هيرفيه جوفان، رئيس شركة أوروبية للاستشارات ونائب رئيس جمعية في مجال التأمين.. إنه «رجل ميدان» وهذا الكتاب هو مساهمته الفكرية الأولى. ينطلق هيرفيه جوفان في تحليلاته عن «إرساء سلطة الجسد» من مجموعة من الملاحظات «الإحصائية».. إذ ظهر للمرّة الأولى في عام 2005 أن متوسط عمر الفرنسيين يتجاوز 80 سنة.

وذلك مقابل 46 سنة عام 1990، وتدل التوقعات أن مولوداً من أصل ثلاثة مواليد ـ من الإناث خاصة اللواتي يتجاوز متوسط أعمارهن متوسط أعمار الذكور ـ منذ عام 2000 سيتجاوز عمره المئة سنة، وضمن الإطار نفسه يبدو أنه قد أصبح قريباً تحقيق منظور أن تصل نسبة 80% من السكان في فرنسا، مثلما في المجمعات المتقدمة الأخرى المناظرة، إلى عمر 80 سنة دون التعرض لأمراض وإعاقات خطيرة.

هذه الإحصائيات والمؤشرات دفعت مؤلف هذا الكتاب إلى أن يقول في الجملة الأولى منه: «الشيء الجديد في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين في بلدان أوروبا هو اننا قد اخترعنا جسداً جديداً. جسداً ضد الحاجة وضد الألم وضد الزمن». هذا الجسد الجديد الذي يرسي «أسس» سلطته هو ثمرة التقدم الذي تحقق على مدى قرن من الزمن..

وحيث ان التقدم الطبي في جميع الميادين احدى الثمرات الاساسية تعني بان لـ «ارساء سلطة الجسد» وجود آخر تمثل في الابتعاد كثيرا في اغلب الاحيان عن العديد من القيم الرمزية وحتى الايمانية يقول المؤلف «هذا الجسد الجديد هو الهدية التي تركها لنا قرن من الحديد والنار» في هذا القرن الذي شهد حربين عالميتين قتلتا الملايين من ابناء القارة الاوروبية القديمة

ولا يتردد في التأكيد ايضا ان هذا التجديد المتمثل في ارساء سلطة الجسد انما يمثل حدودا جديدة تفصل الغرب عن بقية العالم لكنها تفصله ايضا عن تاريخه نفسه لكن مثل هذا «الفصل» قد تكون له نتائجه السلبية نقرأ «يمكن لهذا التجديد ان يسمح بترقب نزاع مستقبلي بين حضارة الجسد وحضارات التاريخ» والمقصود بهذه الحضارات التاريخية تلك التي تتجاوز الجسد.

ثم ان سلطة الجسد الجديدة تقوم الى حد كبير على تمجيد الفرد وتقول بـ «حق كل فرد مقابل ارادة الاغلبية» وهي بهذا المعنى تحول الديمقراطية الى «متحف للحاضر» دون ايلاء أي اهتمام بالتقدم الجماعي وترفض ان يكون لاي تقدم الاولوية على الخيارات الفردية ويرى المؤلف ان دفع مثل هذا التحليل اكثر قد يؤدي الى نفي وجود اية علاقة بين الاجيال الحاضرة و«الاجداد» ذلك ان القطيعة قد جرت على مستوى الجسد تحديدا ف«جسد البؤس والألم غدا جسد مختلف أنواع متع الحياه» وجسد «الحاضر» يجني ثمار التقدم اما جسد «الماضي» فقد دفع بتعبه وبؤسه ثمن هذا التقدم.

ثم إن مجرد المقارنة بين الحياة المديدة لبشر اليوم وقصر حياتهم سابقاً تبين وجود «قطيعة تاريخية» حديثة العهد. هكذا لم يكن متوسط أمل الحياة في فرنسا أو إيطاليا يتجاوز 25 سنة أثناء قيام الثورة الفرنسية و22 سنة أثناء حروب الدين أو حرب المئة عام في أوروبا

وتضاءل هذا المعدل خلال أكثر من قرن 1350 ـ 1450 في أوروبا كلها التي ضربتها آنذاك موجات متعاقبة من الطاعون الأسود والمجاعات والهجرات الجماعية ليصل ـ أي معدل استمرار الحياة ـ إلى 19 سنة فقط.. وانتقل عدد سكان القارة الأوروبية كلها من 80 مليون نسمة في مطلع القرن الرابع عشر إلى أقل من 40 مليون نسمة في حوالي منتصف القرن الخامس عشر.

بل وفي القرن العشرين ذاته، أي في فترة أكثر قرباً من عصرنا، عرف قسم من أوروبا الوسطى أثناء تقدم القوات السوفييتية 1943 ـ 1945 أزمة تغذية حقيقية، وعرف مثلها سكان قسم من جنوب شرق أوروبا، أي رومانيا ويوغسلافيا السابقة وألبانيا في أواخر سنوات التسعينات المنصرمة.. ويمكن قول الأمر نفسه على مستوى الخدمات الصحية الضرورية. من هنا يمكن الحديث عن «قطيعة» حقيقية بين «الحياة الهشة والقصير»في الماضي حتى القريب منه، وبين «الحياة الطويلة جداً» التي يعد بها القرن الحادي والعشرين.

