هذه المقابلة أجراها موقع «أمازون» الالكتروني المتخصص مع الروائية الأميركية جنيفر إيغان، بمناسبة صدور روايتها الثالثة بعنوان «الحصن»، حيث ألقت فيها الضوء على هذه الرواية وصلتها بأعمالها الأخرى بما في ذلك مساهمتها في عالم الصحافة، وأوضحت الخطوط العريضة لعملية الكتابة على نحو ما تقوم بها والكتاب الذين أثروا فيها وسر اهتمامها بروايات الاثارة على نحو ما يبدو في روايتها الجديدة.
وفيما يلي نص المقابلة:
* هل لك في القاء الضوء على عملية الكتابة كما تمارسينها؟ وهل تختلف من كتاب إلى آخر؟
ـ تبدو عملية الكتابة عندي غريبة، على الأقل بالمقارنة بنظيرتها عند الكتاب الآخرين الذين تحدثت معهم في هذا الشأن، فأنا أبدأ من منطلق محدود للغاية، ويتمثل هذا المنطلق في احساس قوي بالزمان والمكان، احساس قوي بالمناخ، وبضع أفكار مجردة أرغب في استكشاف آفاقها.
وفي حالة رواية «الحصن» فقد جعلت أحداثها تقع على مسرح ما أسميه بالبيئة القوطية، حيث نجد أنفسنا في صرح معماري هائل بعد العهد بأيام مجده وتبدأ أشياء مخيفة في الوقوع. أما فيما يتعلق بالمفاهيم الأساسية لهذا العمل، فقد كنت فضولية فيما يتعلق بالاتصالات عن بعد، وبالطريقة التي جعلت بها الهواتف النقالة والانترنت الكثيرين منا معتادين على الاتصال غير المتجسد المستمر تقريباً، وهي حالة ترتبط تقليدياً بالتجربة الفائقة للطبيعة. وقد أحببت فكرة ترك الاتصالات الحديثة عن بعد تصطدم بهذه البيئة القوطية ومتابعة ما يمكن أن ينجم عن هذا الصدام من نتائج.
وأنا أكتب يدوياً باستخدام القلم، وعادة ما يكون ذلك على شكل مسودة مطولة مكتوبة بسرعة شديدة، وبمتوسط يتراوح بين خمس إلى عشر صفحات يومياً تصاغ بأسلوب متواضع. وأقوم بذلك من الصفر تماماً على وجه التقريب وبشعور محدود للغاية بالاتجاه الذي أنطلق فيه. وغالباً ما أكتشف في غمار عملية الكتابة غير الواعية هذه الشخصيات والأحداث.
وعندما يتم انجاز المسودة الأولى فإنني أقوم بطباعتها على الكمبيوتر، وهذا ينطبق على الاجزاء التي يمكنني أن أقرأها من المسودة الأولى، على أي حال، فخطي شديد السوء بحيث يصعب عليّ أنا نفسي أن أقرأه بحد أدنى من الوضوح، ثم أشرع في تأمل ما وصلت إليه.
وما من كلمة واحدة من المسودة الأولية هذه التي تم التوصل إليها بهذه الطريقة تشق طريقها إلى المسودة النهائية، التي كانت في حالة بعض فصول روايتي «أنظر إليّ» هي المسودة الستون أو السبعون. وأنا أقوم بالتدقيق في النص يدويا على النسخة المنجزة، ثم أقوم بكتابة التغييرات والتصليحات بالكمبيوتر وطبع النص في صياغة جديدة لمزيد من التحرير والتدقيق.
وعملية الكتابة نفسها تظل عملية غريزية على وجه التقريب، ولكن هناك معادلاً تحليلياً قوياً لها، عندما أصل إلى ما أسعى للقيام به من حيث الحبكة، الشخصيات، المكونات الموضوعية، ثم بعد ذلك أمعن التفكير فيما يمكنني القيام به لجعل النص عملاً أفضل. وأنا أحرص على التخزين الإلكتروني لكل مسودة إلى أن يتم الانتهاء من الكتاب تماماً، وعندئذ أجد نفسي أمام تل من الورق.
