عندما وضع مايكل مور كتابه «رجال بيض أغبياء» لم ينتقد الذين يوصلون الرؤساء إلى البيت الأبيض بأصواتهم فقط، بل انتقد النظام السياسي القائم على اللامبالاة واللافهم، فمن هو الذي يرسل شخصاً مثل جورج بوش إلى سدة الرئاسة؟
مايكل مور مزيج من يسارية آفلة، وساخر عظيم، كانت صرخته السينمائية ليس عبر فيلم (11/9) بل عبر فيلم وثائقي عن شركة جنرال موتورز التي سرحت الآلاف من عمالها بحجة ضغط النفقات، لتعلن بعد عدة أشهر عن تحقيقها لأرباح تتخطى المليار دولار،
آنذاك كانت صرخة مايكل مور السينمائية الوثائقية حول تلك الشركة التي تربح المليارات وتقطع الحليب عن الأطفال وتحجبهم عن المدارس. الفيلم لم يكن جماهيرياً قياساً بأفلام هوليوود، ولكنه كان مدوياً في نظام رأسمالي شديد القسوة والتعقيد ومعه تحول مايكل مور إلى أحد رموز مناهضة المؤسسة الرئاسية في أميركا وراح ينتقدها علناً عبر الإعلام والسينما.
لقد أضافت أميركا إلى قاموسها مفردة (11/9) كتنويع وطني، ليس إحياء لذكرى من قضوا في برجي التجارة العالمية، ولكن للاستغلال السياسي والشخصي، وباسم تلك الأحداث أرسلت أميركا نصف مليون جندي ليتخبطوا في أفغانستان والعراق، وبالتحديد أرسلهم جورج بوش الذي خاطبه مايكل مور في حفل الأوسكار «أنت عار على أميركا، وأنا أخجل من تصرفاتك».
لو أن مايكل مور ظهر فنه ولمع اسمه في الستينات لطالته لجنة محاربة الشيوعية الموسوبة بـ «لجنة مكارثي» نسبة للسناتور جون مكارثي والتي طاردت عدداً كبيراً من مبدعي أميركا بحجة صلتهم بالشيوعية وحجبت الكثير من الأعمال عنهم.
اليوم لا يوجد اتحاد سوفييتي في الجوار ليهدد بصواريخه المنصوبة في كوبا، ولا يوجد أحد يخطط لغزو أميركا، سوى بعض المغامرين الحالمين، ولكن يوجد داخل أميركا ذاتها من هو أقدر على إقلاق راحتها من الداخل، ليس عن طريق العنف، لأن العنف والمؤامرة من شيم بوش وفريقه، بل عن طريق الفن، لأن الفن طيفه التأثيري أوسع وأعمق، لذلك عندما وضع مايكل مور كتابه «رجال بيض أغبياء» ظل طيلة أشهر على لائحة الكتب الأكثر مبيعاً في المكتبات، وكان كتاباً انتقادياً ساخراً، يؤكد ذلك عنوانه الاستفزازي.