كرس جوزيف ندياي جهوده كلها للبحث في أصول العبودية وتجارة العبيد التي كان أبناء جلدته من الأفارقة ضحيتها طيلة عدة قرون من الزمن. يعمل أمينا لمتحف «بيت العبيد» في جزيرة «غوري» الواقعة بمواجهة العاصمة السنغالية داكار. نظم أو ساهم في تنظيم العديد من اللقاءات التي كان موضوعها كلها «مأساة العبودية».
هذا الكتاب موجه للأجيال الجديدة «أجيال المستقبل» والتي قد لا تعرف أحيانا حقيقية ما عرفه الملايين من الأفارقة الذي جرى أسرهم ثم بيعهم في الأسواق مثل الحيوانات.. أولئك الملايين من النساء والأطفال والرجال الذين كدسوهم في سفن قادتهم إلى أميركا وإلى جزر الانتيل.. وهناك خدموا كيد عاملة مجانية، أو شبه مجانية، في مزارع قصب السكر أو القطن أو التبغ أو القهوة.
وهذا كله تحت تهديد بالسوط وحيث كان الموت ينتظر كل من تسول له نفسه محاولة الهرب كانت تلك العبودية أقسى وأعمق من أشكالها التي عرفتها الأزمنة القديمة «العبيد» السود لم يكن يتم النظر إليهم على أنهم «كائنات بشرية» وقد استمرت تجارة العبيد طيلة ثلاثة قرون».
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب السنغالي، يريد ان يروي قصة العبودية للأجيال الجديدة من الأفارقة فإنه يفعل هذا دون ضغينة ودون حقد.. وذلك انه ينبغي لهذه الأجيال أن تعرف تاريخها.. وليس لها فقط وإنما يردد تلك القصة «المأساوية» على مسامع البشر كلهم.. وتحديداً في منظور بناء المستقبل. يقول: «إن الذاكرة ضرورية في مختلف قارات العالم.. إذ ليس ممكنا بناء المستقبل دون الذاكرة.. ولا شيء يبنى على النسيان والصمت».
كتب مقدمة هذا الكتاب كواشيرو ماشورا ، مدير عام منظمة اليونسكو في باريس، وتحدث فيها عن «تجارة البشر المخجلة» وما رافقها من عمليات «قتل واغتصاب وتعذيب وأعمال فظيعة أخرى» والتي استمرت حتى إلغاء العبودية في القرن التاسع عشر، وكانت منظمة الأمم المتحدة قد اعتبرت تجارة العبيد والعبودية بمثابة جرائم حرب أثناء المؤتمر الدولي الذي جرى عقده في جنوب افريقيا عام 2001 ضد العنصرية والتمييز العنصري.
أما المؤلف جوزيف ندياي، فإنه يشير منذ البداية إلى أن جزيرة «غوري» تبقى مركز تجميع الأكثر شهرة الذي كان البيض الأوروبيون من تجار العبيد قد أقاموه على الشاطئ الغربي للقارة الأفريقية وفي هذه الجزيرة الصغيرة بني «بيت العبيد» عام 1776 ليبقى حتى الآن مكانا «تعيش فيه الذكريات». وكان الرئيس الأميركي بيل كلينتون والبابا يوحنا بولس الثاني قد زارا هذا المتحف و«اعتذر» عن موقف الكنيسة من تجارة العبيد.
يقول المؤلف: «إن الكنيسة قد سمحت بل كرّست بشكل ما تلك التجارة المعيبة. وأسوأ من هذا أن الرهبانيات الدينية استفادت تماماً من نظام العبودية. ففي المارتينيك مثلاً كان أكثر من خمسمئة من العبيد يعملون في مصنع للسكر يعود ملكيته للرهبان الدومينيكان.. وكان الرهبان اليسوعيون يمتلكون مزارع لقصب السكر ومزرعة للكاكاو في غويانا وقد استخدموا فيها تسعمئة من العبيد.. لذلك كان البابا يعرف لماذا كان عليه أن يقدم اعتذاراته».
