مؤلفة هذا الكتاب هي الممثلة الأميركية الشهيرة جين فوندا ابنة الممثل الشهير أيضاً: هنري فوندا، وهي تروي فيه قصة حياتها منذ البداية وحتى الآن: أي منذ ولادتها عام 1935. ومعلوم أنها اشتغلت في المسرح والسينما طيلة أربعين سنة وحازت على أكبر الجوائز كالأوسكار وسواه ومثلت مع الكبار من أمثال: آلان ديلون، وطوني بيركنز، وروبرت رودفورد، وعشرات آخرين.
وهي تستشهد في كل فصل من فصول مذكراتها بمقطع نثري أو شعري لأحد الكتاب العالميين الكبار. فمثلاً نلاحظ انها تفتتح الفصل الأول بهذا المقطع الرائع في قصيدة ويليام وردزوورث: «الفراشة».
يقول الشاعر الرومانطيقي الانجليزي الكبير مخاطباً إحدى الفراشات التي حطت على زهرة أمامه: «لا تطيري أرجوك ابقي هنا. ابقي قليلاً، لكي أراك! أرى فيك الكثير من زبدة الجوهر، يا مؤرخة طفولتي»!.
ومعلوم أن ويليام وردز وورث تغنى كثيراً بالطبيعة والفراشات وغير الفراشات. ثم تروي المؤلفة قصة حياتها منذ البداية وكيف انتحرت أمها وهي في عز الشباب، ومدى الجرح العميق الذي حفره هذا الحدث التراجيدي في روحها ونفسيتها.ثم تستشهد هنا بهذه العبارة للروائي الكبير ويليام فولكنز: «الماضي لا يموت أبداً.
إنه حيّ فينا. الماضي لم يمض في الواقع».ثم تردف المؤلفة قائلة: والدليل على ذلك ان انتحار أمي ظل يلاحقني طيلة حياتي كلها، وقد سألت كل من كان يعرفها في ذلك الزمن لكي يقصوا علي قصة حياتها ويقولوا لي كيف كانت في الحياة اليومية.
وتعرفت في إحدى المرات على صديقتها الحميمة ويبدو أنها كانت تبحث عني منذ عشرين سنة لكي تتعرف علي لان أمي كانت تحبها كثيرا وقد قدمت لها العديد من الخدمات.
وأخيرا حصلت على رقم تلفوني وراحت تتحدث لي ساعات وساعات عن أمي. وعندها أغلقت السماعة انهرت على السرير ورحت أبكي وانتحب بقوة ثم تستشهد المؤلفة بهذا الكلام لرنينه ماريما ريلكه: «ومع ذلك فإن كائنات الماضي هذا تظل فينا، انها في أعماق روحنا، انها في نبض دمائنا، انها تضغط على قدرنا. انها تشبه الشيء المندفع من أعماق الزمن والخارج إلى السطح بعد ان كان مدفونا بعمق. «ريلكه.. من رسالة إلى شاعر شاب».
ثم تتحدث جين فوندا عن سفرتها إلى فرنسا وحياتها الباريسية حيث أمضت سنوات عديدة في عاصمة النور. تقول: في أحد الأيام كنا نتعشى في مطعم «مكسيم» الباريسي الشهير الذي لا يعرفه إلا الاغنياء والمشاهير.
وفجأة يدخل علينا رجل جميل جدا وتشع منه أضواء البهجة والابداع: انه كريستيان فاديم الذي طالما أوقع النساء الجميلات في غرامه. ومعلوم انه تزوج منهن جميعا تقريبا: كبريجيت باردو، وكاترين دونوف، وأنا..
ولكني في ذلك الوقت لم أكن أعرفه شخصيا، كنت أسمع بانه اخرج فيلما سينمائيا جريئا جدا تحت عنوان: وهكذا خلق الله المرأة وقد مثلت فيه دور البطلة بريجيت باردو.. وبدءا من تلك اللحظة أصبح «فاديم» الروسي الأصل مخرجا عالميا شهيراً.
ثم ارتبط اسمه بالوجه الجديد للسينما وهي الموجة التي ظهرت في باريس وكان من أعمدتها المخرج جان لوك غودار وقد انتقلت هذه الموجة الى شتى انحاء العالم كما يحصل لكل الصرعات التي تخترعها باريس: انظر السوريالية، والتكعيبية، والوجودية، والبنيوية.. فباريس هي بلدة الموجات الجديدة في الفن والأدب والسينما وكل شيء تقريبا.
ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن عندما رأيت فاديم لأول مرة، عندما جلس معنا على الطاولة كرهته ولم أعجب به على الإطلاق. فقد بدا لي شخصيا مغرورا او بالأحرى لها مغامرا يستولي على ثروات الآخرين بدا لي لصا يريد ان يصل إلى المجد والشهرة والفلوس بأي شكل وربما عن طريق النساء الجميلات اللواتي يتعرف عليهن كبريجيت باردو مثلا. فهو يعرف كيف يستغلهن إلى أقصى حد ممكن.
وما كنت أعرف أنه سيصبح يوماً ما في مركز حياتي، أي سوف يصبح زوجي ووالد ابنتي البكر: فانيسا. وهذا دليل على أنه لا ينبغي أن يخدعنا اللقاء الأول. فقد يبدو سلبياً جداً في البداية ولكنه قد يصبح إيجابياً جداً في النهاية.
ثم تقول جين فوندا بأن المجتمع الأميركي يختلف كثيراً عن المجتمع الفرنسي وبقية المجتمعات الأوروبية، ففي فرنسا تبدو الفوارق الطبقية واضحة جلية بين البورجوازية والارستقراطية، والبروليتاريا (أي طبقة العمال).
تقول المؤلفة بما معناه: في إحدى جولاتي داخل الولايات المتحدة لشرح الأمور للجمهور الأميركي لكي يثور على قادته ويطالبهم بإيقاف الحرب في فيتنام نهض شخص وسط القاعة الضخمة وقال:
أنا محارب قديم في فيتنام ولكني الآن لم أعد في الجيش. نعم لقد ارتكبنا أعمالاً قذرة هناك. وأنا شخصياً اغتصبت عدة نساء من فيتنام بل وقتلت! وعندئذ لم يصدق الجمهور الحاضر ما سمعه وراح الكل يتساءلون: كيف يمكن لشخص طبيعي مثلنا أن يفعل كل هذه الأفعال الشنيعة، فالرجل يبدو عادياً بل وأكثر من عادي.
وهذا دليل على أن الإنسان يتصرف في أثناء الحرب وبدافع من قادته والجو العام بطريقة وحشية لا يمكن أن يقوم بها في الحالة المدنية الطبيعية. فالحرب توجد نوعاً من الشحن الأيديولوجي والعداء المنقطع النظير للطرف الآخر، ويصبح الإنسان شخصاً آخر عندئذ يصبح مستعداً لارتكاب أفظع الأعمال.
ثم ارتفعت أصوات في القاعة تقول له: اسكت، اسكت. فقال: اسمعوني أيها السادة والسيدات. أنتم مرتاحو الضمير أما أنا فسأعيش مع هذه الذكريات طيلة حياتي. أنا ضميري معذب، معذب، ولا أعرف كيف سأعيش إلى نهاية الحياة بعد أن فعلت ما فعلت في فيتنام.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وفي بعض الولايات كنت أتعرض للتهديد بالضرب بل وحاول بعضهم الاقتراب مني والاعتداء علي لأني ضد الحرب في جنوب شرق آسيا. ولكن الشرطة منعتهم في نهاية المطاف. وكانوا يصرخون قائلين: ما علاقتها بالموضوع، هي ممثلة. فلتهتم بفنها وأفلامها أو فلتبق في بيتها ولتشغل نفسها بأشياء أخرى غير السياسة والقضايا العسكرية.
وكانوا بالطبع من اليمين الأميركي المتطرف الذي يطالب بمواصلة الحرب وسحق فيتنام والفيتناميين عن آخر رجل. ثم تحمل الممثلة الشهيرة جين فوندا على قادة أميركا آنذاك من جونسون إلى نيكسون وكيسنغر وتقول بأنهم خدعونا مثلما خدعنا بوش الثاني فيما يخص حرب العراق ووجود أسلحة الدمار الشامل فيه وهي غير موجودة.
ثم تقول بالحرف الواحد: على الرغم من أن الكونغرس فوض نيكسون بوضع حد لهذه الحرب القذرة وعلى الرغم من وعود كسينغر قبيل الانتخابات الرئاسية إلا أن هانوي وهاينونغ ظلتا تتعرضان للقصف الشديد والمكثف من عام 1972 إلى عام 1973.
ولكن القادة العسكريين بفيتنام كانوا عباقرة. فقد أقاموا شبكة من الدفاع المضاد للطيران. وقد كلفتنا غالياً في الأرواح حيث سقط العشرات بل والمئات من سلاح الطيران الأميركي. والأخطر من ذلك هو أن سمعة أميركا تشوهت في كل أنحاء العالم بعد تلك الحرب التي دامت سنوات عديدة.
*الكتاب: قصة حياتي
*الناشر:راندوم هاوس تريد - نيويورك 2006
*الصفحات : 599 صفحة من القطع الكبير
MY LIFE SO FAR
JANE FONDA
RANDOM HOUSE TRADE NEW YORK 2006
P.599

