مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور «إسماعيل غمزيان» الاختصاصي في العلوم الاقتصادية والذي كان وزيراً للتجارة الجزائرية «1989 ـ 1994» ويقوم اليوم بتدريس اقتصاد التنمية في جامعة باريس التاسعة ـ دوفين ـ لقد ألف غمزيان عدة كتب منها: المصيبة الجزائرية «1994» مكروب الفقر «1998»، السلطة الريعية «2003».
لم يعرف المغرب كتاب المقدمة الذي ألفه ابن خلدون في القرن الرابع عشر، الا في بوابات القرن العشرين ليصبح في عداد المفكرين العالميين. فالمؤرخ البريطاني الشهير «آرنولد توينبي» يقول عام 1935 عن المقدمة «إنها الأثر الضخم الذي يبقى بلا شك، الأثر الأكثر عظمة من نوعه في كل زمان ومكان».
والكاتب إنما يريد العودة إلى هذا الاثر الفكري العالمي الذي يعكس «تباشير عبقرية» لعديد من العلوم الإنسانية العصرية: والتوقف إزاء ما يجمعه من أفكار لدى عديد من العبقريات الإنسانية في عصر الانوار الغربي وصولا بذلك إلى «ماركس». ويستهلك الكاتب في البداية سيرة ابن خلدون.
فعبد الرحمن ابن خلدون هو سليل أسرة عربية تعود أصولها إلى اليمن والتي نزحت مع الفتح العربي من حضرموت إلى المغرب والأندلس ولعب بعض أفرادها دوراً سياسياً سواء في أسبانيا أو بعد استقرارها في تونس عام 1228.في هذا الوسط الأسري المتميز ولد ابن خلدون عام 1332 وتلقى التعليم على يد أشهر العلماء في العاصمة التونسية،
كما أنه اطلع على أعمال أفلاطون وارسطو والمفكرين الاغريقيين، المترجمة إلى اللغة العربية، ونهل من كتب الغزالي وابن رشد والبيصري وكتب عنهم مخطوطات في ريعان شبابه. لقد باءت محاولات ابن خلدون السياسية بالفشل، ومذ ذاك فإن ما لم يستطع تحقيقه كسياسي، أراد أن ينجح فيه كمفكر فذ وذلك بالامعان في أسباب النزاعات الدائمة والتفكك المغربي، والانحطاط المستمر، وفي البحث عن وسائل الخروج من هذا النفق المظلم علَّ ذلك يوجد وعياً ثقافياً جديداً لتغيير الأوضاع القائمة.
لهذا وبعيداً عن أحابيل السياسة الانحطاطية ومؤمراتها ودسائسها، اعتزل في قلعة بني سلامة ليقوم بتحرير «المقدمة» وليعمل على إيصالها إلى سلاطين ومثقفي عصره.لكن متاعبه لم تنته بذلك، لأن «المقدمة» لم تلق الاستحسان الذي توخاه في مرحلة كانت الثقافة العربية، الإسلامية قد بدأت بالركود والأفول منذ سقوط بغداد عام 1258. فالمقدمة كانت تطرح رؤية جديدة للتاريخ والحياة الاجتماعية وقيام الدول وزوالها، انطلاقاً من «طبائع العمران البشري»، أي عبر نظرة تاريخية وضعية علمية.
ولهذا لا يوجد إلا نمطان من السياسة. الاول يأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة للجميع والثاني يتبع مصالح الحاكمين الخاصة الذين يفرضون انفسهم بالقوة، الامر الذي يتطابق مع سياسة الملك سواء أكان البلد اسلامياً ام لا. وابن خلدون في هذا يقيم تمايزاً بين الخلافة والملك. فالخلافة امر تسيير شؤون الحكم حسب القانون الإلهي لتأمين سعادة الناس في الدنيا والآخرة. إلا أن هذه الخلافة تعتمد في الواقع العملي على العصبية بما يوفر استمرار النظام الاجتماعي وتطبيق الشرع الإلهي.
