مؤلف هذا الكتاب هو الناقد والكاتب المصري المعروف الدكتور رمسيس عوض والذي تمتد أعماله على مدى الخمسة والأربعين عاماً المنصرمة وكان أولها «برتراند راسل الإنسان» الذي صدر عام 1961. وكان من أبرز ما ألفه في نفس الموضوع (اليهود والأدب الأميركي المعاصر 1998) ،(الهولوكوست بين التأكيد والإنكار 2000) ،(اليهود في الأدب الروسي 2002) ولم تقتصر كتابته على اللغة العربية فقط بل قدم كذلك العديد من المؤلفات باللغة الإنجليزية أيضا .

يبدأ الدكتور رمسيس تناوله موضوع كتابه بتقديم لمحة تاريخية عن الوجود اليهودي في انجلترا فيبدأ من فترة ما قبل عام 1290م ـ تاريخ طرد اليهود من إنجلترا ـ ويصف الأوضاع والظروف التي كان اليهود يعيشون فيها سواء من الناحية الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية حيث كان اليهود قبل عام 1290م يعيشون في إنجلترا تحت حماية العرش البريطاني، وبطبيعة الحال كانت هذه التبعية تضعهم تحت رحمة هذا العرش وأهوائه في الوقت التي لم يكن مسموح لهم أن يعملوا بأي حرف من تلك التي يعمل بها المواطنين الإنجليز.

وعلى هذه الخلفية يشير المؤلف إلى أن اليهود لم يجدوا سوى الأعمال المصرفية التي كانوا يجنون من ورائها الأموال الضخمة والتي سرعان ما كان يتم الاستيلاء عليها من قبل العرش عن طريق اقتراضها أولاً ثم مصادرتها أو عن طريق فرض المكوس والضرائب الباهظة.

فضلا عما سبق فقد كان اليهود مجموعات غير محبوبة بين المواطنين الإنجليز في هذا الوقت نظراً للمعاملة الخاصة والحماية المباشرة التي يتلقونها من العرش، وبسبب ما كانت تروج له الكنيسة في ذلك الوقت من قيام اليهود بالاعتماد على سفك دماء الصبية المسيحيين والاستيلاء على أعضاء ذكورتهم لاستخدامها في طقوسهم الدينية، الأمر الذي وصل إلى حد أن قام الملك هنري الثاني ذات مرة بالإشراف على إعدام اليهودي المتهم بإحدى هذه الجرائم.

لقد كان محصلة هذه الأوضاع، وفق ما يشير الكتاب، أنه مع حلول عام 1290 تم طرد اليهود على يد الملك إدوارد الأول وهو ما أدى إلى أن ظلت إنجلترا خالية من اليهود تماماً لمدة 374 عاما امتدت من 1290 إلى 1656م. وهنا يعقب الدكتور رمسيس على هذه الفترة مشيرا إلى أنه على الرغم من خلو إنجلترا من اليهود خلالها إلا أنه قد يبدو من الغريب ما ساد خلالها من استفاضة في تناول شخصية اليهودي في الأدب الإنجليزي.

وفي معرض التفصيل يشير إلى أنه كان يتم في ذلك الوقت جلب بعض اليهود العاملين بالطب ليقوموا بمداواة أحد أفراد العائلة المالكة وكانت الطريقة التي يتم بها معاملتهم خلال هذه الفترة هي الصور اللاحقة لليهودي في العديد من الكتابات الأدبية الإنجليزية فقد كان الأطباء اليهود يتعرضون للاضطهاد وإذا فشلوا في علاج الملوك والملكات اعتبرهم الناس سحرة مشعوذين.

وكانت الصورة الغالبة لهم هي صورة شيطانية مفزعة أحياناً وتبعث على الضحك أحياناً أخرى.. هذه الصورة النمطية لليهودي اتسمت ببعض الخصائص فهي إما لرجل بخيل مقتر كثير التلويح والتشويح بيده وشهواني يملك طاقة جنسية هائلة أو لرجل مخنث بصورة تدعو إلى الانزعاج.

