مؤلف هذا الكتاب هو الباحث دون ناردو الذي نال جوائز عدة على كتبه التي بلغت حتى الآن الخمسين كتاباً أو يزيد.نذكر من بينها مؤلفاته عن شارل داروين، أوجون واين، أو توماس جيفرسون، أو كليوباترا، أو الحرب المكسيكية ـ الأميركية، أو الكونغرس الأميركي، أو المذهب الكاثوليكي البابوي الروماني والفاتيكان، إلخ.وبالتالي فهو مختص بكتب التاريخ وكتب السيرة، أي سيرة العظماء، على وجه الخصوص.
وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن موضوع قديم جديد: هو موضوع الاستعمار والإمبراطوريات الاستعمارية التي هيمنت على العالم منذ أربعة قرون وحتى الآن. فبعد الإمبراطورية الاسبانية ـ البريطانية جاءت الإمبراطورية الفرنسية ثم بالأخص الإمبراطورية الإنجليزية التي لم تكن الشمس تغرب عن ممتلكاتها يوماً ما.
فهذا بالإضافة إلى الإمبراطورية العثمانية التي سيطرت على كل العالم الإسلامي تقريباً بما فيه العالم العربي. كما وتوسعت في منطقة البلقان المسيحية وبلغاريا وهنغاريا حتى وصلت جحافلها إلى تخوم فيينا يوماً ما، ولا ينبغي أن ننسى الإمبراطورية الروسية التي توسعت في المناطق الإسلامية وغير الإسلامية وسيطرت على شعوب كثيرة حتى سقوط الاتحاد السوفييتي.
ثم تجيء الآن الإمبراطورية الأميركية لكي تهيمن على العالم كله تقريباً بفضل قوتها التكنولوجية والعسكرية والاقتصادية والعلمية والفنية والسينمائية وكل شيء. وبالتالي فإن الاستعمار ظاهرة قديمة جديدة في حياة البشرية. وهو لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد. ويتوقع أن العرق الأصفر هو الذي سيهيمن على العالم بعد انحسار الهيمنة الغربية.
ثم يعود المؤلف إلى الماضي لكي يقدم لمحة تاريخية عن الظاهرة الاستعمارية ويقول: ابتدأ الاستعمار الأوروبي في القرن الخامس عشر على أثر الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي حققها الرحالة الكبار والمغامرون في شتى أنحاء المعمورة.
وتعود أسباب الاستعمار إلى عدة عوامل لا عامل واحد. نذكر من بينها التقدم التكنولوجي الذي حققه الأوروبيون في تلك الفترة، ثم التجارب الملاحية على المحيط الأطلسي وهي تجارة أدت بهم إلى السيطرة على البحار من خلال اختراع السفن الحديثة.
ثم لا ينبغي أن ننسى أن روح الحروب الصليبية ظلت منتعشة في صفوف الشعوب الأوروبية. وهناك عوامل أخرى دفعتهم إلى استعمار الآخرين وفي مقدمتها العوامل المادية والبحث عن الثروة والرزق لدى الشعوب الأخرى. يضاف إلى ذلك أن عدد سكان أوروبا تزايد كثيراً في تلك الفترة، وبما أنه لا توجد فرص عمل للجميع فان بعضهم راح يغامر في أرض الله الواسعة ويستعمر الآخرين ويستغل ثرواتهم.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ويمكن القول بان التوسع البرتغالي كان أول أنواع الاستعمار ثم تلاه بعدئذ الاستعمار الأسباني، فالهولندي، فالبلجيكي، فالفرنسي، فالانجليزي.. إلخ. وكان أمير البرتغال أول زعيم مسيحي أوروبي يرسل الحملات الاستكشافية والاستعمارية إلى الهند من أجل الحصول على التوابل والبهارات وبقية المواد التي لا يجدها في أوروبا.
وهكذا راح الأسطول البرتغالي يكتشف العالم ويقيم مكاتب تجارية في بعض الموانئ من أجل استغلال الثروات الطبيعية وإرسالها إلى البرتغال، وفي ذلك الوقت ظهر المستكشف الجغرافي الكبير فاسكو دي غاما الذي اكتشف رأس الرجاء الصالح عام 1488.
ثم ابتدأت المتاجرة بالعبيد الأفارقة منذ ذلك الوقت أيضاً، وقد سيطر البرتغاليون على موانئ إفريقية عديدة كميناء غاناً مثلاً حيث أسسوا مكتباً تجارياً كبيراً عام 1892. وفي النصف الأول من القرن السادس عشر كان البرتغاليون يهيمنون على المحيط الهندي بعد أن انتصروا على أساطيل الدول الإسلامية، ثم راحوا يتجهون نحو أميركا الجنوبية لاستعمار البرازيل التي لا تزال تتكلم لغتهم حتى هذه اللحظة وبالتالي فالاستعمار يترك أحياناً آثاراً دائمة وراءه وبخاصة في المجال الثقافي واللغوي.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولكن أفول الإمبراطورية البرتغالية كان أمراً محتوماً لان عدد سكان البرتغال آنذاك لم يكن يتجاوز المليون نسمة فكيف بإمكانهم أن يسيطروا إلى الأبد على هذه الأراضي الشاسعة الواسعة؟ ولهذا السبب فإن مملكة اسبانيا ضمت البرتغال إليها بين عامي 1580 ـ 1690 أي طيلة أكثر من نصف قرن.