لكن الحياة الاجتماعية لا تستمر في اقامة هذا التوازن نتيجة ازدياد المصالح المتعارضة وتفاقم النزاعات وتعاظم الثروات بما يفتح الباب امام الانتقال من الخلافة الى الملك، أي سيطرة القوة والحكم الفردي.فإذا كان الخليفة الراشدي يحتاج إلى العصبية التي يسمح بأسها بحماية الناس وتطبيق الشرع الإلهي، فإن الخلافة وقد أصبحت اسيرة تناقضات ونزاعات المصالح البشرية تتحول الى ملك يفرض نفسه، ويضع الدين في خدمته باحترام ما أمكن من التعاليم الدينية.
لكن ابن خلدون يرى أن هذا الملك هو كأي شيء طبيعي في الحياة، أي يولد وينمو ويموت حسب مراحل يحددها بالخط العريض: الجيل الأول، أي جيل التأسيس الذي يتميز باحتفاظه بالعصبية داخل الجماعة التي تقيم الدولة واستمرار روح المساواة والتضامن فيها وتقاسم المصالح والأمجاد.
والجيل الثاني هو جيل التوسع الذي يترافق مع فقدان العصبية شيئاً شيئاً وبغلبة التمايز داخل الجماعة وسيطرة المصالح والأمجاد الخاصة والشخصية. والجيل الثالث هو جيل الغرق في الاستهلاك البذخي وتلاشي روح العصبية ولجوء الدولة إلى الاتباع والمرتزقة للدفاع عنها وصولاً إلى الانهيار الكامل لها على يد عصبية جديدة.
لهذا فإن ابن خلدون يحاول تفادي ذلك بطرح ما يجب أن يكون عليه الحكم الصالح أو «الحكم السليم» بالتعبير الحديث. فلقد كان مهتماً بما يمكن أن نسميه «بحقوق الإنسان» كما يورد الكاتب: الكف عن الاعتداء على النساء وحياة الأفراد واحترام كرامتهم ووقاية الملكية الخاصة الإنتاجية، وتطبيق القانون على الجميع تلافياً لاستلاب أرزاق الغير أو تشغيلاً للناس بالسخرة والقوة، أو فرض ضرائب جائرة لماذا؟
لأن العسف والظلم لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الذين يفلتون من تطبيق القانون عليهم بما يملكونه من نفوذ وسلطة. نحن بشكل أو بآخر أمام «دولة الحق والقانون» الحديثة.وتأكيداً على هذه الحقوق يستشهد ابن خلدون بالرسالة التي بعثها «طاهر بن الحسين» القائد العسكري للخليفة المأمون إلى ابنه عبد الله بمناسبة تعيينه حاكماً في مصر.
ويمكن القول إن هذه الرسالة تشكل وثيقة إعلان مدني ـ سياسي لأن الخليفة المأمون أمر بتعميمها على الامبراطورية العربية ـ الإسلامية والعمل بها. وهي تتلخص بـ : حماية الأفراد وأسرهم ونسائهم ضد إراقة دمهم وتوفير الأمن لهم، حق الأفراد في العدالة وفي عدالة القضاء في أحكامه،
حق الناس في العيش بسلام وتحسين معاشهم وتوفير سعادتهم، حق الجنود في سبل الحياة اللائقة ودفع العوز عنهم، عدم ممارسة الفساد وتطبيق العقوبات القانونية على الجميع دون امتيازات للبعض على البعض لآخر، الاهتمام بضحايا الظلم الاجتماعي وإعطائهم مساعدات من الخزينة، الاهتمام بأهل الفكر والعلم والقانون والاجتماع بهم وتقبل آرائهم، الاهتمام بصحة الناس وإقامة مستشفيات للمرضى وتوفير أطباء لمعالجتهم.
