ميشيل تور، محلل نفسي، وأستاذ في جامعة باريس السابعة، له عدة مؤلفات من بينها «الرغبة الباردة، الإنجاب الاصطناعي وأزمة المرجعيات الرمزية» و«الحاصل الذكائي».يأتي هذا الكتاب «نهاية المبدأ الأبوي» في إطار نقاشات طويلة شهدتها فرنسا خلال العامين المنصرمين حول «دور الأب» في المجتمعات الغربية.. وهي في الحقيقة نقاشات حول الأسرة الغربية التي أنتجها المجتمع الاستهلاكي والتي تعاني من مشكلات بنيوية حقيقية.
نقطة الانطلاق في التحليلات المقدمة هي التأكيد على تضاؤل سلطة الأب داخل الأسرة الحديثة.. وحيث يبدو هذا التضاؤل بمثابة محصلة عمل عدة عوامل أفرزها العلم والديمقراطية والليبرالية؟ أي بتعبير آخر ان فقدان «رب الأسرة» لسلطتة هو نتاج للحداثة.. باعتبار أنها سلطه تنتمي للتاريخ.. للماضي..
وأن وظيفته نفسها «تاريخية» و«اجتماعية» لها علاقة بالأنماط القديمة للإنتاج، وبالتالي «علينا أن نقبل أنها، مثل كل حقيقة تاريخية استنفدت زمنها، تخلي المكان الذي كانت قد احتلته»، ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أن تاريخ «مكانة الأب» هو تاريخ حقيقي وسياسي واقتصادي.. وكان له منظوماته الفكرية والمعرفية.
وكان النقاش حول دور الأب قد عاد بين فترة وأخرى طيلة التاريخ الغربي الحديث.. وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «لم يتوقف الأب عن الموت ثم الولادة من جديد، والتمرد ضده وانبعاثه لم يتوقفا أبداً». وهذا ليس غريباً، بشكل، ما عن صراع الأجيال وفي كل مرة قد تكون هناك لهجة مختلفة..
هذا مع التأكيد على ضرورة عدم الخلط بين الدور الاجتماعي «الذي يتراجع» والدور «الرمزي» ذي الطبيعة الكونية «المستمرة» ويطرح المؤلف بهذا الخصوص سؤالاً جوهرياً مفاده: «ما هي العلاقة بين ما يختفي أمام أعيننا من سلطات الأب وبين البعد الكوني للوظيفة الأبوية؟».
ولفهم مثل هذه العلاقة يتم التأكيد على مسألتين أساسيتين. الأولى هي أن التطور التاريخي للمجتمعات الحديثة يتسم دون شك بتناقص السلطة الاجتماعية للأب.. والثانية هي أن انحطاط تلك السلطة الاجتماعية يؤدي إلى التساؤل عندها حول فاعلية «الوظيفة الأبوية» نفسها.
ومن الظواهر الجديدة التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب، انخراط شرائح جديدة في النقاشات حول دور الأب في المجتمع.. إذ في الوقت الذي كان يجيء فيه سابقاً علماء النفس والمحللون النفسيون وعلماء الاجتماع، فإنها تثير اليوم اهتماماً متزايداً لدى المؤرخين ورجال القانون والاختصاصيون بشؤون الأسرة وغيرهم من المهتمين بالتحولات الاجتماعية.
ويتم التأكيد على أنه إذا كان الأب قد استطاع أن يفرض سلطته خلال آلاف السنوات، فإن هذا لا يعود إلى كون أن التنظيمات الاجتماعية قد فرضت أشكالاً غير متكافئة من السلطة بين الرجال والنساء، وإنما لانه كانت تنبغي الاستجابة لمتطلبات الوظيفة الأبوية نفسها.
