ريزارد كابوسنسكي، كاتب بولندي الأصل سبق له وقدّم العديد من الكتب ـ والتحقيقات عن بولندا والهند والصين والسودان وإيران والعديد من البلدان الإفريقية التي خصها بكتابين احدهما يحمل عنوان «ابنوس» الذي اختير كأفضل كتاب عام 2000 من أسرة تحرير مجلة «لير» ـ اقرأ ـ المختصة بالكتب كما نال جائزة «تروبيك» من مجلس الشيوخ الفرنسي، ومن كتبه أيضا «الشاه أو المبالغة في السلطة».

«أسفاري مع هيرودوت» هو كتاب ينتمي إلى أدب الرحلات ولكن بصيغة تحقيق طويل بالاعتماد على إعادة قراءة «هيرودوت» المؤرخ اليوناني وعالم الجغرافيا الكبير الذي يرى به المؤلف رائداً في ميدان الاستقصاءات الصحافية، بل يعتبره مؤسس التحقيق الصحافي وروايات الأسفار. ومثل هيرودوت الذي جاب عالمه آنذاك وقدّم صورة بانورامية لذلك العالم ووصف الحرب العالمية «آنذاك» التي قامت بين الفرس واليونانيين، يريد مؤلف هذا الكتاب أن يقدم «ذكريات» أسفاره على خطى المؤرخ اليوناني الكبير.

ويمثل هذا الكتاب بنوع ما تأريخاً لسيرة حياة هيرودوت بالاعتماد على كتاباته التاريخية التي تبرز مدى شغفه الكبير باكتشاف العالم الذي عاش فيه متحلياً بالعديد من الصفات التي ينبغي أن تبقى حتى الآن بمثابة دليل لعمل الصحافي والمؤرخ أي امتلاك عقل نقدي صارم يؤكد على احترام تعددية المصادر، مصادر المعلومات والمقارنة الموضوعية بين مختلف وجهات النظر المطروحة.

ومن خلال الأسفار مع هيرودوت يقدم المؤلف توصيفاً لحالة المنافسة والمواجهة السلبية التي سادت في العلاقات الدولية بين الغرب والشرق في ظل الحرب الباردة التي استمرت لعدة عقود بعد الحرب العالمية الثانية. وهو يقول: «إننا لم نفهم نهاية الحرب الباردة جيداً»، وذلك بمعنى أن خط الفصل والمواجهة أثناء تلك الفترة كان بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، بين الديمقراطية والنظام الشمولي «التوتاليتاري» وكانت العلاقة إذن هي علاقة مواجهة بين معسكرين يحمل كل منهما العداء للآخر.

أما بعد نهاية الحرب الباردة فهناك خط جديد يقسم العالم إلى شمال وجنوب، بين مجتمعات غنية ومجتمعات تعيش على الكفاف. هكذا وبدلاً من المواجهة بل والحرب أحيانا بالوساطة» بين الغرب والشرق، أو على الأقل المواجهة عبر «حرب باردة» فإننا نشهد اليوم وضعاً مختلفاً جداً إذ إن العالم الثالث لا يبحث عن «مواجهة» العالم المتقدم «الشمال» وإنما بالأحرى يحاول «الهجرة» نحوه و«التغلغل» فيه بأقصى درجة ممكنة.

ويعود المؤلف إلى شرح الأسباب العميقة التي دعته إلى التجول في أرجاء العالم، انه يرى في فترة الطفولة التي عاشها في عالم «متعدد الثقافات»، إذ انه ولد في منطقة بولندية قريبة من الحدود الأوكرانية وفي فترة كان الملايين فيها يموتون من الجوع في ظل النظام الستالينيني الذي كان يحكم المنظومة الشيوعية، وكانت ولادته عام 1932 أي قبل فترة وجيزة من صعود الحزب النازي القومي الاشتراكي في ألمانيا غير البعيدة وبعد سنوات قليلة من ولادته ـ بعد 7 سنوات ـ نشبت الحرب العالمية الثانية.

كانت فترة طفولة صاحب هذه «الأسفار مع هيرودوت» على درجة عالية من المأساوية وعدم وجود أي أفق مفتوح إذ لم يكن بالإمكان النجاة من سطوة النظام الشمولي ـ التوتاليتاري ـ ويؤكد أن العالم كان يبدو بالنسبة لأبناء جيله «عالماً قاسياً وبائساً ومليئاً بالتهديدات» وفي الوقت نفسه كان أبناء ذلك الجيل يجهلون أن هناك نمطاً آخر، ديمقراطي التوجه وكانت الورقة الرابحة الأساسية

وربما الوحيدة بالنسبة لهم تتمثل في واقع التعددية الثقافية والعقائدية المحيطة حيث «كان يلعب في نفس ساحة الديار أطفال ينتمون إلى مختلف الاعراق والأديان» وكان الدرس الكبير الذي فهمه من ذلك هو أن «العيش بوفاق يتطلب معرفة الآخر والتواصل معه» وقد بقي ذلك الدرس من الطفولة ماثلا في ذهن «الصحافي» الذي قام بإشعاره للتعرف على الآخرين في جميع أنحاء العالم.

ويتحدث المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب عن أسفاره الإفريقية التي كان قد بدأها خلال فترة حاسمة من عمر هذه القارة وهي فترة التحرر من الاستعمار خلال عقدي الخمسينات والستينات ويشير هنا إلى أن أحد الأوراق الرابحة التي سمحت له بفتح الكثير من الأبواب هي انه كان بولندي الأصل وبولندا لم تكن من بين البلدان الاستعمارية في إفريقيا التي تمثلت خاصة في انجلترا وفرنسا والبرتغال واسبانيا وبدرجة أقل ايطاليا وألمانيا،

لكن بولندا كانت قد استعمرت أجزاء مهمة من أوروبا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر قبل أن تصبح هي نفسها ضحية لاستعمار القوى الرئيسية الثلاث في المنطقة أي روسيا والنمسا وبروسيا وكانت قد ظلت تحت نير الاستعمار فترة تقارب القرن ونصف القرن.

