عن دار الفكر بدمشق صدر للباحث الأكاديمي د. محمد رضوان الداية كتابه الجديد «معجم العامي والفصيح من كلام أهل الشام» ضمن سلسلة الموسوعة الشامية، ورصد من خلاله لغة أهل الشام الدارجة وعلاقتها باللغة الفصحى ومدى ارتباطها بالزمان والمكان، ومن ثم التطور الذي أصابها من خلال توليد الألفاظ على منهج العرب في لغتهم، والأساليب المتّبعة في استخراج الكلمة عن طريق الاشتقاق الموافق للفصيح،

وذلك بغرض تأصيلها وترسيخ أثرها. وإلى ذلك فإن الباحث لا يتوقّف عند حدود اللغة الدارجة ومقارباتها اللغوية، وإنما سيسعى إلى ربط بحثه بالحياة الاجتماعية الخلاّقة لأهل الشام: أفراحهم وأتراحهم وعاداتهم وتقاليدهم، مما يمكن اعتباره كبحث اجتماعي زاخر بأعداد كبيرة من الحكايات والقصص والحكم والامثال والأشعار عن كلّ جانب من الجوانب اللغوية التي تطرّق إليها.

أما بالنسبة للتسمية، فقد أوضح المؤلّف في مقدّمته بأن المقصود ب«كلام أهل الشام» مدينة دمشق وما حولها، منوّهاً بأنه لم يسجّل في المعجم ما لم يسمعه من أفواه الناس، وإنما سجّل على أقرب ما سمعه في اللغة العربية، بالرغم من أن الكلمة، بتعبيره، قد تنطق في حيّ من أحياء دمشق بلحن مختلف عن حيّ آخر، وإن كان هذا قليلاً.

يضمّ المعجم أبواباً بعدد حروف اللغة العربية الفصحى بدءاً من الألف وانتهاء بالياء، ولكل كلمة حكايتها أو حكاياتها الخاصة، يعمد المؤلف لتسجيلها بأسلوب سهل ولطيف يمتّع القارئ ويفيد الباحث في العلوم الإنسانية المختلفة وبخاصة من يهتم في الشأن الاجتماعي أو الأنثروبولوجي تحديداً، ومن هنا فإننا اخترنا مجموعة من الألفاظ المعبّرة عن مناحي مختلفة من حياة أهل الشام اجتماعياً ولغوياً كما يأتي:

(أ ب ش): يقولون في صفة أحدهم أنه يهبش إذا أخذ الشيء خطفاً، ويصوغون على وزن فعِّيل، وهو شائع عندهم فيقولون: هبِّيش إذا كان يجمع رزقه بجهد وحيلة في وقت واحد. أما في اللغة فيذكر المؤلّف أن: أبشت الشيء وهبشته: إذا جمعته، والهُباشة الكسب، ويقال: وهو يتهبّش، أي يتكسّب، وفلان يتهبّش لأهله، ويذكر قول الشاعر:

لولا هُباشاتٌ من التهبيش لصبية كأفرخ العشوش

وبمناسبة الهبّيش، فإن السوريين توسّعوا في دلالتها نحو الموظفين الحكوميين المرتشين والمستفيدين من مراكزهم الوظيفية، وهو ما لم يذكره المؤلّف بالرغم من أنه مصطلح شائع.

(برم) يوردون فعل بَرَمَ لمعان متقاربة، ف: برم الشيء: أداره وحوّله من جهة إلى أخرى، وبرم أي استدار حول نفسه أو حول الشيء، وركب فلان الدراجة الهوائية برْمة، أي دار دورة أو طاف بها شيئاً يسيراً، والبنت في العرس برمت برمة، أي لم تطل مدة الرقص حين جاملت في العرس ودارت دورة، أو اثنتين، أو شيئاً قليلاً.

