مؤلف هذا الكتاب هو إيفو ه. دالدير العضو في مركز البحوث الشهير في واشنطن باسم معهد بروكنغز. وهو مركز مختص ببلورة الأفكار السياسية الجديدة عن شتى مناطق العالم وتقديمها إلى الإدارة الأميركية لكي تكون مطلعة على الأمور وتتخذ قراراتها على هدي من أمرها.
وكان دالدير مديرا سابقاً للشؤون الأوروبية في ظل عهد الرئيس السابق بيل كلينتون، كما كان عضواً في مجلس الأمن القومي.
وبالتالي فهو من أكثر المطلعين على شؤون السياسة الخارجية الأميركية وشجونها. يتألف الكتاب من مقدمة عامة واثني عشر فصلاً مرفقة بالهوامش والمراجع في النهاية. ويتخذ الفصل الأول العنوان التالي «ثورة بوش» والمقصود بذلك أنه أحدث قطيعة في السياسة الخارجية الأميركية بالقياس إلى من سبقوه.
فوالده مثلاً أو حتى بيل كلينتون كانا يتبعان المنهج الواقعي أو الدبلوماسي في العلاقات مع الدول الأخرى وليس منهج القوة والضرب.
أما هو فقد أخذ يتبع سياسة القوة والعصا الغليظة والتدخل العسكري في شؤون العالم، والحال هو أنه كان واقعياً مثل أبيه في السياسة الخارجية قبل ضربة 11 سبتمبر. ولكن أصبح ثورياً راديكالياً متطرفاً بعدها كرد فعل على مقتل ثلاثة آلاف شخص في البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي.
أما في الفصل الثاني من الكتاب فيتحدث المؤلف عن جورج بوش والبراكين. والمقصود بذلك علاقاته مع صقور واشنطن من أمثال نائب الرئيس تشيني، وكوندوليزا رايس، ودونالد رامسفيلد، وبول وولفويتز، الخ.
وقد دعوا بالبراكين نظراً لأرائهم المتفجرة والمتطرفة فيما يخص السياسة الخارجية، فهي قائمة على استعراض العضلات والتخويف أكثر مما هي قائمة على الحوار والاقناع بواسطة الأساليب السلمية والدبلوماسية.
ثم يتحدث المؤلف في الفصول التالية عن رؤية بوش للعالم، وتشكيله لفريق العمل الذي يشاركه في إدارة شؤون الدولة، والشهور الأولى في حكمه، وضربة 11 سبتمبر، والانعطاف الذي حصل لديه بعدئذ. كما ويتحدث عن الخطوط العريضة لعقيدة بوش الاستراتيجية، الخ.
باختصار فإن القارئ يصبح أكثر دراية بخفايا السياسة الأميركية وبواعثها العميقة بعد قراءة هذا الكتاب المهم.
ويرى المؤلف أن بوش ليس غبياً في السياسة الخارجية على عكس ما صوروه. ربما كان كذلك في الشهور الأولى من حكمه، ولكنه بعد ضربة 11 سبتمبر أصبح رجلاً آخر ودخل التاريخ كشخص جديد يعرف ما يريد بالضبط ويحمل تصوراً متكاملاً عن العالم.
ويدحض المؤلف أيضاً الفكرة الشائعة: وهي أن بوش ما هو إلا ألعوبة في يد مستشاريه من المحافظين الجدد أو سواهم كريتشارد بيرل أو ويليام كريستول أو بول وولفويتز على العكس فإن القرارات الصعبة هو الذي يتخذها بنفسه وهو الذي وضع الخطوط العريضة للسياسة الخارجية الأميركية.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وسواء كنا مع الرجل أو ضده فإنه موهوب في هذا المجال ويمتلك رؤية متماسكة عن السياسة الخارجية والقضايا العالمية الكبرى. وأهم خصيصة من خصائص ثورته في مجال السياسة الخارجية هو أنه حرر أميركا من التبعية لحلفائها الأوروبيين وغير الأوروبيين وعرف قدرها ومكانتها وجبروتها.
وراح بالتالي يمارس سلطته على العالم كله بدون أي منازع أو منافس. وهذا ما يدعى بالممارسة الأحادية الجانب للسلطة العالمية أو الاستفراد بالقرارات الكبرى التي تخصها. فأميركا، وأميركا وحدها، هي التي تقرر مصير العالم.
في السابق كان رؤساء أميركا يستشيرون حلفاءهم الأوروبيين ويشركونهم في اتخاذ القرارات المهمة. أما هو فيطلب منهم شيئاً واحداً: أن يتبعوه. وقد طرح على الجميع السؤال التالي: إما أن تكونوا معنا أو مع الإرهابيين، ولا خيار ثالثاً لكم.
ثم يردف المؤلف قائلاً:
ولكن بوش على عكس ما نتصور يحاول أن يقيم التوافق بين سياسته والقانون الدولي بقدر الإمكان. بالطبع فإذا كان التوافق متعذراً كما هو عليه الحال فيما يخص حرب العراق فإنه يفضل مصالح أميركا ويستفرد بالقرار ويضرب عرض الحائط بالأمم المتحدة والقانون الدولي وكل شيء.
وهكذا أصبحت أميركا فوق القانون في عهده. فهو يريد أن يمارس جبروته بدون أي عائق لكي يستطيع أن يحقق أهدافه بكل حرية. وذلك لأنه يعرف أن أميركا تمتلك القوة الكافية لسحق معارضيها أينما كانوا. فلماذا إذن يهتم بآراء الأوروبيين أو غير الأوروبيين؟ لو كانوا محله. أو لو كانوا يمتلكون القوة الضاربة لأميركا لفعلوا الشيء نفسه.
