تقدم لنا الروائية الأميركية آن تايلر، فيما يمكن اعتبارها الرواية الأكثر ثراء وعمقاً من بين رواياتها السبع عشرة، رحلة يتم التعمق عبرها في معنى أن يكون المرء أميركيا، حيث نلتقي بصفة خاصة بمريم يزدان التي لابد أنها تصالحت بعد خمسة وثلاثين عاماً في نهاية المطاف مع غربتها.
تلتقي عائلتان بالمصادفة في مطار بالتيمور، هما عائلة دونالدسون التي تحمل كل السمات والصفات الأميركية التقليدية، وعائلة يزدان المؤلفة من ابن مريم الذي استوعبته الحياة الأميركية تماماً وزوجته الأميركية من أصل إيراني التي تتميز بالجاذبية الشديدة.
هاتان العائلتان، اللتان ما كان يمكن أن تلتقيا في غير هذا الظرف، تنتظر كل منهما الطفل الذي تبنته من الخارج، وذلك في أغسطس 1997، حيث تنتظر عائلة دونالد سون الممتدة والمسلحة بكاميرات وأشرطة الفيديو قدوم الطفلة التي تبنتها من كوريا، حيث أصبح التبني تجسيداً للجوع الأميركي إلى الأطفال أو إلى الاتجار في البشر، حسب التعبير الذي تفضله.
وبالمقابل تنتظر عائلة يزدان الطفلة التي تبنتها من طهران، وبعد وصول الطفلتين تدعو بتسي دونالدسون عائلة يزدان إلى «حفلة وصول» كما تسميها، وهي الحفلة التي ستتكرر سنوياً، وتوثق علاقة العائلتين إحداهما بالأخرى.
هكذا فإنه حتى مريم المستقلة بطبيعتها تجد نفسها مندمجة في هذه الطقوس الاحتفالية. ولكن ليس على امتداد الشوط كله، حيث تجد نفسها موضع اهتمام وغزل من جانب أحد رجال عائلة دونالدسون والذي ترمل حديثاً ولايزال يعاني من آثار صدمة رحيل زوجته.
وهكذا فإن أعراف مريم وخصوصيتها وتميزها، كل ذلك يتعرض للتهديد، فهذا الأميركي بامتياز يحتل مجالاً كبيراً بحيث أن حدود حياة مريم المنظمة تماماً تبدو مهددة بالغزو.
وسرعان ما نطل بشكل أكبر على حياة مريم، فهي قد نشأت في طهران أيام حكم الشاه، ولكنها هاجرت إلى أميركا فيما يبدو أنه زواج رتبته عائلتها من طبيب مستقر في بالتيمور، وسرعان ما تواجه متاعب الاندماج في المجتمع الأميركي الذي تظل بعد سنوات طويلة تعتبره ساحة للغربة.
ربما لهذا، على وجه الدقة،
فإنها بعد كل هذه السنوات الطويلة من قدومها إلى بالتيمور تظل تفترض أن كل من يهتم بها من الأميركيين سوف يصنفها في ضوء أصلها الإيراني. ولهذا فإننا سنجدها ترتدي قميصاً رياضياً يحمل كلمة «أجنبية»، التي يفترض آل دونالدسون أنها إشارة إلى فرقة لموسيقى الروك تحمل هذا الاسم، ولكن المقصود هو المعنى المباشر للكلمة من منظور مريم.
وكان من الطبيعي أن يحظى صدور رواية جديدة لروائية في رسوخ آن تايلر وشهرتها باهتمام كبير من النقاد، انعكس فيما كتبوه في كبرى الصحف على ساحلي الأطلسي.
ها هو الناقد رون تشارلز يكتب في صحيفة «واشنطن بوست» مشيراً إلى أن إطلاق رواية جديدة لآن تايلر يشبه وصول صديق قديم، ويشدد على جمع الرواية بين عناصر الجدة والطزاجة وبين كل العناصر المحبوبة في روايات تايلر. ويبرز نجاح المؤلفة في تصور الصدام الثقافي الذي يعاني منه القادمون الجدد إلى أميركا واقترابها من آمال الناس العاديين ومخاوفهم.
ولا تتردد الناقدة تاراً جالاجر في مقال لها في «وول ستريت جورنال» في الإشادة بتايلر وتأكيد أنها تستحق عن جدارة الشهرة التي نالتها باعتبارها روائية قديرة تبرع في نسج خطوط العلاقات الإنسانية.
أما شيرلي كونيللي فهي تعبر عن إعجابها بإبداع آن تايلر بطريقة أخرى على صفحات «نيويورك ديلي نيوز» مشيرة إلى أن كل ما يتطلع إليه قراء روايات تايلر السبع عشرة هو المزيد من إبداعها. وهي تشير بصفة خاصة إلى الشعور المحدد والواضح والصريح بالفقدان والخسارة الذي يتخلل صفحات روايتها الجديدة.