ومن طعامهم: المبرومة: وهي حلوى من الكنافة المحشوة بالفستق الحلبيّ، ونقلوا المعنى إلى المجاز فقالوا في الثناء على أحدهم إنه برِم أي نشيط وذكي، مدبر الأمور لنفسه، قادر على حلّ قضاياه بسهولة، والفصيح: بَرِم. وأصل هذا كلّه من الفصيح، من مادة (ب ر م) من قول العرب: برم الحبل، أي فتله؛ وأبرمه. والبريم في عامية أهل الشام خيط مبروم من لونين فأكثر على درجات من الغلظ والرّقة: يستعملونه في زخرفة الثياب وتزيينها.

وعلى هذا النحو من البحث يتابع القارئ الكثير من الحكايات الشائقة في التعبير الساخر أو الجاد عن الكثير من السلوكيات ومن ذلك لفظة «يتطوطح» التي سيصنفها في مادة (ت ي ع) حيث يكتب: يقولون جاء فلان يتطوطح، إذا كان يمشي غير متماسك ، يحمل نفسه بصعوبة ويمشي مشياً غير مستقيم في تهالك وضعف، وهي تقال غالباً في من يمشي وهو في شدّة السكر.

وفي قولهم «يتطوطح» تحريف وإبعاد شديد عن الأصل الصحيح للكلمة وهو «يتتايع»، وفي اللغة الفصيحة: تتايع الجمل في مشيه في الحر: حرّك ألواحه حتى كاد ينفك. ومن حيث اللغة سيتابع ورود مادة (ت ي ع) في المقاييس فتدلّ على اضطراب الشيء. قال: والسكران يتتايع في مشيته: إذا رمى بنفسه. ثم قال: ولا يكون التتايع في الخير. والعامي في اللهجة الشامية كالفصيح قداً بقد في تقدير المعنى؛ ولكن وقع التحريف لتقارب مخارج الحروف.

ومن التعابير عما يرتبط بالعروسين لفظة «جهّز» من (ج هـ ز) حيث ذكر: يخصّون كلمة الجهاز بجهاز العروس، ويقولون جهّزنا البنت، أي اشتروا لها ما يلزمها في بيت الزوجية، ويقولون كمل الجهاز أي: أنجزوا ما يلزم منه، وكأنهم أرادوا ألاّ يخلطوا بجهاز العروس مقصداً آخر، وتركوه مخصوصاً بهذه المناسبة المفرحة. بينما في اللسان وغيره: الجهاز: جهاز العروس والميّت وجهاز المسافر.

أما مادة ( ج هـ ن م) فيذكر المؤلّف أنه من طرائف أوصافهم قولهم في البائع الذي يرفع أسعاره ويبيع بسعر غال إنه جهنماني. ويقولون في أسعاره: نار كاوية! وهو كاوي الأسعار! وهذه العبارات وأشباهها مقتبسة من اسم جهنم وهي صحيحة فصيحة. وهذه النسبة: جهنماني هي على وزن غير قياسي في الفصيح، وهو قريب من وزن كثير الاستعمال عند العامة كقولهم: فلان الأسمراني والأبيضاني...

ومن الطب سيورد مادة (ج ر ث م) و«جرثومة» المتداولة كثيراً علمياً، فيكتب: وجرثومة الشيء في اللغة: أصله، وأطلقت على البكتيريا.. أما اجتماعياً فهي تدخل في عبارات الاستهزاء أو الشتم كأن يقول أحدهم للآخر: أنت جرثومة؛ أو فلان جرثومة! وهذا المُدرك اللغوي حديث. يريد القائل ان المخاطب محتقر عنده، لا شأن له فهو كتلك الجرثومة في الضآلة والصغر، وإلى ذلك فإنها تقال أيضاً لمعنى النبذ، فالمخاطب الموصوف بأنه جرثومة مفسد كالجراثيم الضارة، وهذا من التوسّع في الدلالة وتسمح به اللغة.

ومن أغاني الأطفال سيتوقف المؤلف عند مادة (ح ش ش) و«حشيشة» حيث يقولون في الدارج: حشيشة القلب؛ وصوابها حُشاشة. وفي أغاني الأطفال العامية الدارجة: حشيشة قلبي هالطول هالطول/ كبرت وصارت هالطول هالطول. يغنونها للأطفال ويدعون لهم بالعمر المديد والنماء؛ وحشاشة القلب هي كناية عن الابن والابنة أو الحفيد والحفيدة، أو الطفل كائناً من كان تغني له المرأة وترعاه.

