قام ماثيو سميث خلال سنوات طويلة، بل طيلة حوالي ثلاثة عقود، بتحقيقات معمقة حول مقتل الرئيس الأميركي الراحل جون. ف. كيندي، وأيضاً حول «انتحار» أحد أشهر نجوم السينما في تاريخها الطويل، مارلين مونرو..
وقد قادته تحقيقاته التي انطلق فيها من عملية اغتيال جون كيندي يوم 22 نوفمبر 1963 بولاية دالاس، وحيث شارك في كتابين من سلسلة الكتب الطويلة المكرسة لعملية الاغتيال تلك. ثم قادته تحقيقاته،
كما يفصح هو شخصياً إلى محاولة الكشف عن أسرار الاغتيالات والمآسي التي لحقت بأسرة كيندي كلها، مثل اغتيال روبرت كيندي وتحطيم مسيرة الصعود السياسي الذي كان تيد كيندي بدأه، ثم «التخلص» من شهود هذه القضايا كلها، واحداً بعد الآخر، هؤلاء الشهود «المزعجون».
ويرى المؤلف أن كل شيء قد بدأ عام 1961 أثناء ذلك الفشل الذريع الذي عزته عملية الإنزال البحري الذي حضرته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في خليج الخنازير على الشواطئ الكوبية بقصد الإطاحة بنظام فيدل كاسترو المناوئ للولايات المتحدة الأميركية، وكانت انتقادات الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً آنذاك جون كيندي عنيفة ضد الجهاز المركزي لاستخبارات بلاده..
ومنذ ذلك اليوم بدأ يرتسم مصير أسرة كيندي «كلها» ذلك أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي كانت تشكل دولة داخل الدولة، عقدت العزم عندئذ على «الثأر» وهذا ما يمثل الأطروحة الرئيسية في هذا الكتاب.
ويرفض «ماثيو سميث» مقولة «اللعنة» التي أصابت أسرة كيندي إذ «لا شيء يسمح بإيجاد أساس لمثل هذا الرأي من وجهة نظر عقلانية «كما يقول حيث نقرأ: «كانت فرضية وجود خيط يربط بين جميع تلك الأحداث ـ التي عرفتها أسرة كيندي ـ مجرد حدس لدي في البداية، لكنها تأكدت بعد ذلك بطريقة لا رد لها.
وبالتالي لا تعتمد رواية هذا التاريخ المؤلم على مخيلتي وإنما على وقائع. هناك غيري ممن لديهم القناعة أن المآسي المتتالية التي ضربت أسرة كيندي فيها ما يربط بين بعضها، لكنني الوحيد الذي يعتمد على شهادة مباشرة لشخصية كانت متورطة فيما يمكن تسميته بمؤامرة. لقد عملت بالاعتماد على معلومات أخذتها مباشرة من رجل لا يمكن التشكيك باستقامته».
أما الذين يوجه المؤلف أصابع الاتهام لهم فهم «حفنة من الأفراد المصممين على السيطرة على أميركا». كما يقول، ثم يضيف بأنه هناك أيضاً: «أولئك الذين أوكلت لهم مهمة التحقيق، وكان يمكنهم الكشف عن وجود حركة انقلابية لكنهم آثروا خنق الفضيحة،
ولا أعتقد أنه كان هناك تواطؤ إرادي من جانبهم، وإنني آمل أن يساعد هذا الكتاب البعض منهم على الخروج عن صمتهم، وأن يتحدثوا أخيراً عن المؤامرة التي كانت الولايات المتحدة الأميركية ضحية لها في سنوات الستينات المنصرمة و«استخراج السم» من جسدها كحل وحيد من أجل أن يستعيد صحته.
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب لا يتوقف طويلاً عند المصير الذي عرفه «جوي كيندي» فإنه يسهب في شروحاته وتحليلاته حول ما يسميه «التاريخ المخبوء وراء المآسي التي ضربت الأخوة كيندي والذي بدأ قبل فترة وجيزة من وصول جون. ف. كيندي إلى البيت الأبيض خلفاً لـ «دوايت آبزنهاور» وبعد فترة وجيزة من وصول فيدل كاسترو إلى رأس السلطة في كوبا.
وفي تلك الأثناء قدم مجلس الأمن القومي الأميركي عدة اقتراحات من أجل إنشاء لجنة سرية دخلت التاريخ فيما بعد باسم «اللجنة الأميركية من أجل إعداد خطط للإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا».
وكان التوجيه الثاني للجنة 5412 في مجلس الأمن القومي ينص على التركيز على نقاط أربع أساسية هي: ترقب تشكيل حكومة كوبية في المنفى والانطلاق بحملة دعاية كبيرة وإيجاد شبكة عملياتية في الجزيرة ـ كوبا ـ وأخيراً تدريب قوة شبه عسكرية يمكنها دعم المتمردين الكوبيين.
وكان على رأس اللجنة 5412 نائب الرئيس آنذاك ريتشارد نيكسون الذي كان يرى به الكثيرون آنذاك رئيس أميركا القادم. ولم يكن الرئيس دوايت ايزنهاور، المعتل الصحة، يطلع على تفاصيل نوايا وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وإنما كان نيكسون هو الذي يشرف على العملية كلها.
