مؤلف هذا الكتاب هو المؤرخ البريطاني ويليام ه.س.سميث المختص بالتاريخ الفرنسي عموماً، ونابليون بونابرت وسلالته على وجه الخصوص. وهو يقدم هنا صورة عامة ليس فقط عن حياة نابليون نفسه وإنما أيضاً عن عائلته التي شاركته الحكم أو التي حكمت بعده. ولكنه يكرس بالطبع صفحات عديدة للمؤسس الأول الذي لولاه لما كانت هذه سلالة ولا يحزنون.

من المعلوم أن نابليون حكم فرنسا كإمبراطور حتى سقوطه في معركة واترلو الشهيرة عام 1815، التي حدثت قبل قرنين تقريباً إلا بضع سنوات. وكان له ولد ذكر وحيد هو نابليون الثاني ولكنه مات في المنفى، وهو صغير لا يتجاوز العشرين إلا قليلاً. ثم اختفت عائلة نابليون من الساحة ولم تعد تحكم فرنسا حتى ظهور نابليون الثالث عام 1850.

وقد حكم فرنسا مدة عشرين سنة: أي حتى هزيمة فرنسا أمام الجيش الألماني عام 1870، بعدئذ لم يحكم أحد من سلالة نابليون فرنسا. ولكن ظلت السلالة متواصلة أباً عن جد من خلال الأمراء على مدار الأجيال.ثم يقول المؤلف ما معناه: إن لالة نابليون بونابرت أثرت على تاريخ فرنسا كثيراً وتركت بصماتها الكبرى.

وهذه العائلة ليست فرنسية الأصل وإنما إيطالية ومن جزيرة كورسيكا. وقد ولد نابليون بعد سنة واحدة من ضمّ هذه الجزيرة إلى فرنسا. وبالتالي فلو ولد قبل ذلك لما اعتبر فرنسياً! ومع ذلك فإن فرنسا تفتخر به كأحد أمجادها العظمى بالإضافة إلى لويس الرابع عشر أو هنري الرابع أو الجنرال ديغول أو حتى جان دارك.

وقد ولد نابليون في كورسيكا هو وإخوته وأخواته العديدين. وكانت ولادته عام 1769، وأما وفاته فقد حصلت في جزيرة القديسة هيلانة، حيث نفاه الإنجليزي بعد أن قبضوا عليه وأذلْوه، وهو النسر الذي لا يهزم ولا يُذل.. وكانت وفاته عام 1821: أي وهو شاب تقريباً في الثانية والخمسين من عمره.

ولكنه في أثناء حكمه الإمبراطورية ومجده راح يعين إخوته على عروش أوروبا. قد عيّن أخاه جوزيف عى عرش نابولي (أي إيطاليا) وإسبانيا. وعيّن إخوته الباقين على عروش ألمانيا وسواها.

ولكن حكمهم جميعاً إنما بعد هزيمة نابليون وموته. فكيف حصل صعود هذه العائلة المذهل؟ كيف استطاعت أن تتوصل إلى كل هذا المجد وهي عائلة عادية بل وكانت فقيرة؟ كل ذلك يعود إلى عبقرية نابليون كقائد عسكري لا يضاهى، وكقائد سياسي من الطراز الأول.

ثم يردف المؤلف قائلاً: في البداية كان نابليون شاباً فقيراً يبحث عن عمل، ولم يكن يجد ما يريده في جزيرة كورسيكا، حيث ولد وترعرع. ولذلك أرسل والده إلى فرنسا لكي يدخل الكلية العسكرية.

وهكذا تخّرج ضابطاً عام 1787.وعندما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 ساهم فيها بل ولفت إليه الأنظار أثناء حصار طولون التي كانت محتلة من قبل الإنجليزي. فقد استطاع تحرير المدينة من قبضتهم وبرهن على مهارة عسكرية مدهشة. وكان ذلك عام 1793، ولكن تعاطفه مع قضية اليعاقبة أدى إلى السجن بعد سقوط زعيمهم روبسبيير.

ثم خرج من السجن وأصبح تحت قيادة قائد جيش الداخل بول باراس. وقد كلفوه بقمع تمرد الملكيين المضادين للثورة في باريس عام 1795.

ويبدو أن معرفته بالاستراتيجية العسكرية ومهارته في ساح الوغى وكذلك شجاعته، كل ذلك أدى إلى ترفيعه في المناصب العسكرية بسرعة. ثم عينوه على رأس جيش إيطاليا الذي كان في حالة سيئة يرثى لها. ولكن على الرغم من ذلك استطاع تنظيمه وخوض المعارك الظافرة به ضد النمسا.

وهذا ما أذهل جميع المسؤولين في باريس، بدءاً من تلك اللحظة أخذ نجمه يلمع واسمه يشتهر في كل الأوساط السياسية والعسكرية، بل وحتى الشعبية.وعندما عاد إلى باريس مكللاً بالمجد من إيطاليا خافت القيادة السياسية على نفسها منه ومن شعبيته. فقررت إبعاده عن البلاد للتخلص منه.

وهكذا كلفوه بالحملة على مصر وهم يعتقدون بأنه لن يعود منها سالماً. وبالتالي فلا يعود ينافسهم على حكم فرنسا. وقد أخذ معه فريقاً كبيراً من العلماء والمهندسين والأطباء والمفكرين وهم الذين سيدشنون نهضة مصر والعالم العربي لاحقاً عن طريق نقل الحضارة الأوروبية إلى الشرق العتيق الذي كان يغط في نوم عميق آنذاك، لقد أيقظوا مصر من سباتها الطويل وفتحوا عينها على العلم والتكنولوجيا والحضارة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد أن أقام حوالي السنتين في مصر قرر نابليون العودة إلى فرنسا بعد أن سمع بوجود أزمة في الحكم، وصراع على السلطة والنفوذ والمناصب والوجاهات وما إلى ذلك.