لكن هذه الحقبة الجديدة، التي يهيمن فيها «السيد الجسد» تقود بالضرورة، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، إلى «آفاق مجهولة»، ذلك أن «الهوة تتعمق أكثر فأكثر بين العالم الذي لا يزال يحتفظ بذكرياته طازجة، والذي أنتج مؤسساتنا وأنماط عيشنا وفكرنا وبين عالم الحياة الطويلة جداً زمنياً». وتدل المعطيات المتوفرة حالياً على أن الآثار المباشرة للتقيد بقواعد التغذية والرياضة البدنية قد تسمح وحدها بأن يصل معدل أمل الحياة إلى مئة سنة في الغرب بأفق عام 2050.

لكن مثل هذا الأول قد يتضاعف ليبلغ حداً جنونياً» أو ربما «عقلانياً» إذا صدّقنا ما تقول به تكنولوجيات المحافظة على بعض الأعضاء الأساسية للحياة، أو ربما لاستخدام «أعضاء تبديل».. «فهل يصل أمل الحياة إلى 130 أو 180 أو 300 سنة؟»، يتساءل مؤلف هذا الكتاب ويقول مؤكداً: «عندما يتضاعف أمل الحياة الإنسانية ثلاث مرات خلال قرنين، فهذا يعني أن الأمر لم يعد يتعلق بالحياة نفسها والإنسان نفسه».

وهناك «قطيعة» أخرى، أو على الأقل «هوة تزداد تعمقاً» تترتب على تغيرات منحنى أمل حياة الجسد.. إذ ولأسباب مختلفة انخفض معدل أمل الحياة في أجزاء عدة من العالم منذ سنوات التسعينات المنصرمة.. فهكذا مثلاً كان أمل الحياة في روسيا عام 2004 مساوياً له في السودان.. أي 59 سنة ـ قبل سنة من بلوغ سن التقاعد.

إن مثل هذا الواقع، زيادة أو نقصاناً، في ميدان أمل الحياة تترتب عليه خيارات اقتصادية أو سياسية واجتماعية قد تكون لها آثار حاسمة خلال العقود القليلة المقبلة. ويرى المؤلف أنه من الخطأ استنتاج أن الشيخوخة تشكل مأساة بالنسبة لأوروبا ولليابان وللغرب المتقدم عامة.. ذلك أن المرء يمكن أن يبلغ الستين من عمره في هذه البلدان وهو يحتفظ «جسدياً» بقدراته على الإنتاج. إنه «شباب الشيخوخة» حتى أفق سن الثمانين.

وفي فصل يحمل عنوان «إنتاج الجسد» يتحدث مؤلف هذا الكتاب عن «سوق العناية بالجسد» والذي أصبحت أوروبا أحد مراكزه الأساسية.. ويضرب على ذلك العديد من الأمثلة وليس أقلها حرص العديد من قادة ورؤساء العالم الثالث

ومن بينهم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والرئيس والمناضل الإفريقي نيلسون مانديلا والملك حسين وغيرهم على «الاستطباب» في المشافي الأوروبية ذات الشهرة العالمية في ميدان «صحة الجسد» وذلك كنتيجة لـ «إرساء سلطة الجسد» يقول المؤلف: «ان إرساء سلطة الجسد وإعطاء الأولوية للحياة أدى إلى تشجيع كل ما منه تحسين شروط صيانة الجسد وتجنبيه الآلام والشيخوخة إلى أقصى حد ممكن».

الفصل الأخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «سياسة الجسد» ويبدأه بالقول: «استولى الجسد على السلطة» ويؤكد أن معركة «إرساء سلطة الجسد» تختزل في إطارها مجمل الحركات التي تتفاعل داخل المجتمعات الأوروبية والأميركية اليوم والآسيوية وغيرها غداً.

ويشير إلى أن تلك «المعركة» تجرى تحت مسميات مختلفة مثل حقوق الإنسان والانفتاح والتنمية. لكن تبقى أوروبا برأيه هي الأكثر تميزاً إذ أنها تبتعد عن حلفائها وربما عن نفسها، وذلك عبر تأكيدها على حرية الفرد ضد كل ما يريد أن يحد منها كالمعتقد الديني والأسرة والقبيلة والأمة.

ويخلص المؤلف إلى القول إن إرساء سلطة الجسد، بالمعنى المطروح، يعكس الأولويات في النظرة إليه والتي كانت قد سادت آلاف السنوات وجعلت خلالها من جسد الرجل وجسد المرأة مجرد أداة لاستمرار النوع البشري ثم من أجل الدفاع عن الأمة. أما اليوم فقد أصبح مطلوباً تحرير كل فرد من الخوف والحاجة والخطر والعائلة والأمة ومن كل ما يحد من حريته ويثقل عليها أو يؤدي إلى إبطاء تقدمها.

وما يتم التأكيد عليه بأشكال مختلفة على مدى التحليلات المقدمة في هذا الكتاب، هو أن الانقلاب الكبير في النظرة إلى الجسد وإلى مكانته قد ظهرت تباشيره الأولى خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وحيث كانت الأحداث التي شهدتها فرنسا في شهر مايو عام 1968 والمعروفة باسم «ثورة الطلبة» إحدى المنعطفات الحاسمة في تحرير العلاقات عبر المطالبة بـ «ترك العنان» للجسد. وهذا ما عبر عنه شعار رفعته الحرمات النسائية وجاء فيه «جسدنا لنا».

*الكتاب: إرساء سلطة الجسد

*الناشر: غاليمار ـ باريس 2005

*الصفحات: 256 صفحة من القطع المتوسط

L'AVENEMENT DU CORPS

HERVE' JUVIN

GALLIMARD - PARIS 2005

P. 256