانك مطالبة من جديد بالروايات التي لم تدون أبداً أو التي أغرقها ما جرى تعليمه في المدرسة عن الأميركيين الاصليين؟ ـ كان أبناء قبيلة الأوجيبوي يروون القصص طوال تاريخهم على الرغم من الصعوبات الهائلة التي تعرضوا لها واقتلاعهم من أرضهم وما عرفوه من عذاب ومعاناة.

وفي حقيقة الأمر فإن مايروونه قد ازداد ثراء وحساسية من خلال المفارقات المتعلقة بالصراع الذي خاضوا غماره. ولكن هذه الروايات هي ما يرويه أبناء قبيلة الأوجيبوي فيما بينهم وبلغتهم، وليس من شأني أن أبدأ مجرد بداية في النظر إلى نفسي باعتباري قائمة بإعادة الحكي بهذا المعنى، فأنا أكتب باللغة الانجليزية، ولذا فإنني أحسب أنني أقوم باداء وظيفة المبعوثة لعالم ما بين عالمين، ذلك الهامش المألوف بصورة متزايدة حيث تختلط الثقافات وتصطدم، وذلك هو الموضع الذي تجري فيه الكثير من قصصي في حقيقة الأمر.

وعلى الرغم من ذلك، فإنني في المقام الأول مجرد قاصة، وأنا أحصل على القصص حيث أجدها، وأنا أحب القصص سواء أكانت تؤدي مهمة المطالبة بقصص قديمة أم تحدث بصورة عفوية. وغالباً ما تقوم هذه القصص،لدهشتي، بالأمرين معاً. ولسوف أتبع خيطاً داخلياً في حبكة، وأجد أنني أقوم بالفعل بإعادة سرد قصة قديمة، غالباً في مشهد معاصر. وأنا لا أستطيع عادة أن أتذكر ما إذا كان ذلك شيئاً تذكرت أنني سمعته أو شيئاً حلمت به، أو شيئاً تخيلته في التو. الأمر كله يصبح متداخلاً، ثم تسيطر الشخصيات على أي حال وتجعل القصة ملكاً لها.