قدمت الوكالة الاستخباراتية خطة للإطاحة بكاسترو إلى ريتشارد نيكسون. وأعطي لها الضوء الأخضر لتجنيد معارضين للنظام الكوبي كانوا يقيمون في المناطق الشاطئية الأميركية.. كانت الخطة تتضمن تدريبهم وتسليحهم وإرسالهم إلى كوبا للشروع بحرب عصابات.. وذلك على خلفية القناعة بأن الجماهير الكوبية لا تنتظر سوى فرصة للانتفاضة والتخلص من كاسترو.
وقد جرى تكليف «آلن دالاس» رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك» بـ «اطلاع» المرشح الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية رغم «القناعة» بعدم فوزه. ولقد أطلعه على توجيه لجنة 5412 دون الخوض في مشاريع غزو الجزيرة.
كانت هناك مفاجأة عامة عند فوز كيندي بالانتخابات الرئاسية ضد نيكسون.. ويومها خرجت «النيويورك تايمز» بعنوان كبير جاء فيه: «كيندي يطلب من المتمردين الكوبيين مساعدته من أجل الإطاحة بكاسترو».
لكن كيندي وجد في الواقع مشروع غزو كوبا على مكتبه عندما وصل إلى البيت الأبيض.
ويرى مؤلف هذا الكتاب انه لم يكن بمقدور كيندي سوى أن ينظر بـ «عين الحذر» على خطة صادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية،
لكن كانت هناك أسباب وجيهة كثيرة لدراستها؛ لاسيما وانه لم يكن يريد إثارة الظنون حول إمكانية محاباته لفيدل كاسترو. وكان الخيار الأسهل هو أن يتصرف مثلما كان المسؤولون في البنتاغون، أي قبول الخطط.
وحاول كيندي أن يوضح موقفه في خطأ شهير يندرج تماماً في نهج آيزنهاور. ومما جاء فيه: «لن تقوم القوات المسلحة الأميركية بأي شكل من الأشكال بالتدخل في كوبا، وسوف تقوم حكومتي ـ أعتقد أن هذه هي مهمتها ـ ببذل كل جهودها للتأكد من عدم مشاركة أي أميركي في العمليات بالجزيرة (...) إن المشكلة الأساسية موجودة في كوبا وليس بين الولايات المتحدة وكوبا. وأنا أنوي السهر من أجل المحافظة على هذا المبدأ واحترامه».
زادت وكالة الاستخبارات المركزية آنذاك من عدد المنفيين الكوبيين المسجلين على قوائم المرشحين للتدريب ليصل عددهم إلى ما بين 1200 و1400 عنصر ينتظرون إشارة الانطلاق، بقي إقناع الرئيس كيندي وكان عليه أن يعطي قراره بسرعة..
وفي الواقع لم يتركوا له الخيار، إذ أفهموه أن الاتحاد السوفييتي (السابق) على وشك القيام بتسليح كوبا وأن طائرات «الميغ» هي في طريقها للوصول إلى كاسترو وبعد تدريب طياريه في روسيا.
وفي النهاية أعطى جون كيندي، مكرهاً إلى هذا الحد أو ذاك، الضوء الأخضر لمشروع غزو كوبا. «وقد كان دون شك القرار السياسي الذي سيأسف على اتخاذه أكثر من أي قرار غيره». انطلقت العملية يوم 17 ابريل 1961 وقد فشلت فشلاً ذريعاً.
وقد قبل كيندي تحمل مسؤولية ذلك الفشل، لكنه استخلص من ذلك الكثير من النتائج التي لم يكن أقلها «الحذر» من الوكالة الاستخباراتية المركزية الأميركية، وبالمقابل رفض استراتيجيو الوكالة أن يولوه ثقتهم بعد ذلك، يقول المؤلف: في الواقع وصلت العلاقات بين الرئيس الأميركي ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك إلى أدنى مستوى لها في أي وقت من الأوقات».
بل وقالت الوكالة ان «الرئيس كان قد وعد بتقديم دعم جوي ولم يف بوعوده عند اللحظة الحاسمة»، لتبدأ حرباً من التصريحات وصلت إلى حد نقل المؤلف عن الرئيس كيندي قوله انه «سوف يقطع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية إرباً إرباً ويلقي بها في مهب الرياح»، باختصار قام جو من الحذر «المتبادل» كانت له نتائجه المأساوية متمثلة في عدة «ضربات».
استهدفت الضربة الأولى «مارلين مونرو» التي أقامت علاقات عاطفية مع الرئيس جون كيندي ثم مع أخيه روبرت كيندي. وكانت «الضربة الثانية» موجهة لجون كيندي الذي اغتيل في ولاية دالاس يوم 22 نوفمبر 1963.
ويلخص المؤلف ما قيل عن العملية كلها بمثل شعبي يقول: «لا تصدق كلمة من كل ما يقال لك وصدق فقط نصف ما تراه»، وهذا ما يريد البرهنة عليه عبر القرائن والبراهين.. وضربة ثالثة استهدفت السناتور روبرت كيندي ومثل شعبي آخر: «ان نصف الحقيقة هي غالباً كذبة كاملة».
*الكتاب:المؤامرة على عائلة كيندي التدمير المبرمج لسلالة
*الناشر: كنسنغتون ـ ميرلاند 2006
*الصفحات:290 صفحة من القطع المتوسط
Conspiracy: the plot
To Stop the Kennedy's
Matthew smith
Kensington - Maryland 2006
p.290

