تعتبر الروائية غرازيا ديليدا المرأة الإيطالية الوحيدة التي فازت بجائزة نوبل للآداب عام 1926 وذلك عن أعمالها الروائية التي تناولت من خلالها قضايا مجتمعها الإنسانية.وعلى الرغم من أن دراسة غرازيا التي ولدت عام 1871 في قرية نورو في سردينيا لم تتجاوز المرحلة الابتدائية، إلا أنها نجحت في نشر أول قصة قصيرة لها في إحدى صحف روما حينما كانت في السابعة عشرة من عمرها فقط وهي بعنوان «الدم السرديني»

ليس هذا فقط، فعلى الرغم من أنها عاشت في مجتمع مغلق محكوم بالعادات والتقاليد الصارمة التي لا يتاح للمرأة من خلالها أي هامش من الحرية سواء على صعيد الحركة أو الفكر. نجحت غرازيا في تثقيف نفسها وتعلم اللغات بمساعدة عمها بداية وبالكتب لاحقا. وكتابتها للقصص العاطفية القصيرة نقلتها إلى كتابة الرواية التي تناولت من خلالها التناقضات في إطار الاقتصاد والدين.

لم تكن غرازيا تحتاج لتذهب بعيدا بشأن اختيار مواضيع أعمالها، فبلدتها حافلة بمختلف نماذج الصراعات، ومن تلك النماذج عائلتها وما واجهته من محن وتحديات وكانت بحد ذاتها كافية لكتابة العديد من المحاور. شخوصها وأبطالها دائما وأبدا من الناس العاديين، كالمزارعين والرعاة وقطاع الطرق، من الأفراد الذين تسكنهم طموحات وآمال في إطار واقع مدقع في الفقر والجهل والتطير.

وعلى الرغم من المآسي التي واجهت عائلتها، مثل وفاة أختها التي حاولت إجهاض نفسها، وهدر أخيها لثروة العائلة في القمار واللهو، واستسلام أخيها الآخر لاكتئاب شديد بسبب إصابته بحروق بالغة نتيجة إحدى تجاربه العلمية وانحسار والدتها عن المحيط الخارجي. أنتجت غرازيا خلال حياتها ما يقارب من 40 رواية بواقع كتابة رواية كل عام إلى جانب 400 قصة قصيرة ومسرحيات وأوبرا ومقالات عديدة.

ومن أهم أعمالها رواية «اليأس» التي نشرت عام 1903 وبطلها أحد الشبان الذين يحاولون إصلاح أنفسهم بعد حياة عابثة، إلا أن الظروف المحيطة به تدفعه لصراع مرير يقوض أماله ويدفعه لمسار مختلف عما أراده. أما روايتها الأم التي فازت من خلالها بجائزة نوبل فتحكي عن تضحية امرأة بحياتها لأجل الحفاظ على سعادة ابنها المتبنى ومستقبله.

أما روايتها قبل الأخيرة «كنيسة الوحدة» فقد نشرت بعد وفاتها عام 1936 متأثرة بمرض سرطان الثدي الذي عانت منه مدة 10 سنوات. ولدى وفاتها كانت تعمل على رواية «كوزميا» التي تعكس سيرتها الذاتية وكيف أصبحت كاتبة.

وتتناول روايتها «كنيسة الوحدة» أسوة بأعمالها الأخرى، جزءا من سيرتها الذاتية، فالبطلة ماريا كونسيزيون تصاب أيضا بذات المرض حيث تبدأ القصة بمغادرتها للمستشفى بعد إجراء عملية استئصال الثدي. وماريا التي كانت في 28 من عمرها احتفظت بمرضها سرا ولم تناقشه مع أي إنسان حتى والدتها. وقد خلف مرضها في أعماقها فجوة كبيرة لكونه جردها من حلمها في الزواج وإنجاب الأطفال، كل ما ترك لها هو حكم بالإعدام مع وقف التنفيذ.

ومن جماليات العمل أن الكاتبة لم تذكر مطلقا اسم هذا المرض في عملها، إلا أنه كان جليا في أعراضه التي كانت غرازيا تعرفها جيدا. وماريا التي واجهت محنة في حبها الأول ولم تستطع تجاوزها لم تكن حياتها بعد ذلك مهيأة لحب جديد. وعندما ظهر رجل جديد في حياتها يدعى أرولدو أرولدي، شعرت غرازيا بالحيرة سيما وأن صدمته بالتحول الكبير الذي طرأ على مظهرها بعد العملية لم يقلل من اهتمامه بها.

تولد لدى ماريا إحساس بالذنب إزاء عائلتها وأرولدو لإخفائها عنهم سر مرضها. ونظرا لكون الثروة الصغيرة الخاصة بالعائلة والتي جمعت من قبل والدها بأساليب غير مشروعة قد آلت إليها، فقد واجهت ماريا المزيد من الضغوطات نتيجة مناورات عدد من الرجال للزواج منها طمعا في مالها. وهكذا وجدت ماريا نفسها تعيش صراعا بين تناقضات المشاعر التي جزء منها يرغب في الانسحاب من العالم والجزء الآخر ينجذب له. وعلى الرغم من أنها كانت تكبت مشاعرها في معظم الأحيان إلا أنها لم تستطع تجاهلها.

وكما هو بيت عائلتها الذي يجمع بين النبالة والخروج على القانون فنصفه كنيسة ونصفه الآخر منزل عادي، كذلك هي أعماق ماريا نصفها ديني ونصفها دنيوي. وقد أبدعت غرازيا وأجادت في استقاء رموزها وتسخيرها لتصوير شخوص عملها.كانت ماريا تعيش مع والدتها في المنزل حياة متواضعة، إلا أن قناعاتها لم تستطع أن تحميها إلا بقدر محدود، فهي بمثابة ملاذ لها إلا أنها لا تمنحها جميع الأجوبة التي تحتاجها.

و«كنيسة الوحدة» تقدم مزيجا من الميلودراما وانعكاسات القيم والمثل. العديد من الشخصيات مباشرة بما فيها فيليس جيوردانو الذي يحاول تزويج ماريا من أحد أحفاده وبصورة واضحة وفجة.وما يعقد الأمور والأحداث هو احتفاظ ماريا بسرية مرضها، وتتجلى مهارة الكاتبة في تمركز الأحداث حول فرادة ماريا وقوتها الداخلية وذلك من خلال احتفاظ غرازيا بمسافة بين بقية الشخوص والقراء ومثال على ذلك فإن معاناة أرولدو الذي يزداد إحباطا ويأسا من صد ماريا له تبقى بعيدة إلى حد ما وأقرب إلى خلفية في لوحة ما.