ويشرح المؤلف أن جزيرة «غوري» كانت تسمى «بير» ـ أي البطن ـ قبل وصول البيض. وذلك بسبب شكلها «المستدير» على البحر.. وصل البيض إلى الجزيرة عام 1443، وكانوا من البرتغاليين.. استبشر السكان بهم خيراً لكنهم كانوا في الواقع يبحثون عن العبيد. وبعد عدة أشهر جرت في جنوب البرتغال أول عملية لبيع 240 من العبيد الأفارقة لحفنة من الشراة الأغنياء.
وينقل المؤلف عن عن شهادة مكتوبة جرى حفظها عن تلك العملية ما يعتبره وصفاً للمأساة التي عرفتها افريقيا كلها. وقد جاء في هذه الشهادة: «كانت الدموع تغسل خدودهم عندما كانوا يتبادلون النظرات، وكان البعض منهم يتأوهون بألم ويرفعون عيونهم نحو السماء ثم يثبتون أنظارهم إليها ويصرخون بأعلى أصواتهم.. وكانوا يفصلون الأطفال عن أهلهم والنساء عن أزواجهن والإخوة عن اخوتهم. ولم تؤخذ بالحسبان الصداقة أو القرابة وإنما كان ينتهي كل منهم حيث يقوده مصيره..
وفي عام 1588 استحوذ الهولنديون على الجزيرة وطردوا البرتغاليين منها، ليصبح اسمها «غوري» ولتصبح أيضاً «مركزاً متميزاً» لتجارة البشر ذوي البشرة السوداء. كانت تجارة رابحة جداً تدر أموالاً طائلة مما أثار أطماع الممالك الأوروبية التي تطاحنت من أجلها، عاد الهولنديون لاحتلالها من جديد ثم تبعهم الفرنسيون فالإنجليز وتبادل هؤلاء وأولئك السيطرة عليها، لكن ذلك كله لم يغيّر شيئاً في مصير الأفارقة حيث وعملية بيعهم إرسالهم إلى العالم الجديد وجزر المحيط.
وكانت أولى تمردات عبيد جزيرة «غوري» عام 1750 ضد تجار العبيد الفرنسيين. وقد توزع 150 من العبيد يومها على ثلاث مجموعات تكفّلت الأولى بمهاجمة الجنود والاستيلاء على أسلحتهم. وكانت مهمة المجموعة الثانية هي سرقة كميات البارود المتواجدة بينما كان على المجموعة الثالثة أن تجتاح القرية وتقتل جميع البيض الذين تعثر عليهم.
كان تنفيذ ذلك المخطط يعني استعادتهم لحريتهم لولا أن أحد الأطفال من السجناء سمع ما دار بينهم من حديث وكشف أمرهم للحراس. لم يحاول قائدا التمرد إخفاء الأمر وإنما أعلنا فقط عن أسفهما لأنهما سيموتان دون أن يكون بيدهما سلاح.. وكانت عقوبتهما أمام جميع رفاقهما من العبيد هي وضعهما حيان في فوهة مدفع ثم إطلاق النار لتمزيقهما إرباً إرباً.
وكانت أسباب تجارة العبيد واضحة وجلية وهي أن مالكي مزارع القطن والسكر والتبغ والقهوة في أميركا كانوا بحاجة إلى أياد عاملة، إذن كان لا بد من التضحية بملايين الأفارقة لتزداد ثروات أولئك المالكين ويزداد رغد العيش في المجتمعات الغربية، بهذه الكلمات البسيطة يعبر مؤلف الكتاب عن الآليات التي قامت عليها «التجارة المثلثة الأطراف».
وهي «مثلثة» من حيث إنها كانت تجري على ثلاث مراحل. إذ كانت السفن تغادر أوروبا كي تصل إلى الشواطئ الافريقية ثم تغادرها إلى القارة الأميركية ثم تغادرها إلى أوروبا. وكانت هذه المراحل الثلاث تقتضي سنة ونصف السنة من الإقلاع من أوروبا حتى العودة إليها.