ويتمثل أحد المحاور الرئيسية لهذا الكتاب في القول انه منذ الأزمنة القديمة صاغت العلاقة مع الرجل« المسيطر»، والذي يمثل سمة اجتماعية أساسية للمجتمعات، صورة الأب. ثم ان الواقع البيولوجي ساهم في إخضاع النساء والأطفال لسلطة الرجل، ومثل هذه العلاقة جرت عملية إعادة إنتاجها من جيل إلى جيل آخر، وفي مختلف المجتمعات الإنسانية المعروفة. وفي الغرب تضافرت آليات العلاقات التجارية لتؤكد سيطرة الرجل.
إن الخطاب التقليدي يأسف لفقدان السلطات السياسية والاجتماعية للأب، ولذلك يتم وصفه بأنه خطاب «رجعي»، لاسيما وأنه يترافق مع «الحنين إلى الأزمنة القديمة».. ومن جهة أخرى يتم الحديث عن الخطاب «التحرري» الذي يدعم جميع الإجراءات المتخذة من أجل وضع حد ل«السيطرة الذكورية».
لكن تتم الإشارة في هذا السياق إلى الآثار السلبية المترتبة على اهتزاز «البنى العائلية».. ثم هناك ميل إلى التطرف أكثر في إعطاء دور راجح، بل دور «الأرجحية» للأم في إطار الأسرة الحديثة، مما يعيق «إمكانية أن يمارس الآباء وظيفتهم الأبوية على قدم المساواة مع الأمهات».
يبقى الرهان الأساسي في الحديث عن «نهاية سلطة الأب» هو الوصول إلى «تقسيم العمل داخل الأسرة فيما يتعلق بالعناية بالأطفال».. ولا شك ان مهمة العناية هذه بالأطفال هي مناطة بالأمهات في المجتمعات التقليدية.. لكنها تصبح «نسبية» على مستوى المبادئ في المجتمعات التي تقدم نفسها على أنها حداثية، أو ما بعد حداثية.
ولكن الأمهات تقوم بها هنا بصورة «طبيعية»، «آلية».. هذه السمة «الطبيعية» في عناية الأم بأطفالها تجد ترجمتها حتى في المجتمعات الأكثر «تقدماً» وحداثة، في التقسيم الاجتماعي للعمل.. وحيث لا يتم تطبيق المساواة الكاملة ـ بين الجنسين ـ يستدعي في أفضل الأحوال ابتسامة خفية لدى أولئك الذين يعرفون الأوهام التي يمكن أن تدل عليها نظراً لواقع اللامساواة العميق في «اللاوعي».
إن مؤلف هذا الكتاب يعالج مسألة تراجع سلطة الأب في المجتمعات الغربية عامة انطلاقاً من البناء الاجتماعي والتاريخي لبعض المعطيات الخاصة «بمكانة الأبوة» نفسها، كي يشرع بالاعتماد على ذلك آليات تكونها وتكرسها في اللاوعي الإنساني.. وحيث يكمن دور المحللين النفسانيين في شرح تلك الآليات وكيفية تطورها بفعل جملة من المؤثرات الخارجية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
هكذا لا يتحدث المؤلف عن صورة «واحدة ل«مكانة الأب» في المجتمعات الغربية وإنما عن «عدة صور تاريخية» أعطت كل منها «مهمة للأب» تبعاً للشروط المستجدة وفي بعض الأحيان «على أنقاض المعايير القديمة». وهكذا ساعدت «الظروف المستجدة» في المجتمعات الحديثة في الغرب على تقهقر، إن لم يكن زوال، سلطة الأب.. لكن لا تزال هناك «جيوب مقاومة» ضد مثل هذا الواقع..
ويصف المؤلف هذه المقاومة بأنها ليست مجرد «وهم نظري» وإنما أيضاً «ظاهرة من نفس طبيعة علاقة الحنين التي يعيشها الكثيرون في المجتمعات الحديثة الديمقراطية إلى الحقبة الملكية وإلى التدين وإلى الأرستقراطية».. بهذا المعنى تنتهي سلطة الأب إذن إلى الماضي، ولكن هذا لا يمنع استمرار آثارها ك«أحد الأشكال السابقة للسلطة».
