يعتبر محمد الحوراني وهو صحافي وكاتب سوري صدر له من قبل (القوميون والإسلاميون من الصدام إلى الحوار) في كتابه هذا أن الكواكبي لم يكن مبالغا عندما عزا أسباب التخلف الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي إلى الاستبداد المتحكم برقاب أبناء هذا العالم،ذلك أن الحكومة المستبدة تكون ـ طبعا ـ مستبدة في كل فروعها من المستبد الأعظم إلى الشرطي إلى الفَّراش، إلى كنّاس الشوارع، ولا يكون كل صنف إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقا ،

لأن السفلة لا يهمهم، طبعا ، الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدومهم بأنهم على شاكلته وأنصار لدولته، والمتتبع لما حدث ويحدث من انهيار مريع أصاب بنية المجتمع العربي والإسلامي بكل جوانبه، يدرك تماما بأن السبب الحقيقي وراء ذلك هو الاستبداد بشتى أشكاله، السياسي والاقتصادي، والفكري.

فالمشهد السياسي لم يكن المشهد الوحيد الذي بدأ يترنح نتيجة الضربات المادية والمعنوية التي أتته من السياسيين العرب والمسلمين، ذلك أن الاقتصاد العربي والإسلامي قد نُخر تماما هو الآخر ومازال العرب ينتظرون خروج دابة الأرض التي ما فتئت تنخر الجسد «الهزيل» لذلك الاقتصاد لتؤكد لهم حقيقة ما أصابه، ومع أن الواجب في المشهد الثقافي والفكري أن يكون أقوى من غيره وأكثر تماسكا ،

إلا أن الحوادث والوقائع تدل على أنه أصيب بلوثة من ذلك الانهيار المريع بعد إمساك المفكرين والمثقفين المستبدين بخناقه، أمام هذا الواقع الذي لا يحمل أيا من مقومات التفاؤل يجد المرء نفسه مشدودا إلى أسئلة كثيرة وصفها البعض وأجابوا عنها في بعض الأحيان أو تركوا الإجابة عنها في أحيان كثيرة.

وإذا كان السؤال عن سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم هو الذي أرَّق حياة الأمير شكيب أرسلان؛ فإن السعي وراء معرفة (أين الخلل) كان هو الشغل الشاغل للدكتور يوسف القرضاوي والذي عزى الخلل إلى طاقاتنا العقلية المعطلة، لأننا نقلد ولا نجتهد، نحاكي ولا نبدع،ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر، أي نستخدم تفكير غيرنا ولا نفكر نحن لأنفسنا، سواء أكان ذلك الغير من أسلافنا من الماضين أم غيرنا من الحاضرين.

كما ان الواقع العربي والإسلامي المأزوم هو الذي دفع بالمفكر الإسلامي جودت سعيد لمعالجة هذا الواقع من خلال كتابه ( حتى يغيروا ما بأنفسهم) ملخصا هذه المشكلة ومعالجة أسبابها بأن هناك في شباب العالم الإسلامي من عندهم استعداد لبذل أنفسهم وأموالهم في سبيل الاسلام، ولكن قلّ أن تجد فيهم من يتقدم ليبذل سنوات من عمره ليقضيها في دراسة جادة، لينضج موضوعاً أو يصل به إلى تجلية حقيقية، مثلاً، كمشكلة الانفصال الذي يعيشه المسلم بين سلوكه وعقيدته.

إذ كثير من الأسئلة تطرح ولا جواب شاف لها،هذه النظرة لأسباب تخلف الأمة والطريقة لمعالجتها تتقاطع بشكل أو بآخر مع نظرة الأمير أرسلان الذي رأى أيضاً أن من أكبر عوامل انحطاط المسلمين الجمود على القديم، فكما أن آفة الإسلام هي الفئة التي تريد أن تلغي كل شيء قديم دون نظر فيما هو ضار منه أو نافع، كذلك آفة الإسلام هي الفئة التي لا تريد أن تلغي كل شيء قديم دون نظر فيما هو ضار منه أو نافع،

كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغير شيئاً ولا ترضى بإدخال أقل تعديل على أصول التعليم الإسلامي ظناً منها بأن الاقتداء بالكفار كفر، وأن نظام التعليم الحديث من وضع الكفار،أجل هذا هو واقع الفكر العربي والإسلامي، متغيرات كثيرة عدّت ثوابت لا يمكن الاقتراب منها فضلا عن مساسها وقضايا لا يمكن لأي كان مناقشتها خوفاً من السلطان وعسسه،

ناهيك عن أن الشخصية العربية غدت شخصية استبدادية وقابلة للاستبداد، ولِمَ لا يكون ذلك وقد حكمها المستبدون، وتوارثت عبر الأزمان أن مسألة الحكم لا تخص إلا المستبدين، الذين أذاقوها مختلف أصناف القهر والاستبداد في الأغلب الأعم من تاريخها، وهي مازالت تحكم بالحديد والنار في تاريخها الحاضر.

بعد ذلك يعتبر محمد الحوراني أن الاستبداد الفكري وهو أخطر أشكال الاستبداد صار يسيطر على الخطاب العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين، وتحديداً مع ظهور النظم السياسية الإيديولوجية في المنطقة، وظهور جماعات المعارضة العقائدية، وكل من الطرفين يعتقد أنه الوحيد القادر على التعبير عن حقيقة الأشياء.

اتبع ذلك انغلاق النسق المعرفي ومحاولة أدلجة المعرفة الأمر الذي أدى إلى قيام أنساق معرفية، وغير قادرة على التجديد أو الانفتاح، أو الاستفادة من الآخر، وغير قابلة للتطوير أو التجديد، ما أدى بدوره إلى تحول العمل المعرفي إلى عمل سياسي إيديولوجي، وتحول الخطاب العربي إلى عملية متواصلة من الحجاج الإيديولوجي، وليس الحوار الفكري، أو الانفتاح المعرفي أو الإخصاب الثقافي أو المثاقفة.

وصار العلم أحد أطراف معادلة سياسية طرفاها الآخران الثروة والسلطة، وكان ينظر في السابق إلى العلم على انه سلطة في ذاته تضارع، بل تقارع سلطة السياسة، وتجربة العز بن عبد السلام وابن تيمية ومالك مثال واضح على ذلك.

ولم يكن العلم في معظم اللحظات التاريخية هو الطرف الأقوى، بل كثيراً ما كان الأضعف، الأمر الذي جعل (الأفغاني) يرى أن انفصال الرتبة العلمية عن رتبة الخلافة سبب في تدهور وضع الأمة الإسلامية.

إلا أن رأي العلم لم يكن خاضعا للثروة وأهلها، بل العكس هو الصحيح، أما حالة الوضع العربي الراهن، فإن العلم أصبح أضعف العناصر الثلاثة، بل تم استخدامه وتوظيفه وامتهانه من قبل الثروة وسلطة القوة، ومع انتشار نظم العسكر والتكنوقراط تم تدجين المفكرين والعلماء لخدمة النظام والحزب، الوضع الذي أفرز تجربة للبحث العلمي عن المجتمع، بل أحيانا عدائية البحث لطموحات المجتمع وقضاياه نظراً لانحياز العلماء والباحثين في معظمهم لمصادر القوة السياسية والمالية.

بعد ذلك يخلص المؤلف إلى القول: إن الخطاب العربي خطاب جدي فإما إسلامي وإما علماني، إما ماضوي وإما عصري حداثي، إما قومي وإما قطري، إما عربي وإما اسلامي، إلى غير ذلك من ثنائيات غير موجودة في الواقع، إذ لا يمكن أن تجد هناك أطروحة سياسية أو فكرية يمكن نسبها بصورة كاملة إلى أحد الطرفين.

ثنائيات جامدة أضاعت الحقيقة بين طرفيها وفتت جهود الباحثين والمثقفين في محاولة للانحياز لأي من الطرفين والانتصار له، وتحول العمل الفكري إلى نوع من التعصب الكروي الذي يقوم على مسلمة المنتصر والمهزوم، وإن كانت طبيعة العمل الفكري تأبى أن يتم التعامل معها بهذه الجدية.

*الكتاب: أقنعة الاستبداد وأزمة التحديث في البلاد العربية

*الناشر:مركز الراية للتنمية الفكرية دمشق 2005

*الصفحات:167 صفحة من القطع الصغير

أنور محمد