ويؤكد المؤلف أن تجربة الاستعمار هي دائماً مؤلمة ومذلة وقائمة على قاعدة مختلة بين القوة الاستعمارية التي تستأثر بكل شيء مهما كانت التسميات التي تتخذها، وبين البشر الخاضعين لها.. ثم إن مثل هذه التجربة لا تنتهي مع النهاية المعلنة للاستعمار وإنما تستمر في وعي الذين كانوا ضحية لها وبحيث يتم تناقلها من جيل إلى آخر..

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن التجربة الاستعمارية التي عاشتها بولندا لم تمت أبداً في الوعي الوطني البولندي؛ وهذا ما سهل عليه أن يفهم بشكل جيد آلام الأفارقة الذين تعرضوا لكل أشكال النهب والسلب والقتل والإذلال في زمن تجارة العبيد الشهيرة، ثم تحت ظل الاستعمار الأوروبي المادي حتى أواسط القرن العشرين.

ومن خلال الحديث عن إفريقيا السوداء يتعرض المؤلف أيضاً لمفهوم عمل صحافي التحقيقات مستلهماً من أعمال الرائد الأول في هذا الميدان المؤرخ اليوناني هيرودوت، ومؤكداً على أهمية المعرفة العميقة والحقيقة لثقافة أولئك الذين يكتب عنهم ولعاداتهم ونمط حياتهم.. وهذا يتطلب بالضرورة اقتسام تجربتهم كما هي في الواقع وبكل بؤسها وقسوتها..

وهذا ما فعله هو بالتحديد، وساعده في ذلك أيضاً تلك الطفولة القاسية في أحضان الفقر والبؤس أثناء الحرب العالمية الثانية التي كانت بلاده أحد مسارحها الأولى.. ولذلك عندما وجد نفسه في إفريقيا صحفياً شاباً بعد عدة سنوات، إنما أحس أنه يعود من جديد إلى عالم طفولته.وفي إفريقيا التي التصق فيها إلى درجة وقوعه ضحية مرض الملاريا الذي نقلته له ذباباتها ومرض السل الذي كان،

ولا يزال يعاني منه الكثيرين من أبنائها، فهو أحد أمراض البؤس التي اختفت تقريباً تماماً من عالم البلدان الغنية. ويروي المؤلف هنا أن المرض أرغمه على دخول المستشفى في أوغندا ليجد ذات يوم أمام سريره عيدي أمين دادا الذي يصفه بأنه من أعتى الدكتاتوريين الذين عرفتهم القارة السوداء.

لكنه يضيف أنه كان قد عرفه قبل أن يملك بيده مقاليد السلطة المطلقة وأنه كان رجلاً «مسلياً» وأنه كان فيه آنذاك شيء من الطفولة وأنه كبر بسرعة محتفظاً بميله نحو الدعابة والهزل. لكن مثل هذا الحس الطفولي تحول إلى تسلط دكتاتوري نشر الرعب حوله، «إن السلطة المطلقة هي التي أفسدته» وغذت ساديته، كما يرى المؤلف.

ويعود هذا الكتاب بقارئه إلى العديد من الأحداث والشخصيات الكبرى التي حفلت بها السنوات المعنية بتحقيقات صاحبه.. ذلك أن «أسفاره» لم تكن للنزهة واكتشاف الأمكنة بعين السائح، وإنما كانت إلى حيث تقوم الحروب وحيث كان يبدو أن سلطة ما هي على وشك الانهيار. هكذا كانت «أسفار» محفوفة بالمخاطر،

بل وربما المميتة منها مثلما تبدي التجربة التي عاشها في بوليفيا في عز ثورة تشي غيفارا ورفاقه، وفي إفريقيا عندما أراد البلجيكيون وعملاؤهم المحليون وعلى رأسهم تشومبي في الكونغو وبمساعدة الاستخبارات الأميركية كما أثبتت التحقيقات اللاحقة، التخلص من «باتريس لومومبا» أحد أشهر قادة نضال التحرر من الاستعمار في افريقيا السوداء.. ومن بين التجارب الأكثر قسوة التي عاشها مؤلف هذا الكتاب يحددها في تلك التي عرفها خلال صيف 1994 في رواندا حيث أودت حرب أهلية على أساس اثني بين قبيلتين، الهوتو والتوتسي، إلى مقتل ما يقارب المليون شخص.

ومن خلال الحديث عن سقوط سلطات وأنظمة وقيادات بدت وأنها تتصرف وكأنها باقية وأزلية مثل التي جسدها شاه إيران وهيلا سيلاسي في إثيوبيا وعيدي أمين دادا في أوغندا وغيرهم يخرج المؤلف بدرس جوهري مفاده ان السلطة تحرم المستبد من رؤية الواقع كما هو و تقتل عنده الحس السليم. كتاب تحقيق عن نصف قرن من حياة العالم الذي نعيش فيه بقلم صحافي بارع يريد أن يمشي على هدي خطوات «هيرودوت».

*الكتاب: أسفاري مع هيرودوت

*الناشر: بلون ـ باريس 2006

*الصفحات: 283 صفحة من القطع المتوسط

MES VOYAGES AVEC

HERODOTE

RYSZARD KAPUSCINSKI

PLON - PARIS 2006

P. 283