ويقدم الناقد ادم مارس جونز تحليلاً مطولاً في صحيفة «الاوبزرفر» اللندنية، يستهله بالإعراب عن اعتقاده بأن الانتقاد الأساسي الذي يوجه إلى رواية تايلر الجديدة هو أنها تتضمن فهماً أكثر مما ينبغي للعالم الذي تتعرض له. فهذه الرواية من منظوره تمثل عودة من جانب كاتبة كبيرة إلى قالب يبدو من أعمالها الأخيرة أنها قد استنفدت طاقته واشتغلت عليه كثيراً إلى حد الإفراط.
وعلى الرغم من ذلك فإنه يعود إلى الإشادة بخفة نسيج الرواية الجديدة وقدرتها على اجتذاب القارئ، ويرى أن الروائية تنتقل على امتداد الرواية من فصل إلى آخر بخفة رقصة مراوغة، وعلى نحو جميل يجتذب القارئ أياً كان مناط اهتمامه.
وهو يتوقف طويلاً عند شخصية مريم، التي يرى أن الرواية تنتمي إليها، وانها تعد الشخصية الأولى فيها بامتياز، لكنه يرى أن من غير المناسب أن نعرف نحن كقراء أكثر مما تعرف هي كشخصية، ويشير إلى أن الرواية تحتاج إلى الظلال تماماً بقدر احتياج اللوحة إليها.
ويعرب ادم مارس جونز عن اعتقاده بأن شخصية مريم تشكل نجاحاً كبيراً للروائية في رسم الشخصيات ليس بسبب الطابع الغرائبي لهذه الشخصية، وإنما لأنها شخصية مراوغة، وهي ليست ذاتها في أقصى قمم تجلياتها إلا عندما تستعصي على محاولة الإمساك بها، وهي شخصية تقمصية وشديدة البراعة ولكنها ليست شخصية اجتماعية بالمعنى المألوف لدينا. وربما كان كبرياؤها هو نقطة ضعفها.
وهي عندما تعتمر قبعة دراجة نارية وتعجز عن نزعها وبالتالي يتعين عليها ان تزور ابنها وزوجته لمساعدتها فإن الإحساس بأنها تبدو شخصية كوميدية حتى أمام أقاربها يشكل عذاباً حقيقياً بالنسبة لها.
ويلفت نظرنا أن مريم تقاوم أي غواية للعيش في رحاب الماضي، وعندما يغرق أبناء عمومتها في تذكر الماضي واستحضاره، فإنها بالكاد تتعرف هذا الماضي الذي يتحدثون عنه، على الرغم من أنهم قد اشتركوا في العيش تحت آفاقه.
أياً كان الأمر، فإننا نظل في«الحفر إلى أميركا» مع رواية طريفة إلى حد كبير، ومراوغة، وتلقي الضوء على طريقة الحياة الأميركية على نحو ما تبدو من منظورين مختلفين تمام الاختلاف، هما منظور من يولد في أميركا ومن يجيئ إلى سواحلها ربما ليقضي بقية عمره في محاولة التأقلم مع ما يجد نفسه حياله.
في المطار
«في الساعة الثامنة مساء، كان مطار بالتيمور خالياً على وجه التقريب. فالممرات الرمادية الرحبة خاوية، ومنصات الصحف يعمها الظلام، والمقاهي موصدة. ومعظم البوابات اجتازها مسافرو الرحلات الأخيرة. ومنصات الإعلان عن الوصول والمغادرة فيها ليس بها شيء وصفوفها من المقاعد البلاستيكية شاغرة وشبحية المظهر.
لكن بمقدورك أن تسمع طنيناً يتناهى من بعيد، غمغمة توقع وانتظار، في الطرف البعيد من الممر دي. بوسعك أن ترى طفلة منفعلة تدور حول نفسها في وسط الممر ثم أحد الكبار وهو يقبل ليحتضنها ويحملها وهي تضحك سعيدة، خلال العودة إلى منطقة الانتظار. وامرأة قدمت متأخرة عن موعدها مرتدية فستاناً أصفر وهي تندفع نحو البوابة وملء حضنها ورود طويلة الساق».
مقتطف من رواية
«الحفر إلى أميركا»
*الكتاب: الحفر إلى أميركا
*الناشر:الفريد نوف ـ نيويورك 2006
*الصفحات:288 صفحة من القطع المتوسط
Digging to America
Anne Tyler
A. Knopf - N.Y,2006
p.28
