* ما الذي شكل مصدر الهام لروايتك «الحفر إلى أميركا»؟ هل تجيئ معرفتك بحياة الأميركيين من أصل إيراني في المقام الأول من تجربتك كزوجة لرجل إيراني أم من الأبحاث قبل أي شيء آخر؟
ـ أتمنى لو أنني كان بمقدوري الزعم بأنني قد تلقيت إلهاماً لكتابة رواية في أي يوم من الأيام. وقد بدأت رواية «الحفر إلى أميركا» بتفكيري في موضوع تبني الأبناء. وهذا الموضوع يثير اهتمامي لأنه درامي للغاية ومفاجئ مقارنة بولادة الصغار. وكون إحدى العائلات التي تقوم بالتبني في الرواية عائلة إيرانية هو منعطف جاء في اللحظة الأخيرة لجعل الكتابة أكثر طرافة.
ولا شيء في كتبي يأتي من الحياة الواقعية، ولكن من المؤكد أن الإيقاع العام لأقارب زوجي الإيرانيين وولعهم بالقصص الجيدة وأسلوب سردهم المتوهج بالحياة وافتتانهم بقضية ما هو أميركي في مواجهة ما هو غير أميركي، كل هذا قد لوَّن المشاهد المتعلقة بعائلة حكيم في الرواية.
* في المشهد الافتتاحي لرواية «الحفر إلى أميركا»، وهو المتعلق بيوم وصول سوزان وجين هو إلى مطار بالتيمور قادمين من كوريا، تبدو الأوصاف التي تقدمينها مفصلة للغاية ومتوهجة بالحياة إلى حد أن القارئ يتلقى الانطباع بأنك قد رأيت بنفسك مثل هذا المشهد.
فهل حدث ذلك؟ وبشكل أكثر عمومية، هل تجدين أن ذاكرتك أو خيالك أكثر عوناً لك في إبداع مشهد روائي جيد؟
ـ شأن الجميع تقريباً، فقد كنت مراقبة مندهشة للعديد من مشاهد الوصول إلى المطارات تلك، ولكن التفاصيل الدقيقة لمشهد الوصول في روايتي يتم إبداعها، والخيال على الدوام هو الذي
اعتمد عليه أكثر من الذاكرة، التي وجدتها متركزة بصورة متقطعة على نحو لا يشكل مصدر عون كبير، وربما تكون لديَّ أبعد الذكريات عن الوضوح فيما يتعلق بشخص ما، ولكن أظافره التي عكف على قضمها تظل باقية معي إلى الأبد وماثلة في ذهني وذاكرتي.
* على الرغم من أن روايتك الجديدة تنتقل إلى منظور جديد، إلا أنها تروي من وجهة نظر شخصية مريم في المقام الأول. وهذه الشخصية جذابة من حيث الطريقة التي تتغير بها وتنفتح قرابة نهاية الرواية. فهل شعرت بأنها الشخصية الأقرب إليك من بين كل شخصيات هذا العمل؟
ـ لقد أحسست بالفعل بالقرب الشديد من شخصية مريم، وذلك على الرغم من أنني ما كان لي أن أتنبأ بذلك بصورة مسبقة. وكما تقول شخصية بيتسي، فإن مريم قد تبدو رهيبة بعض الشيء، ولكن لدى الاقتراب منها فإن المرء يحبها كثيراً.
* تمتلئ رواية «الحفر إلى أميركا» بالحفلات التي تضم العائلات معاً، وهي شبيهة بالحفلات في رواية «عندما كنا كبارا»، والتي تقترن فيها الفرحة بالضغط العصبي النابع من الخلاف العائلي. فهل تجدين نفسك منجذبة للكتابة عن الحفلات؟ وبينما كنت عاكفة على تأليف هذه الرواية، هل لاحظت وجود ارتباطات بين هاتين الروايتين؟
ـ إنني أنسى الكتاب فور انتهائي من تأليفه، وهو ليس بالشيء الجيد على الدوام، حيث يعني ذلك أنني أكرر نفسي أحياناً، وهكذا فإنني لا ألاحظ وجود أي ارتباطات بين هذين العملين. وولعي بمشاهد الحفلات هو ولع نفعي في أحد جوانبه، وهو من جانب آخر يعكس تفكيراً بالتمني، فأنا في الحياة الواقعية أتجنب كلية جميع الحفلات، ولكن بمقدوري على الورق أن أرتاد أفضل الحفلات.
* في مقال لك بعنوان «مازلت عاكفة على التأليف» كتبت ببلاغة عن تحقيق التوازن بين الأمومة والكتابة. على مدار رواياتك السبع عشرة كيف تغيرت حياتك في مجال التأليف؟ هل سببت لك أي رواية متاعب أكثر من غيرها؟ ما هي الرواية التي كانت الأصعب في انجازها؟
ـ أصعب رواية في تأليفها بالنسبة لي كانت روايتي «عشاء في مطعم الحنين للوطن»، وأعتقد أنها أفضل رواياتي أيضاً.
وليس بمقدوري أن أحدد مسبقاً أي كتاب سيثير المتاعب في غمار تأليفه، فبعض الروايات تبرهن عند كل منعطف فيها على صعوبة انجازها، والبعض الآخر يبدو كما لو كان يؤلف نفسه. ولكن بالتأكيد فإن آليات الكتابة من حيث العثور على الوقت والمجال النفسي، أسهل الأن في تدبر أمرها عما كان الأمر عليه من قبل عندما كان أبنائي صغاراً.