وفي اللسان: الحُشاشة: روح القلب ورمق حياة النفس، وحشيشة القلب كما يذكر المؤلف في رواية أخرى: أنها من المجاز الذي يعني أن الطفل زرع الأهل وقد اهتموا به ورعوه إلى أن كبر. ومن الطعام ثمة الكثير من العبارات سنختار بعضها على سبيل المثال مادة (د م س) والفول المدمّس الطعام الشعبي المعروف، فيذكر أنه إلى عهد قريب بإحدى طريقتين:

في قمّيم الحمام، أو في التنّور، وللفول أوان خاصّة (قدور) كانت تملأ بالماء وفيها الفول، وقليل من الزيت، وتدفن بالنار والرماد الحار. وكان يضاف إليها الماء مرة أو اثنتين أو أكثر من ذلك أثناء الليل خشية أن يجف الماء، ومع الفجر ترفع القدور ناضجة شهية. ومن هنا سمّوا الفول مدمّساً، والتدميس في اللغة: إخفاء الشيء تحت الشيء، والمُدمس: المخبوء، ودَمست الشيء: دفنته وخبّأته. فقولهم «فول مدمّس» العامي، هو فصيح جار على أساليب العرب.

وفي وصف الجائع الذي اشتد به الجوع: مخوِّر بصيغة اسم الفاعل من مادة (خ و ر)، ويذكر أنه من لطيف عاداتهم أن الآتي من الأولاد وغيرهم إذا قال عن نفسه انه مخوّر، وكانت الطبخة لم تنضج وطلب شيئاً من الطعام يسكت به جوعه، أو يسند به بطنه، وقولهم «يسند» يشير إلى الضعف الملموح في كلمة

«خور» و«مخوِّر».

ومن صراع الريف والمدينة نتوقف عند مادة (د م ش ق) فيذكر المؤلّف أنه في عبارات أهل الغوطتين والقرى الدائرة في فلك دمشق: «الفلاح إذا تدمشق مثل الدب إذا تعمشق»، ويتفننون في تبديل كلمة الدب في رواياتهم على سبيل الدعابة، والمثل يروى على سبيل التندّر البريء والفكاهة، و«تدمشق» هنا بمعنى: جارى أهل دمشق في أحوالهم وعاداتهم، وفي عباراتهم عمن أبدى الدلال: تبغدد، وهو توليد قديم من اسم بغداد.

ومن المجازات الشامية اللطيفة يوردها المؤلّف في مادة (ر ي ق) حيث يقول القائل: «أكلنا كلمتين من المدير على الريق»! أي ناله شيء من اللوم والتقريع من المدير عند الصباح، وفي اللسان: على الريق أي يُفطر. وقولهم: «ما أعطاني ريقا حلوا» كناية عن الفظاظة معه، والمعاملة الشديدة.

ونختم بزينة النساء في مادة (م ط) حيث يقول: الماشطة عند أهل الشام هي المرأة التي تزيّن النساء، ويستعان بها في الأفراح، وخصوصاً في الأعراس، وسمّوها كذلك على التوسّع في المجاز، لأن الماشطة في اللغة: هي التي تحسن مشط الشعر، والتي حرفتها المشاطة.

وفي اللسان: المشّاطة: الجارية التي تحسن المشاطة، وفي الأمثال: شو بتعمل (وبتساوي) الماشطة بالوش بـ (الوجه) العكر؟.الكتاب أشبه بكنز فيه الكثير مما يفيد ويثقّف ويمتع، وهو إلى ذلك جهد موسوعي كبير ذكرنا بموسوعة العلاّمة خير الدين الأسدي الحلبية وغيرها من الأعمال التي تناولت اللهجات الشعبية السورية والعربية.

عزت عمر

*الكتاب: معجم العامي الفصيح - من كلام أهل الشام

*الناشر: دار الفكر ـ دمشق 2005

*الصفحات:632 صفحة من القطع الكبير