*تتعامل بعض اللحظات القوية والمخيفة في رواية «الحصن» مع رهاب الاماكن الضيقة، فهل تعانين من هذا النوع من الرهاب؟
ـ أنا لا أكتب عن نفسي أبداً تقريباً، أو عن الامور التي تحدث في حياتي، أو عن الناس الذين أعرفهم. وأحب أن أبدع كل ما يرد في رواياتي، أو على الأقل أحب أن اعتقد أنني أوجدته من عدم إلى أن أدرك في وقت لاحق أي قدر كبير من تجربتي قد انسل زاحفاً إلى كتبي حاجباً هويته حتى عني أنا نفسي.
وعلى سبيل المثال فأنا لا أعاني من رهاب الأماكن الضيقة، ولكنني بالتأكيد تعرضت للضغوط العصبية وهذان الجانبان مرتبطان بشكل وثيق. وقد أردت الإمساك بناصية الطريقة التي يمكن بها للعصاب، شأن رهاب الأماكن الضيقة، التحول بصورة فورية بالبيئة الحميدة والصحية إلى كابوس مكثف لاسبيل إلى تخفيف وطأته الضاغطة على النفس.
*من هم المؤلفون الذين ألهموك؟
ـ في مقدمة المؤلفين الذين ألهموني في المدى البعيد لورنس شترن، جين أوستن، إديث وارتون، إميل زولا، جورج إليوت، روبرت ستون، دون ديليلو، جين ريز. أما فيما يتعلق برواية «الحصن» فإن القائمة تختلف قليلاً، فهناك روايات قوطية رائعة ومجنونة تماماً حرصت على أن أقرأها، ومنها رواية «قلعة أوترانتو» لهوراس والبول،
و«ميلموث وجواب الآفاق» لتشارلز ماتورين و«ألغاز أدولفو» لآن رادكليف و«الراهب» لماثيو لويس وتلك كلها روايات تعود إلى القرن الثامن عشر، ثم هناك روايات من القرن التاسع عشر، ومنها «ذات الرداء الأبيض» لويلكي كولينز، وهي رواية إثارة مخيفة إلى أبعد الحدود.
*تمارسين العمل في الصحافة إلى جوار تأليف رواياتك، فهل تختارين المهام الصحافية لانها تساعدك في تأليف كتبك أم أنك تأخذين الموضوعات التي اشتغلت عليها في اطار المهام الصحافية لإدماجها في أعمالك الروائية؟
ـ في أي وقت من الأوقات، فإنني أجد أن ذهني يحوم حول مجموعة من الأفكار، وتلك الأفكار هي التي تحكم قراراتي فيما يتعلق بالأعمال الروائية والأعمال غير الروائية، وهكذا فليس من المدهش أن يتداخل هذان الجانبان في نهاية المطاف.
وعلى سبيل المثال فقد قمت بمهمة صحافية تتعلق بأعمال العارضات في نيويورك، وقد قمت ببعض المحاولات المتعثرة للوصول إلى العارضات للقيام بالابحاث الضرورية.
وبوسعك تخيل مدى انفعال العارضات لرؤية روائية تجلس معهن وتتحدث معهن مطولاً. ولم أكن قد قمت بمهام صحافية قبل ذلك بصورة حقيقية، ولكنني سئلت عما إذا كنت سأهتم بالقيام بهذا التحقيق، وفي البداية خشيت من القيام بإمضاء وقت طويل للغاية في انجاز هذا التحقيق، وبصفة خاصة عملية تحويل الأبحاث والحوارات إلى تحقيق قابل للنشر في «نيويورك تايمز مجازين»،
ولكن هذا التكليف كان بمثابة هدية من السماء للرواية التي أعكف على كتابتها. ولولا الرواية لربما اعتذرت عن عدم قبول هذا التكليف الصحافي لخوفي من الفشل فيه. وعندما تم إبلاغي بأن هذا التحقيق سيكون موضوع غلاف للمجلة، سألت نفسي: «كيف يمكنني القبول بهذا؟». ولكنني وصلت إلى أنني على الأقل سأنجز البحث الذي أردت القيام به للرواية.