يضاف إلى ذلك أن بوش يعتقد أنه لو تساهل مع خصومه بعد ضربة (11) سبتمبر لاتخذوها علامة ضعف أو دلالة على الجبن. وبالتالي فأفضل طريقة لكي يطيعك العالم أو لكي تظل هيبة أميركا محفوظة هو أن ترهب أعداءها وتستخدم القوة الضاربة ضدهم. وهذه هي أفضل طريقة لكيلا تتكرر عملية (11) سبتمبر في رأيه.
فالناس لا يحترمون إلا القوة. وهذا قانون تاريخي صالح لكل العصور والأزمان والامبراطوريات. ربما أن أميركا تمتلك كل أنواع القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، فماذا تحرم نفسها من استخدامها؟!
ويرى بوش أنه لو استخدم الرئيس السابق بيل كلينتون لغة القوة مع جماعة القاعدة والأصوليين منذ الضربة الأولى لمركز التجارة العالمي لما استخفوا بقوة أميركا ولما هاجموها مرة ثانية في 11 سبتمبر وبالتالي فألحت على بيل كلينتون الذي اكتفى بإرسال بعض الصواريخ إلى صحراء أفغانستان كرد على التحرش بأكبر قوة عسكرية في العالم! لقد كان جباناً رعديداً، أما هو فلن يكون.
أما هو، أي بوش الكاوبوي في تكساس فلن ينام على الضيم ولن يسكت على الأذى بعد اليوم، وبدلاً من أن ينحني أمام العاصفة إنه سيرهب الإرهابيين لأنهم لا يفهمون إلا لغة القوة.
هذا هو النابض الحقيقي لسياسة بوش الخارجية، هنا يكمن المحرك الأساسي لكل قراراته وأعماله.
ولهذا السبب فإنه وضع مسألة الحرب الوقائية أو الاستباقية في مقدمة عقيدته الاستراتيجية فأميركا بدءاً من الآن فصاعداً لن تنتظر حتى يضربها عدوها لكي ترد عليه وإنما ستحاول أن تضربه قبل أن يضربها. لا ريب في أن بوش بسياسته المتشددة هذه تبنى المواقع الايديولوجية الأكثر تطرفاً للمحافظين الجدد.
ومعلوم أنه كان بعيداً عنهم ولا يهتم بآرائهم قبل 11 سبتمبر، ولكنه بعد الضربة أصبح واحداً منهم، أو قل أصبح رئيسهم لا أكثر ولا أقل. نقول ذلك ونحن نعلم أن المحافظين الجدد هم الذين نصحوا ريغان باستخدام القوة للاطاحة بامبراطورية الشر:
أي الاتحاد السوفييتي، وهم الذين فكروا منذ عام 1990 بإطاحة نظام صدام عن طريق عمل عسكري كبير. ولكن بيل كلينتون سخر منهم ومن أفكارهم واعتبرهم مجموعة من المهووسين المجانين.
والواقع أنه لولا ضربة 11 سبتمبر لما كان لهم أي حظ في الوصول إلى سدة السياسة الأميركية والإحاطة ببوش من كل الجهات أو إقناعه بصواب اطروحاتهم فيما يخص السياسة الخارجية. ثم يردف المؤلف قائلاً:
ولكن بوش حتى قبل ضربة 11 سبتمبر كان مستعداً للانعطاف بالسياسة الخارجية الأميركية كل هذه الانعطافة الكبرى ثم جاءت الضربة لكي تعطيه الحجة والباعث لكي يقوم بثورته الراديكالية هذه، وبالتالي فيمكن القول إن الظروف تصنع الرجال بقدر ما تصنع الرجال الظروف. وهذا الأمر ينطبق على كل العصور والقادة السياسيين أو العسكريين.
فقبل أن يصبح رئيساً كانت رؤياه للعالم تقوم على الركائز التالية:
1- الولايات المتحدة لن تتدخل في الشؤون العالمية إلا إذا كانت مصالحها الحيوية مهددة.
2- العالم الذي نعيش فيه خطر ومليء بالذئاب، إنه يشبه عالم الغاب والوحوش، وبالتالي فإذا لم تكن وحشاً أكلتك الوحوش!.
3- الولايات المتحدة هي العامل الرئيسي الذي يحرك السياسة الدولية، بعدئذ تجيء أوروبا، والصين، وروسيا، واليابان، والهند، الخ.
4- لكي تستطيع أميركا أن تدافع عن مصالحها الخارجية ينبغي أن تمتلك الإرادة والعزم بالإضافة إلى أكبر قوة عسكرية في العالم.
5- على أميركا ألا تشعر بالخوف تجاه أي جماعة أو قوة أخرى في العالم كائنة من كانت، على العكس ينبغي عليها هي أن تخيف الآخرين لا أن يخيفوها.
هذه هي الملامح العريضة لاستراتيجية بوش، ونلاحظ أنها تعاني من نقاط ضعف كثيرة على الرغم من وجاهتها، فهي لا تأخذ بعين الاعتبار الأسباب الأساسية للأزمات التي يعاني منها عالمنا المعاصر.
*الكتاب: أميركا المطلقة الصلاحيات: ثورة بوش في السياسة الخارجية
*الناشر:جون وايلي وأولاده نيويورك 2005
*الصفحات:259 صفحة من القطع الكبير
AMERICA UNROUND:THE BUSH
REVOLUTION IN FOREIGN POLICY
IVO H. DAALDER
JOHN WILEY AND SONS
NEW YORK 2005
P. 259