ثم ظهرت هولندا كقوة عظمى في القرن السابع عشر وراحت تطرد البرتغاليين من مستعمراتهم ومكاتبهم التجارية لكي تسيطر عليها وقد حاول الديكتاتور ساموزا ـ المحافظة على المستعمرات البرتغالية في إفريقيا كأنغولا، وموزامبيق، وغينيا بيساو، ولكن حركة التاريخ كانت تمشي في اتجاه معاكس للاستعمار: أي اتجاه حركات التحرر الوطني في شتى أنحاء العالم وعلى هذا النحو فقدت البرتغال مستعمراتها الواحدة بعد الأخرى بما فيها اكبر مستعمرة: أي البرازيل وكان ذلك بعد الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي.
ثم جاء الاستعمار الاسباني بعد الاستعمار البرتغالي وراح يكتشف العالم الجديد، أي أميركا، على يد كريستوفر كولومبوس كما هو معروف، وعلى هذا النحو أخذت اسبانيا تتوسع في العالم الجديد وتقضي على قبائل الهنود الحمر أو تحولها إلى المسيحية إذا لم تقض عليها. وهكذا استعمرت اسبانيا قسماً كبيراً من القارة الأميركية بما فيها المكسيك وتشيلي والبلدان الأخرى ولهذا السبب أصبحت اللغة الاسبانية هي لغة أميركا اللاتينية أو الجنوبية مثلما ان اللغة الانجليزية أصبحت لغة أميركا الشمالية بسبب الاستعمار البريطاني لها.
وهكذا تغلب الاسبانيون على الهنود الحمر وحلوا محلهم في أراضيهم. وانطلاقا من المكسيك راحوا يستعمرون الفلبين عام 1560. وكانت نتيجة استعمار الأسبانيين لأميركا اللاتينية فادحة على الصعيد السكاني الديمغرافي فعدد الهنود الحمر قبل وصول الأسبان كان ثمانين مليوناً فأصبح اثني عشر مليونا فقط بعد وصولهم واستقرارهم في تلك البلاد!! لقد مات معظمهم بسبب المجازر، والأشغال الشاقة التي أجبروا عليها، والتهجير، والأوبئة التي جاء بها الأوروبيون إلى تلك البلاد.
ولكن الانهيار الديمغرافي للهنود الحمر حرم المستعمرين الأسبان من يد عاملة رخيصة فراحوا يفكرون عندئذٍ باستقدام الأفارقة إلى أميركا في بلادهم الأصلية وعلى هذا النحو ابتدأت تجارة العبيد الشهيرة التي تشكل مجزرة أخرى لا تقل فداحة عن الأولى.
ثم راح الأسبان يرسلون اليسوعيين، أي الأخوان المسيحيين إلى تلك البلاد لكي يعتنق سكانها الديانة المسيحية ويتعلموا الإنجيل. وعلى هذا النحو أصبحت أميركا اللاتينية مسيحية من المكسيك إلى البرازيل إلى الأرجنتين إلى البيرو والأورغواي، الخ وقد كسب الأسبان أموالا كثيرة من فتحهم للقارة الأميركية. ونقلوا الذهب بكميات ضخمة إلى بلادهم لكي يردوا ديونهم إلى إيطاليا وإسبانيا.
وكانت هذه الثروات هي القاعدة المادية التي ساهمت في انطلاقة النهضة الأوروبية كما هو معلوم فلا نهضة ثقافية أو علمية أو فنية بدون دعامة مادية أو اقتصادية قوية. ولكن الإمبراطورية الاستعمارية الاسبانية سرعان ما اصطدمت بإمبراطورية أخرى جردتها من العديد من مستعمراتها: هي الإمبراطورية الأميركية. وهكذا ابتدأت مرحلة الأفول والانحطاط بالنسبة لإسبانيا.
ومعلوم أن كل إمبراطورية مهما بلغت قوتها وجبروتها تمر بمرحلة صعود حتى تصل إلى الذروة وبعدئذ يبتدئ الانحدار أو الأفول. وهذا قانون في فلسفة التاريخ وينطبق على جميع الإمبراطوريات. وبالتالي فالعظمة لا تدوم لأحد. هذا ما حصل للإمبراطورية الرومانية، ثم للإمبراطورية الفارسية من قبلها. وهذا ما حصل للإمبراطورية البيزنطية بعد ظهور الإسلام. وقس على ذلك.. وهذا ما سيحصل حتماً للإمبراطورية الأميركية بعد فترة من الزمن.
* الكتاب: عصر الاستعمار
* الناشر: لوسنت بوكس - نيويورك 2006
* الصفحات: 104 صفحات من القطع الكبير
THE AGE OF COLONIALISM
DON NARDO
LUCENT BOOKS NEW YORK 2006
P. 104