* في حوار مع الروائي نك هورنباي أشار إلى روايتك «سائح الصدفة» لدى تعقيبه على «أمركة العالم»، حيث قال: «إنها رواية طريفة ألفتها آن تايلر عام 1985 أو نحو ذلك، وهي ليس لها معنى الآن فشخصيتها المحورية هي شخصية مؤلف لكتب الإرشاد السياحي للأميركيين الحذرين الذين يسافرون إلى الخارج، وهذا يشير إلى عصبيته الشخصية وافتقاره إلى المغامرة.
ولكن الآن يبدو لنا بالطبع أن كل أميركي هو سائح صدفة». ما رأيك في هذا التفسير؟ هل بمقدورك تأليف «سائح الصدفة» الآن؟
ـ بالطبع، يمكنني ذلك. وقبل وقت ليس بالبعيد شاهدت سائحاً أميركياً يلتهم محتويات نيئة من قوقعة بحرية ملتقطة من مياه الساحل التونسي، ونحن بالطبع نعرف النوع الآخر من السياح الأميركيين الذي يسافر حاملاً معه زجاجات من زبدة الفول السوداني من ماركة جيف. وهناك الكثير من الأماكن عل امتداد العالم التي يمكنك فيها أن تبرهني على قدرتك على الاسترخاء أو افتقارك إلى هذه القدرة.
* أشار هورنباي والكثير من الكتاب الآخرين إلى روايتك «عشاء في مطعم الحنين إلى الوطن» باعتبارها مؤثراً قوياً في كتاباتهم. هل هناك كتاب شبان تذكرك كتاباتهم بأعمالك؟ هل تقرأين شيئاً لمؤلف شاب وتحسبين أنك تلمحين تأثيرك عليه؟
ـ لا. هذا لا يحدث لي. فأنا عندما أقرأ أتحول إلى قارئة بالمعنى الخالص، وكل ما أريده هو أن تروي لي قصة، وأريد أن أصدق أنني أعيش تلك القصة، ولا أفكر في التأثيرات أو الأساليب أو أي شيء من اهتمامات المؤلفين.
* سبق لك القول إنك تمرين بما أسميته مرحلة إعادة ملء بعد الانتهاء من رواية من رواياتك. فكم من الوقت تدوم هذه المرحلة عادة؟ وعندما تعودين إلى العمل كيف تبدأين؟ هل تبدأين بوضع خطوط عريضة للعمل أم برسم تاريخ الشخصيات أم بالقفز إلى عملية الكتابة الفعلية مباشرة؟ كم ساعة تعكفين على الكتابة يومياً؟
ـ إنني أقضي حوالي العام بين الانتهاء من رواية وبدء رواية جديدة. وقراري بالبدء في تأليف رواية جديد لا يعدو أن يكون ذلك فحسب، أي أنه قرار، حيث أنني لا أتلقى أي الهامات أبداً. وأنا أقول لنفسي: «آن الأوان للتوقف عن الكسل، وخير لي أن أشرع في كتاب شيء ما»، ثم على امتداد شهر أو نحو ذلك أشرع في تدوين احتمالات يائسة، فأقول: ربما سأكتب عن رجل يفعل كذا وكيت.
أو أقول: «مهلاً، لقد كتبت هذه الفكرة بالفعل! حسنا، لسوف أكتب عن تلك المرأة التي رأيتها في محل البقالة مؤخراً.
ما الذي كانت بسبيلها إلى القيام به على وجه الدقة؟ ما الذي يمكن أن تكون عليه قصتها؟ وبالفعل يبدأ أحد هذه الاحتمالات يعطي ثماره في ذهني، وأقوم بتطوير ما تبدو في البداية حبكة مصطنعة ومطروقة، ثم أكتب صفحة أو صفحتين، سرعان ما تنفتحان على فصول، ثم تنداح الشخصيات في حركتها،
وبعد ذلك أكون علي تمام الاستعداد لتأليف روايتي الجديدة. وقد مال يوم الكتابة بالنسبة لي إلى القصر مع تقدمي في العمر، وذلك على الرغم من أنني يبدو أنني أنجز العدد نفسه من الصفحات. وفي معظم الأحوال فإنني أعكف على الكتابة لمدة تتراوح بين ثلاث إلى أربع ساعات يومياً، وفي بعض الأحيان أقل من ذلك.
والقاعدة الحديدية الصارمة التي أتبعها هي أنني لابد لي أن أحاول، ولابد لي من التوجه إلى الغرفة التي أكتب فيها، والتقاط قلمي في صباح كل يوم من أيام العمل، ولو أنني انتظرت إلى أن أشعر بالميل إلى الكتابة، فلن أكتب أبداً.
محطات في حياة تايلر
* ولدت الروائية الأميركية آن تايلر في منيابوليس بولاية منيسوتا في عام 1941، ونشأت في رالي بنورث كارولينا. وفي التاسعة عشرة من عمرها تخرجت من جامعة ديوك، والتحقت بجامعة كولومبيا للتخصص في الدراسات الروسية.
* قدمت تايلر أول عمل لها في عام 1964، وهو بعنوان «إذا أطل الصباح»، وتفرغت للكتابة الإبداعية في عام 1967، وبدأت مسيرة أعمالها المتتابعة التي حظيت بتقدير القراء والنقاد، وحصلت في عام 1977 على جائزة من الأكاديمية الأميركية على روايتها «ممتلكات دنيوية». وحلقت إلى ذروة عالية من ذرى الشهرة مع صدور روايتها «عشاء في مطعم الحنين إلى الوطن» في 1982.
* فازت روايتها «سائح الصدفة» في عام 1986 بجائزة حلقة نقاد الكتب الوطنية، وتم تحويلها في عام 1988 إلى فيلم من اخراج لورنس كاسدان. وفازت في 1989 بجائزة بولتزر عن روايتها «دروس في التنفس».
*صدرت مؤخراً روايتها السابعة عشرة «الحفر إلى أميركا» وسط حماس القراء والنقاد لها.
