يجيب المفكر الدكتور طيب تيزيني، الذي جرى اختياره ز واحداً من مئة فيلسوف في العالم للقرن العشرين عام 1998 من قبل مؤسسة كونكورديا ـ Concordia ـ الفلسفية الألمانية الفرنسية. والذي تم انتخابه عام 2000 عضواً في لجنة الدفاع عن الحريات في الوطن العربي، في كتابه ـ بيان في النهضة والتنوير ـ عن السؤال المطروح :

من أين ننطلق ؟ باتجاه مقاربة، تسوغ البحث في مشروع عربي للنهضة والتنوير، بإجابة أولية ليس في وسعهاـ كما يقول ـ التغاضي عن كل من «التاريخ» وما يعرضه علينا من حطام عربي مفتوح ، ومن « التأريخ » حيث يمكننا الوصول الى الوعي التاريخي النقدي، الذي بامكانه أن يحيط بهذا الحطام، ويجعل منه موضوعا للمعرفة.

والدكتور طيب تيزيني كاتب ومفكر سوري تخرج في ألمانيا حاملاً الدكتوراه في الفلسفة عام 1967 والدكتوراه في العلوم الفلسفية ثانياً عام 1973. عمل في التدريس في جامعة دمشق. وله من الكتب: حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث 1971.

من التراث إلى الثورة ـ حول نظرية مقترحة في قضية التراث العربي 1976. روجيه غارودي بعد الصمت 1975. الفكر العربي في بواكيره وآفاقه الأولى 1982. من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي 1997.فصول من الفكر السياسي العربي المعاصر1989.

يقول التيزيني في مقدمة هذا الكتاب: قد يبدو أنه من البلاهة الثقافية المعرفية والايديولوجية أو من المفارقة المنطقية والواقعية الحادة أو من الطوباوية القومية الجريحة أن يطرح العرب أو فريق منهم في المرحلة الراهنة، مرحلة تفككهم وهزيمتهم البغدادية الكبرى ومحاولة اخراجهم من التاريخ المتدفق بفاعلية وبتسارع عاصف، مشروع نهوض وتنوير يجعلون هم منه مدخلا ومتنا الى تحررهم ، ويضعهم هو أمام آفاق ومداخل تاريخية جديدة، والأمر يبدو، حقا كأنه كذلك!

يبدأ المؤلف كتابه في البحث عن ز المسوغات التاريخية والراهنة ز لطرح مشروعه، مشيرا الى المحاذير، التي عملت على اخراج العرب من التاريخ، ليتم التعامل معهم بمثابة (حالة) منتزعة من حراكها ( الأفقي ) التاريخي وكذلك بالضرورة من فاعليتها العمقية الموضعية .

من هذه المحاذير، ما يراه البعض في شخصية (الانسان العربي) ، على أنها بنية فريدة فذة لا تخضع للتاريخ، بعجره وبجره، بل تقف ـ ببساطة ـ فوقه وهنا، تبرز الصفات « البنيوية » الخاصة ، التي تلحق بها ويراد لها أن تتمثل في الأصالة الخالصة والحقيقة الكلية والاباء ورفض الضيم والقدرة الفطرية على مواجهة الأخطار والعواصف وتقديم الغالي والرخيص في سبيل ذلك.

مما يضعنا وجها لوجه أمام تعارض للتاريخ مع البنية، وعلى انتزاع العرب من سياقهم التاريخي، أو أمام قصور منهجي معرفي يتمثل في تعميم مرحلة من مراحل التاريخ العربي تعميما فاحشا، كما يمكن أن يعنى بها مرحلة التضامن القبلي قبل الاسلامي، التي أنتجت من حددها بصيغة المنظومة الأخلاقية والاجتماعية المفصح عنها في مثل الشعر العربي التالي:

لا يسألون أخاهم حين يسألهم

في النائبات على ما قال برهانا

أما الوجه الآخر من المحذور السابق فيقوم على النظر الى الانسان العربي على أنه « دون التاريخ » بالاعتبارات الفكرية والابداعية والانتاجية الحضارية، وربما كذلك الاعتبارات العرقية والأنثروبولوجية ـ الاناسية من أهم من أسس لهذه الرؤية للفكر العربي هو « ارنست رينان »، وذلك في نطاق تبلور الحركة الاستشراقية الأوروبية في القرن التاسع عشر في كتابيه «تاريخ اللغات السامية » و «ابن رشد والرشدية » وعلى صعيد الكتاب العرب يبرز اثنان هما زكي نجيب محمود في كتابه ـ تجديد الفكر العربي ـ ومحمد عابد الجابري،

الذي أتى على اللغة العربية، الحامل اللغوي للفكر العربي . ففي كتابه ـ تكوين الفكر العربي ـ يقول: خاصيتان أساسيتان في اللغة العربية: لا تاريخيتها وطبيعتها الحسية. ولذلك هي ( اذ تعلو) على التاريخ لا تستجيب لمتطلبات التطور . كما يقول : «الهوية العربية هوية مكتملة وثابتة ، ولكن التجارب والتحديات تجعل من الضروري بين الحين والآخر اعادة ترتيب هذه الهوية » .

وردا على هذا الطرح يؤكد المؤلف على ضرورة الأخذ بمقولتي « التاريخ » و « التأريخ» فعبر الأولى نضع يدنا على «تاريخية» ما نصطلح عليه «بالحطام العربي المفتوح»أي على أن هذا الأخير ليس حالة مطلقة قاطعة، وانما هو حالة تاريخية وأن تجاوزها أمر محتمل .

أما عبر مقولة التأريخ، فيمكن الوصول الى الوعي، الذي بامكانه أن يحيط بهذا الحطام ، ويجعل منه موضوعا للمعرفة، وهو «الوعي التاريخي النقدي ». ورده على وجهات نظر بعض الكتاب، التي تفسر النهضة العربية ـ الثانية في القرن التاسع عشر بصدمة الحداثة الفرنسية، والنهضة العربية الثالثة ما بعد الحرب الثانية بأنها حدثت بفعل التدفق الصهيوني اليهودي على فلسطين.

مما ولد اعتقادا بأن العرب أصبحوا مهيئين للخروج من التاريخ ، يرى التيزيني، بأن ذلك وان كان يحمل قسطا من الحقيقة، الا أن السبب الرئيسي لهذا الحطام العربي، يكمن في تعاظم التدخل الغربي الاستعماري فالامبريالي ثم الصهيوني والعولمي . وهو في حالة تدفق متصاعد مع سقوط بغداد و(المساومة) على دمشق وغيرها. ان المشروع الصهيوني باحدى دلالاته الكبرى ، لم ينجح باختراق المشروع العربي النهضوي الا بوصفه حلقة وظيفية من حلقات المشروع الرأسمالي الاستعماري الامبريالي.

وهنا ينوه الكاتب الى نبوءة نجيب عازوري عام 1905 في كتابه الصادر في العام نفسه بعنوان «يقظة الأمة العربية» ان ظاهرتين مهمتين، متشابهتي الطبيعة، بيد أنهما متعارضتان، أعني يقظة الأمة العربية ، وجهود اليهود الخفية لاعادة تكوين مملكة اسرائيل القديمة على نطاق واسع ، ومصير هاتين الحركتين أن تتعاركا باستمرار حتى تنتصر الواحدة على الأخرى وبالنتيجة النهائية لهذا الصراع ، يتعلق مصير العالم بأجمعه .

*الكتاب: بيان في النهضة والتنوير العربي

*الناشر: ار الفارابي - بيروت 2005

*الصفحات: 182 صفحة من القطع المتوسط

وفاء الخطيب