هذا هو اليهودي كما كانت تصوره قصائد العصور الوسطى ومسرحيات المعجزات، حيث استمرت هذه الصورة شائعة عند كبار الأدباء الإنجليز أمثال «تشوسر» «مارلد» و«شكسبير». ثم بدأت بعد ذلك العودة التدريجية لليهود إلى الجزر البريطانية بداية من عام 1630 حتى عام 1664 غير أن وجودهم هناك لم يكن له أيه شرعية أو صفه قانونية الأمر الذي اضطر الملك تشارلز الثاني عام 1660 إلى اتباع سياسة قبولهم في البلاد بهدوء ودون إثارة أيه مشاكل أو عقبات قانونية،

غير أنه في عام 1735 تقدم البرلمان الإنجليزي بمشروع قانوني لمنح الجنسية الإنجليزية لليهود المقيمين في إنجلترا وبالسماح لهم أيضا بتملك الأراضي، الأمر الذي قوبل بالرفض الشديد من جانب جموع الشعب الإنجليزي حتى اضطرت الحكومة إلى سحب مشروع القانون، واكتفي اليهود حينها بلعب دورهم في إنعاش الاقتصاد الإنجليزي من وراء الستار دون أن يكون لهم أي كيان مستقل ودون المطالبة بأية حقوق مدنية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت الهجرة اليهودية تزيد إلى بريطانيا بشكل ملحوظ وخاصة تلك القادمة من روسيا كنتيجة مباشرة للمجازر الروسية ضد اليهود في ذلك الوقت. ومن جهة أخرى كانت المشاحنات والخلافات تزيد بين اليهود والإنجليز..

وهى مشاحنات لم تكن جديدة بل تم ترسيخها منذ العصور الوسطى نتيجة الاعتقاد بأن هناك هوة سحيقة لا يمكن تخطيها تفصل بين كل من اليهودي والانجليزي، هذه الصورة التي تم ترسيخها في الأدبيات الانجليزية صورت اليهودي على أنه شخص جبان بطبعه ومنحط وجشع ويميل إلى السيطرة على الآخرين والتحكم في العالم المسيحي بأسره.

ومن جهة أخرى لعبت بروتوكولات حكماء صهيون (1903) دوراً كبيراً في الترويج لفكرة التآمر اليهودي على العالم بأسره على الرغم من انه حسبما يذكر الكتاب، من ثبوت قيام قيصر روسيا بتزوير هذه البروتوكولات حتى أن أحد الساسة البريطانيين عبر صراحة عن إيمانه بفكرة التآمر اليهودي عام 1938م قبل نشوب الحرب العالمية الثانية قائلاً «إن اليهود قد يدفعوننا إلى الحرب... فنفوذهم السياسي يحركنا في اتجاهها » وهنا ترسخت فكرة المؤامرة اليهودية على العالم في أذهان الانجليز يشتى طوائفهم، كما ترسخت في أذهان غيرهم من الشعوب.

وكنتيجة مباشرة لازدياد النفوذ اليهودي في إنجلترا زادت الهجرة اليهودية إلى هناك في أواخر القرن العشرين ما أدى بالساسة البريطانيين إلى البحث في سبل مواجهة هذا النفوذ من الساحة البريطانية ومنع تدفق يهود روسيا وبلاد أوروبا الشرقية. وفي هذا السياق جاء وعد بلفور 1917 بتوطينهم في أرض فلسطين.

وعن أول دراسة أجريت حول صورة اليهود في الأدب الانجليزي والتي قام بها «ديفيد فليبسون عام 1951» يحدثنا الدكتور رمسيس قائلا إن الدراسة تناقش شرعية معالجة موضوع اليهود، وتشكك في هذه الشرعية لأنه يرى أنه طالما أن اليهودي الانجليزي قد ترك الحي اليهودي والعادات اليهودية وأصبح يتصرف كأي مواطن إنجليزي وتحركه نفس المشاعر الوطنية فليس هناك معني لتناول الأدباء الإنجليز موضوع اليهودي في أدبياتهم إلا اذا كان هدفهم من وراء ذلك تصويره كمعتنق للدين اليهودي.