وفي القسم الأول من هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «الأب» يقوم المؤلف بتفحّص آليات تكون صورة «الأب» باعتباره «تنظيم نفسي تاريخي للسلطة»، وحيث إن تحولات هذه الصورة تندرج تماماً في التحولات ا لتي عرفتها الأسرة نفسها في الغرب. وبيّن كيف أن تدهورها، أي صورة الأب، تلازمت مع عملية «تخريب المرجعيات العائلية، وخاصة ذات الطبيعة الدينية منها».
وتأثرت أيضاً إلى حد كبير بنشاط حريات الدفاع عن حقوق المرأة وأيضاً بالدعوات التي أطلقها أولئك الذين طالبوا ب«حرية الخيارات الفردية» وترجمة ذلك على صعيد السياسات الاجتماعية. كان «الأب» رمزاً لسلطة استمرت آلاف السنين.. لكنه غدا في نهايات القرن العشرين «موضوعاً للتاريخ» جرى ربط «سلطته» ب«السلطة الإقطاعية»، في أوروبا ـ وفي الصين أيضاً، كما يشير المؤلف،
وهكذا وقبل أن يصبح الأب «موضوعاً» كان «قيمة»، «بل و «أجمل زهرة مما جرى الاتفاق على تسميته بالإرث الروحاني للغرب، إنه إرث «البطريركية» الغربية التي مثّلت الثورة الفرنسية عام 1789 قطيعة فيه.. لكنها، «قطيعة» ظهرت آثارها العميقة بعد فترة طويلة. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن المنظومة الرأسمالية وخاصة في نسختها الليبرالية، لم تكن بعيدة عن «تدهور» صورة الأب في المجتمعات الاستهلاكية الفردية.
وفي القسم الثاني من الكتاب تتم مناقشة آراء عالمين كبيرين في ميدان التحليل النفساني، هما سيغموند فرويد وتلميذه جاك لافان الفرنسي. ويتم اعتبار أنهما قد وضعا المقولات الأساسية الخاصة ب« الأسس النفسانية لصياغة صورة الأب» حيث ميّزا بين العناصر العامة المشتركة بين البشر في العلاقة مع الأب ـ ما يسميه علماء النفس بعقدة أوديب ـ وبين ملامح صورة الأب المرتبطة بالوقت نفسه في الغرب بالإرث الديني وبالسياق التاريخي.
والقسم الثالث في الكتاب ذو طابع تاريخي «حديث» إذ تتم فيه دراسة التحولات التي عرفتها «صورة الأب» في الغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين. ويصل المؤلف إلى القول إن «تدهور» سلطة الأب خلال تلك الفترة وظهور صفة «الآباء الجدد»، «المائعين» إلى هذه الدرجة أو تلك، أطلق موجة من الحنين إلى «الأب ـ البطريرك» القوي. هذا إلى جانب خوف حقيقي من الآثار النفسية السيئة ل«تدمير» الأب.
وفي المحصلة يطرح هذا الكتاب مسألة «السلطة الأبوية» المطروحة للنقاش في المجتمعات الغربية على خلفية تنامي ظاهرة العنف الاجتماعي وفقدان «المرجعيات» لدى أجيال الشباب في هذه المجتمعات.. وحيث تعاد بداية «الحركة المناهضة للأب» لدى الشبيبة إلى أواسط القرن الماضي «العشرين»..
وصولاً إلى ظهور «أنماط جديدة» لمكانة الأبوّة كتعبير عن، نهاية النظام القديم، نظام ما قبل الحداثة، ونهاية «رموزه» أيضاً. فهل أصبح «الأب» في الغرب عملة قديمة ينبغي سحبها من التداول؟!! وهل هو في طريق «الانقراض» مثل الحيوان وحيد القرن الذي يزيّن صورة غلاف هذا الكتاب؟!!.
*الكتاب: نهاية المبدأ الأبوي
*الناشر: اوبييه ـ باريس 2005
*الصفحات: 490 صفحة من القطع المتوسط
FIN DU DOGME PATENEL
MICHEL TORT
AUBIER -PARIS 2005
P. 490