ويشير المؤلف إلى أن التجار الأوروبيين لم يكونوا يحسّون بأي تأنيب للضمير.. فهم من وجهة نظرهم، كانوا يقومون ب«نشاط تجاري له مخاطره فغرق أي سفينة كان يعني الخراب المادي بالنسبة لهم». لقد ظلّت تلك العقلية «التجارية» هي السائدة حتى حل عصر التنوير في فرنسا خلال القرن الثامن عشر لتبدأ «الشكوك» بالتسرّب إلى بعض العقول وترتفع التساؤلات عمّا إذا كان يحق للأوروبيين معاملة البشر وكأنهم مجرد أشياء وسلع تجارية؟ كان ذلك قبل قيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789.
وينقل المؤلف في هذا السياق مقطع من رواية «كانديد» الشهيرة التي كتبها الفيلسوف فولتير، وجعل بطله الذي يحمل التسمية نفسها «كانديد» يسافر حتى سورينام وغويانا في جنوب أميركا، وحيث يصادف هناك رجلاً أسود اللون مقطوع اليد واللسان.. وعندما سأله عن السبب قال له: «عندما نعمل في ورش صناعة السكر وتطال رحى الطاحون احدى أصابعنا يقومون بقطع أيدينا، وعندما نحاول الهرب يقطعون سوقنا، وقد عرفت هذين الأمرين.. وبهذا الثمن تأكلون السكر في أوروبا».
لكن العبودية لم تولد مع تجارة العبيد، وإنما عرفتها الإمبراطورية الرومانية قبل ألفي عام.. وكان المرء يولد عبداً أو يصبح عبداً إذا جرى أسره خلال حرب أو بكل بساطة اذا لم يستطع تسديد ديونه، كذلك كانت الممالك السوداء في أفريقيا قد مارست العبودية قبل وصول البيض.. لكن في جميع تلك الحالات لم تُنزع عن العبيد صفتهم الإنسانية» و«تجارة العبيد» من افريقيا السوداء إلى القارة الأميركية نزعتها..
وكان الفيلسوف مونتسكيو قد كتب عام 1748 في مؤلفه الشهير «روح الشرائع» ـ الذي ترجمه إلى اللغة العربية في اوائل القرن الماضي رفاعة رافع الطهطاوي ـ يقول: «من المستحيل أننا كنا نفترض أن أولئك المخلوقات ـ العبيد ـ كانوا كائنات إنسانية، ذلك اننا لو كنّا افترضنا انهم كذلك، فكان سيبدأ الاعتقاد بأننا نحن لسنا مسيحيين».
كان الأسياد البيض يعتبرون ان «العبد» ـ حسب لغة تلك الحقبة ـ لا روح ولا ضمير لديه.. وانه صالح فقط كي يعمل حتى الإنهاك. لذلك كان يُضرب ويجلد ويُباع.. وكان المعيار لذلك هو لون الجلد.. فـ «بمقدار ما يزداد لون الجلد سواداً يقترب صاحبه من سمته الحيواني أكثر»، كما يلخص المؤلف معايير «الحيوانية» لدى تجار العبيد، آنذاك.
ويشرح المؤلف على مدى أحد الفصول الأخيرة من الكتاب بطريقة تعليمية وتربوية بارعة، عملية بيع العبيد نفسها التي كانت تبدأ في جزيرة «غوري» كما في افريقيا كلها، من شراء العبيد على الشواطئ من قبل التجار ليتم «دمغهم» مباشرة بواسطة قطعة حديدية محمّاة على النار حتى الاحمرار بطريقة يتم التعريف بواسطتها على مالكهم،
وتتغير «الدمغة» مع كل عملية بيع جديدة.. وصولاً إلى أصحاب المزارع الذين كانوا في أغلب الأحيان «يذهبون يوم الآحاد إلى الكنيسة». وكتاب يشرح قصة العبودية بدون «رتوش» ولكن بدون حقد.. ومن أجل التعريف بها.. اذ كما يقول الشاعر المارتينكي الشهير وينقله المؤلف: «عبدالعبودية هو ذلك الذي لا يريد أن يعرف».
* الكتاب:العبودية كما نرويها لأطفالنا
* الناشر:ميشيل لافون ـ باريس 2006
*الصفحات:127 صفحة من القطع المتوسط
L'ESCLAVAGE RACONTE'
A' NOS ENFANTS
JOSEPH NDIAYE
MICHEL LAFON PARIS 2006
P. 127