لقد عاد لإنقاذ البلاد من الفوضى ومن صراع الأجنحة المختلفة على السلطة، وربما شعر أن لحظته قد حانت للقفز على السلطة وإزاحة كل معارضيه وحساده، وهذا ما فعله عام 1700، وبعد أن استولى على السلطة نصب نفسه بمثابة القنصل الأول لفرنسا. وقد فعل ذلك عن طريق انقلاب عسكري في الواقع.

ثم أجبر النواب أو ممثلي الشعب على اعتماد دستور جديد للبلاد، وهو دستور يخلع المشروعية على استيلائه على السلطة. وبهذا العمل أغلق نابليون مرحلة الثورة الفرنسية وفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد: هي صفحة عائلته الامبراطورية.

وقد برهن نابليون على عبقريته في مجال الحكم وتنظيم شؤون الدولة مثلما أثبت عبقريته سابقاً كقائد عسكري يخوض الحروب الكبرى وينتصر فيها. وهكذا نظم شؤون إدارة الدولة، والنظام الدولي أو القضائي، والنظام المصرفي، وقطاع التربية والتعليم، ولا تزال فرنسا حتى الآن تعيش في بعض تشريعاتها على قانون نابليون.

وهو القانون المدني الذي سنه عام 1809 أي قبل أكثر من مائتي سنة بقليل. وهو الذي أسس بنك فرنسا عام 1801، وهو الذي بنى قوس النصر الموجود في أعلى شارع الشانزليزيه الشهير والذي يزوره السياح بالملايين كل عام تماماً كبرج ايفل. وهو الذي بنى مؤسسات أخرى عديدة ودشن عهد فرنسا الحديثة. وبالتالي فالرجل كان عبقرياً في كل شيء وناجحاً في كل ما يشرع به.

أو قل إن الدنيا كانت تفتح أبوابها أمامه آنذاك فلا يستعصي عليه شيء، والدنيا إذا أقبلت أقبلت، وإذا أدبرت أدبرت. ولكن نابليون لم يصل إلى السلطة بسهولة ولم يكن طريقه مزروعاً بالورود والرياحين. فالواقع انهم حاولوا اغتياله أكثر من مرة. وفي إحدى المرات كادوا أن ينجحوا لولا أن الله نجاه.

وقد جرت في أحد شوارع باريس الضيقة المزدحمة بالبشر، وذهب ضحيتها عشرة من المارة على الأقل. واتهمت السلطات أنصار النظام الملكي المخلوع بها. ولذلك أمر نابليون أجهزته بقمعهم قمعاً شديداً. ثم أرسل قواته لاعتقال وريث العائلة المالكة وأعدمه على الفور.

وهكذا قطع الطريق على أي أمل في عودة العائلة المالكة السابقة إلى الحكم وأفهمهم بأنه سيغتال كل من سيحاولون اغتياله. بل وسيغتال أولادهم وذريتهم. وعندئذ خافوا على أنفسهم وما عادوا ينظمون محاولات الاغتيال لتصفيته.

فالإنسان يخاف على أولاده أكثر مما يخاف على نفسه. ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد محاولة الاغتيال التي كادت أن تودي به نصحه مستشاروه بتأسيس سلالة مالكة لوراثة الحكم بعده إذا ما حصل له مكروه.

وقالوا له بأن هذه هي الطريقة الوحيدة لتأبيد حكمه وحماية مؤسسات الجمهورية الفرنسية الوليدة وقطع الطريق كلياً على عودة النظام الملكي السابق. ولهذا السبب عدل نابليون الدستور لكي يتم انتخابه كامبراطور لكل الفرنسيين ويحل نهائياً محل السلالة المالكة السابقة.

وهكذا توجوه بحضور البابا وأصبح نابليون الأول. وعلى هذا النحو أسس سلالة مالكة ترث الحكم كابراً عن كابر.

وبعد أن خاض نابليون عدة حروب ضد ملوك أوروبا المحافظين الذين لم يقروا له استيلاءه على الحكم والإطاحة بالعائلة المالكة الفرنسية وصل إلى ذروة مجده عام 1810. وأصبح يسيطر على مناطق واسعة في أوروبا بعد أن ضمها إلى فرنسا. ولكن العروش الأوروبية تحالفت كلها ضده واستطاعت أن تهزمه لأول مرة عام 1813.

والواقع انها كانت تريد المحافظة على امتيازاتها ومصالحها ضد قائد الثورة الفرنسية الذي يريد أن ينقل إليها الأفكار الجديدة والثورية. وكانت هي اقطاعية رجعية تعتبر الشعب رعيتها أو ملكاً لها. ودارت عليه الدوائر بعد كل انتصاراته فأخرجوه من التاريخ في معركة واترلو عام 1815.

ولكنه دخل التاريخ كأسطورة ولا يزال، فهذا أحد كبار الفاتحين بالإضافة إلى الإسكندر المقدوني وبعض القادة الآخرين.

*الكتاب: آل بونابرت: تاريخ سلالة

*الناشر: هامبلدون ولندن - لندن 2005

*صفحات: 25 صفحة من القطع الكبير

THE BONABARTES:

THE HISTORY OF ADYNASTY

WILLIAM H.C. SMITH

HAMBLEDON AND LONDON-LONDON 2005

P. 252