تقدم رواية «الحصن» لقرائها منهاجاً أميناً وحميماً للاقتراب من الحوارات التي يجريها الناس غالباً مع أنفسهم حول أنفسهم، وهي تفلح في أن تقدم للقارئ الشعور بأنه ما من أحد فينا يظل وحده حقاً، في عزلة عن باقي الناس. في هذا العمل تشمخ قلعة يعود عمرها إلى تسعمئة عام لتشكل الساحة الرحبة التي ستجري عليها أحداث الرواية،
حيث يبدو لنا أن القلعة تسخر من فناء أولئك الذين يتصورون أنفسهم أبطالاً يشمخ حضورهم إلى عنان السماء، حيث تطل القلعة بتاريخها الممتد، فإذا بها قد منحت صوتاً، ربما عبر كلمات البارونة العجوز التي لاتزال تعيش في القلعة، وتنتمي إلى العائلة التي امتلكتها منذ بنائها.
لكن القارئ سرعان ما يكتشف أن الرواية لا تدور حول القلعة والحصن الذي يحتل مكانة القلب منها، بقدر ما تدور حول قدرة هذا الصرح القديم على التأثير فيمن يتصادف أنه يضمهم بين جدرانه العتيقة. إن ما يكمن في جوهر الرواية حقاً هو استخفافها بوجود ساكنيها العابر، وقدرتها على منحهم الصمود الذي يتيح لهم الوقوف في وجه الخصومة ورؤية ما يبدو لهم صراعات عملاقة وهي تجف مثل أوراق الخريف وتتساقط حولهم منداحة إلى العدم.
وتكشف ضربات الفرشاة التي من خلالها تتيح لنا إيغان الإطلال على تجارب حياة شخصياتهم والمعاناة التي تعرضت لها هذه الشخصيات عن مدى عمق فهمها لتعقد الروح الإنسانية. فهي لا تروي لنا سرداً لوقائع وأحداث في حياة الابطال ولا تعتمد على حيل الكتابة المألوفة ولا على المهارات التقليدية في خلط العواطف والانفعالات، وإنما هي تدعونا عبر كلماتها إلى الابحار في الانفاق المظلمة والمخيفة التي تشكل تجاربنا والجحيم الحي للحياة والذنب والرفض وتجربة اللاتجربة وصولاً إلى ميلاد، إلى عالم يبدو لنا جديداً لأننا بشر جدد.
وربما تستمد هذه الرواية المصدر الحقيقي لقوتها من انها تشير محقة إلى أن قدرتنا على تعرف محنتنا المشتركة ومعانقة اخوتنا من البشر هي مسألة بالغة الاهمية للبقاء الإنساني. ومن دون أي تناقض مع نفسها، فهي واقعية تماماً في توقعها أننا لن يقدر لنا جميعاً بالضرورة البقاء، وأن بعضنا سيسقط عن جدارة في الطريق.
في «الحصن» نلتقي مع ابني عم، هما داني وهوارد، اللذان أدى مقلب عملي ساءت عاقبته في صباهما إلى الحاق ضرر دائم بعلاقتهما، فافترقا ومضى كل منهما في طريق، وبعد عشرين عاماً يدعو هوارد، الطرف الأكثر تضرراً، داني للقدوم إلى قلعة عتيقة في أوروبا الشرقية لمساعدته في تحويلها إلى فندق مترف للنخبة.
وفي هذه البيئة القوطية، الحافلة بعناصر العصاب، يعيد داني وهوارد القيام بواقعة صباهما، مع نتائج أشد كارثية مما حدث في الماضي. ومع تكشف المدى الهائل لرعب ورطتهما، فإن سجينا مودعاً بأحد السجون هو مجرم لا نعرفه على وجه التحديد يروى لنا وقائع قصة تستعصي على النسيان، قصة عن ابني العم اللذين يلتقيان لتجديد القلعة، لتنهض من مرقدها جرائم الماضي لتنداح مع جرائم جديدة تحوم في الأفق.
هكذا فإن فصول الرواية تراوح بين ما يرويه هذا السجين وبين مدونات داني عن أعمال القلعة. ونتوقف طويلاً عند الحصن، ذلك الجزء الداخلي القديم والسحري من القلعة الذي تعتصم به البارونة ضد هوارد وشركاه وضد شبحي الأخوين التوأم اللذين غرقا في المسبح الممتد في فناء القلعة.
وتتعدد لمحات الإشادة بهذه الرواية على صفحات أبرز المطبوعات الأميركية. حيث تشير صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن هذه الرواية تملك قدرة هائلة على استقطاب القارئ بما فيها من عناصر الجاذبية والسحر والتشويق الأدبي. وترى مجلة «فوغ» أن ما يميز رواية «الحصن» هو قدرة المؤلفة جنيفر إيغان على الاستلهام من اللاوعي الأميركي عبر انطلاقات حدسية إلى الجوانب الأكثر ظلاماً من الثقافة الأميركية التي تدفعها التقنية وتعرفها الصورة.
ويرى موقع «كيركوس» الإلكتروني المتخصص في هذه الرواية عملاً ذكياً ومثيراً وحافلاً بالتحديات للقارئ، حيث انفعالات الشخصيات واقعية تماماً ورؤية المؤلفة مؤثرة حقاً بحيث إن القارئ يغرق تماماً في قراءة هذا العمل ولا يتوقف إلا مع الكلمة الأخيرة في الصفحة الأخيرة.
وشأن كل عمل بارز وعلى هذا القدر من الأهمية، فإن رواية «الحصن» لا يمكن إلا أن تثير انتقادات تصنيف إلى أهميتها حتى وإن بدت لنا بمثابة ملاحظات سلبية لا موضع للتشكيك في طابعها السلبي. ففي مقال مطول حول رواية الحصن في موقع «بوكسلت» تشير مورين ماكلانون إلى أن نهاية «الحصن» تبدو نهاية موفقة إلى حد بعيد، لكن المؤلفة تضيف إليها قسماً إضافياً كان يمكن للمؤلفة أو لمحرر الكتاب حذفه كلياً من دون أن يؤثر على قيمة العمل لأنه زائد ولا ضرورة له.
أما الإصرار على إضافة هذا القسم إلى الرواية فإنه يشبه عرض فيلم للرعب وبعد الانتهاء منه وإظلام الشاشة تقدم لنا مجموعة من المشاهد السخيفة التي لا معنى ولا ضرورة ولا قيمة لها. أياً كان الأمر، فإن هذا القسم يشكل تحدياً لهواة هذا النوع من الروايات ليحكموا بأنفسهم إذا كان ضرورياً أم أن العمل ما كان ليتأثر لو تم حذفه وإسقاطه منذ البداية.
*الكتاب: الحصن
*الناشر: الفريد نوف - نيويورك 2006
*الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط
The Keep
Jennifer Egan
A. Knopb - N.Y 2006
p.256