ويشير ابن خلدون إلى دور المدينة باتجاه الاقتصاد السلمي. فداخلها تتبلور العلاقة الاجتماعية القائمة على تقسيم العمل والتمايز عن الطبيعة وانتشار المهن وتداول النقد وبروز التجارة وزيادة الثروات. إلا أن ابن خلدون يطرح بذلك مشكلة أساسية ألا وهي أن الحاكمين الذين يرون ازدياد الثروات يلجأون إلى وضع يدهم عليها عبر مصادرة الملكيات أو المضاربات التجارية أو فرض الضرائب الباهظة من أجل زيادة إيراداتهم وبالأحرى ريعهم وصرفه في الاستهلاك البذخي. هذا ما يجعل الكاتب يؤكد أن ابن خلدون هو المنظر الأول «للدولة الريعية» التي تنتج كارثتين:
ـ تحويل الثروات من الفئات الاجتماعية الإنتاجية نحو الفئات الاجتماعية اللاانتاجية.
ـ عزوف الفئات الاجتماعية المحرومة من ثمرة أتعابها ومهارتها عن العمل إلا ما يسد رمق الحياة. هكذا مفوضاً عن حماية الدولة للملكية الخاصة وأصحاب الرساميل عندما تكون ثمرة الجهد الإنساني ومصدراً لنشاطات إنتاجية جديدة، فإن الحاكمين واتباعهم وجنودهم يبتزونها بمختلف الأشكال بلا قانون أو عدل مما يشكل افقاراً للفئات الاجتماعية المسودة بل وللمجتمع كله.
بتعبير آخر فإن المسألة الاجتماعية أساسية لدى ابن خلدون مشيراً بذلك إلى التضارب الأساسي بين المدينة والريف. فالانتقال إلى الاقتصاد المدني ـ السلعي، أبقى الريف قريباً من الاقتصاد الطبيعي لأنه لا يطور تقنيات وثروات على شاكلة المدينة.
وفي وقت أن شروط المعيشة لا تتغير كثيراً في الريف فإن فائض الإنتاج الريفي يتم ابتزازه من قبل اقتصاد المدينة وفئاته التجارية والحرفية والريعية. وعادة ان هذه الفئات تعمل على وضع يدها على الفلاحين وأراضيهم أو فرض الضرائب الباهظة عليهم بما يحولهم إلى أقنان أو عمال زراعيين، والنتيجة إفقار الفلاحين وانخفاض الإنتاج الزراعي والهجرة إلى المدينة.
لكن علاقة الظلم الاجتماعي القائمة بين المدينة والريف والتي تفسر نقمة الأخير على الأول، تزدوج بعلاقة ظلم اجتماعي داخل المدينة نفسها. فهنا لا يوجد نفس مستوى المعيشة بالنسبة للجميع بينما يتعرض أصحاب الدخول المحدودة فيها إلى انتزاع فائض عملهم وثمرة أتعابهم عبر الضرائب وعدم توفر القروض لتشغيلهم في النشاطات الإنتاجية والمحصلة هي وجود قانون عام وهو أن «كل فئة اجتماعية عليها تمارس سلطتها على الفئات الاجتماعية الأدنى»، فهذه الأخيرة تعاني دائماً سيطرة التجار والحرفيين والميسورين والريعيين الذي يقودون المجتمع السلمي إلى الانهيار في النهاية.
ويتعرض الكاتب في الفصل الأخير إلى ابن خلدون وعصر الأنوار التي عرفها الفيلسوف الألماني كانط بامتلاك الجرأة في استخدام العقل، كما فعل كاتب المقدمة قبل ذلك بأربعة قرون مميزاً بين العلوم التقليدية المنقولة أو (الدينية) وبين العلوم الطبيعية (أو الإنسانية) التي تتشكل كثمرة للفكر الإنساني.
*الكتاب: ابن خلدون، العبقرية المغربية
*الناشر:مطابع ابولونيا - فرنسا 2006
*الصفحات : 189 صفحة من القطع المتوسط
IBN KHALDOUN
UN GENIE MAGHREBIN
SMAIL GOUMEZIANE
-APOLONIA EDITIONS
FRANCE 2006
P. 189