ويضيف «فليبسون» أن « جورج اليوت «هو الأديب الإنجليزي الوحيد الذي نجح في تصوير اليهودي على هذا النحو. ومن ناحية أخرى نرى «فليبسون» يهاجم الكاتب المسرحي الإليزابيثي الكبير «كريستوفر مارلون» مؤلف مسرحية «يهودي مالطا» 1592 ويتهمه بالشطط في تأليب الناس ضد اليهود.

ويعرض الدكتور رمسيس في هذا السياق للعديد من الدراسات التي تناولت موضوع اليهود في الأدب الإنجليزي سواء من الإنجليز اليهود أو من غير اليهود أو من غير الانجليز، فنرى كاتبا ألمانيا يهوديا مثل «هيرمان سينشماير» والذي ألف كتاب «شيلوك» وعاود نشرة في بريطانيا عام 1947 وتناول المؤلف شخصية شيلوك «باعتبارها تجسيدا» لليهودي الجائل ويهوذا الخائن والمرابي الجشع،

وينصرف هذا الكتاب إلى فحص وتمحيص النص الشكسبيري لتاجر البندقية، وفية يبذل المؤلف قصارى جهده كيهودي نشأ وترعرع في ألمانيا ولم يشعر بالانتماء لها متشبثا بشكسبير الذي أحبه من سويداء قلبه ساعياً قدر طاقته لتبرئته من تهمة معاداة السامية معبراً عن سخطه على أسلوب ألمانيا النازية في تقديم شخصية «شيلوك» كشخصية منفرة متعطشة للدماء ومبعثا للضحك والاستهزاء. وعن هذا يقول هيرمان لابد وأن شكسبير تبين أن هناك خطأ ما في كيفية معاملة اليهود كما أنه آثر الوقوف دون مواربة إلى جانبهم لأنهم مضطهدون ومجروحون.

وهنا يعلق المؤلف الدكتور رمسيس قائلاً ان هذا الكتاب لهيرمان يشوبه التناقض فتحمس هيرمان لشكسبير لا يمنعه من القول بأنه كان ينبغي عليه أن ينهي محاكمة «شيلوك» بالانتصار له أي أنه يريد لأحداث المحاكمة أن تجري على غير ما أراده شكسبير.

ويستمر المؤلف في تناول آراء العديد من الأدباء والنقاد الإنجليز حول مسألة صورة اليهودي في الأدب الإنجليزي ومن أبرز هؤلاء النقاد «ليسلي فيلدر» حيث يعتبر واحدا من أبرز النقاد المحدثين حيث كتب العديد من البحوث المتعلقة باليهود تدور حول صورة اليهودي في الأدب،

وتأتي هذه البحوث جزءا من دراسته الشاملة «الآخر في الأدب» والتي يقول فيها فيلدر عن عداوة غير اليهود لليهود يجب على غير اليهودي أن يعلم أن شيلوك من خلق خياله ومخاوفه هو. ويشرح فيلدر الشر الذي درج العالم على نسبته إلى اليهود فيقول يجب أن نترجم لأنفسنا ونحن نقرأ عن التفسير الذي يتملك جوارح اليهودي وعدميته ورغبته في تشويه الأجساد والتمثيل بها، إلى لغة أكثر شمولاً من مجرد وصف اليهود بالوحشية الأسطورية.

كما يجب أن ندرك أن الصورة النمطية المتوارثة عن اليهود ليست أكذوبة فنحن نعرف أن مثل هذه الدوافع كامنة فينا ليس بطبيعة الحال كيهود، بل هي تكمن فينا كبشر.

*الكتاب: اليهود في الأدب الانجليزي

*الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة 2006

*الصفحات: 239 من القطع الكبير

ألفت عبدالله