كتبت هذه المقالات قبل سنة 1988، وكتبت البقية بعد هذا التاريخ، و للمرحلتين أهميتهما في مسار المجتمع الجزائري بكل أطيافه كما يقول كاتب هذه المقالات أستاذ العلوم السياسية والمختص في علوم المستقبليات د. محمد سليم قلالة، كون أن المرحلة الأولى مهدت لما يعرف في الأدبيات السياسية الجزائرية بانتفاضة 1988 أين هب الشعب الجزائري مطالبا الدولة بالديمقراطية وحرية الرأي والتعددية والعيش الكريم،
والمرحلة الثانية كانت انعكاسا سلبيا للمرحلة الأولى حيث دخلت الجزائر في دوامة الإرهاب والدم والتقتيل بعد توقيف المسار الانتخابي إثر فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالانتخابات التشريعية ودعوتها لانتخابات رئاسية مسبقة أدت فيما بعد لإضرابات شاملة شلت كل القطاعات الإستراتيجية للجزائر مما نتج عنها اضطرابات ومواجهات وصدامات عنيفة بين الأمن وأنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ وما حدث بعده أصبح معروفا على نطاق واسع من العالم.
يبحث د. سليم قلالة في جذور الاختراق على جبهة الدين الذي حدث في الجزائر، متخذا كنموذج لذلك آراء الروائي الجزائري رشيد بوجدرة على خلفية خمسة أسئلة وجهتها دار النشر الفرنسية (غراسيه) إلى 24 كاتبا عربيا من مختلف المشارب الإيديولوجية والفكرية من بينهم الراحل أحمد بهاء الدين، وتوفيق الحكيم، محمد أركون، عبد الرحمن الشرقاوي و.... غيرهم، وصدرت بعد ذلك في كتاب بعنوان «الإسلام في أسئلة».
كانت الأسئلة التي أجابوا عنها تصب في مفهومهم للإسلام، وهل يمكن أن يكون عالميا؟ وهل يصلح كنظام حكم لدولة حديثة؟ وهل الإسلام كنظام حكم مرحلة ضرورية لتطور المنطقة العربية في المستقبل؟ وظاهرة العودة إلى الإسلام هل هي ظاهرة صحية؟، ومن هو العدو الرئيسي للإسلام؟
وعند تحليله لإجابة الروائي بوجدرة وقف د. قلالة على أخطر ما جاءت به، حيث حاول بوجدرة أن يبرر آراءه من وقائع تاريخية وفكرية نظر إليها ـ هذا الأخير ـ على أنها تعطي مثالا صارخا عن استحالة أن يكون الإسلام نظاما سياسيا.
من هذا المنطلق وبحسب د. قلالة فقد حاول البعض أن يشوه المجال الديني في الجزائر تحت مسميات كثيرة مخادعة، وتضليلية، تارة باسم التقدمية، وتارة باسم الدين المتحرر والعصرنة، والتحديث.. وغيرها من المفاهيم، وبمجرد الكشف عنها بالتحليل والنقد ستنهار وتغدو كلها عملية تمت تحت الطلب وإرضاء للغرب.
وعلى هذا المنوال يمضي د. قلالة في تفكيك جبهات أخرى انفتحت أبوابها فجأة على جزائر لم تنضج فيها بعد الرؤى والأفكار، جزائر خرجت منهوكة القوى والإرادات، والعزائم، بعد ليل طويل من الظلم، والحيف، والقهر، وويلات الاستعمار المدمر، فيعرج على جبهة الاحتقان اللغوي ذلك الموروث الكارثي الذي تركته فرنسا بين أبناء الشعب الجزائري،
تركته كمخطط مهندس على الازدواجية التي طالت كل شيء، وكان الأهم عند فرنسا هو، «تشجيع الازدواجية الحقيقية لدى السكان، لأن الجيل الذي تم تكوينه في الحقبة الاستعمارية ما زال يعبر بالفرنسية، وهناك ميل كبير لاعتبار الفرنسية حقيقة مكتسبة» (ص 95)، و كانت تهدف من وراء ذلك ـ حسبه ـ إلى جعل اللغة الفرنسية مؤثرة في سياسة بلدان المغرب العربي، «لخلخلة تماسكها الاجتماعي والثقافي» (ص 95).
وارتكز المخطط الفرانكفوني القديم الجديد لضرب اللغة العربية كما يوضحه د. قلالة على ثلاث ركائز، النخبة القديمة الموالية للاستعمار، أبناء النخبة المكونين تكوينا جديدا يتماشى مع متطلبات المرحلة. وأخيرا فئات المجتمع التي قد تبدي استعدادا لتبني مشاريع هذه النخبة،
وبنظرة مستقبلية يفترض د. قلالة أن فرنسا تعد العدة ليكون الشباب الجزائري (والمغاربي عامة) الذي سيشكل المجتمع الجديد محصورا بين اللغة الفرنسية والعربية «أي أن فرنسا ستبقى مؤهلة لممارسة كل أشكال التوجيه عليه».
في نفس السياق النقدي المنتهج من طرف د. قلالة يتحدث عن المدرسة الأساسية، والجامعة ومكانتهما في قلب الصراع اللغوي في الجزائر، ويفرد مقالا خاصا عن الوحدة القائمة في الأهداف والمبادئ بين الفرانكفون أي أولئك الذين يدعون إلى استعمال اللغة الفرنسية كلغة وحيدة، والفرنكوفيل وهي الفئة التي ترفع الراية الفرنسية من جديد من أجل إعادة الجزائر إلى الأم الحنون بتعبير د. قلالة.
إلى جانب هذا تتوزع بقية المقالات على مواضيع أخرى متفرقة تمس جوانب ثقافية وإعلامية متنوعة كـ : ثقافة الكلام والكلام المكتوب، وثقافة الفعل وثقافة القول، والانفتاح: انفتاح على الذات أم على الآخر؟ وموضوع في مفهوم الجهاد بعنوان: عبرة الجهاد وعبرة الاستشهاد.
أبو بكر زمال
*الكتاب:الاختراق في الثقافة الجزائرية
*الناشر:اتحاد الكتاب - الجزائر 2006
*الصفحات:294 صفحة من القطع المتوسط

