محمد قدري دلال باحث موسيقي، فنان معروف على صعيد الموسيقى العربية الأصيلة ومن أمهر عازفي العود، عرضنا له في ملحق «الكتب» كتاب (شيخ المطربين.. صبري مدلل) الذي رحل يوم الاحد 20 أغسطس الجاري في كتابه هذا «القدود الدينية»، بحث تاريخي وموسيقي في القدود الحلبية،
يعرفنا بحلب ودورها في الحفاظ على التراث الموسيقي، كما عرف عن أهلها وسكانها اهتمامهم بالموسيقى منذ القديم، لا بل إنه اعتبرها (عاصمة للموسيقى الأصيلة حتى يومنا هذا)، بالرغم من حمى الحداثة، إذ أن فيها تياراً قوياً من الجمهور الذواق والمحترفين، يؤكد على ضرورة الحفاظ على التراث الموسيقي على وجه الخصوص، ومما يذكر لحلب أنها كانت مركز امتحان لإمكانات المطربين من الدول المجاورة.
شيء آخر يضاف إلى فضائلها وتفوّقها في التذوّق، أن ما من لحن جميل سمعه أهلها إلا وضمّوه إلى محفوظهم وأضافوه على موروثهم، والجميل أنه قد تنسى في موطنها الأصلي، وتبقى خالدة في ذاكرة حلب الموسيقية.
انتقل تراث حلب الموسيقي من جيل إلى تاليه مشافهة، حتى مع ظهور الكتب المتخصصة، وذلك لاعتقادهم أن الغناء فن سماعي لا يؤخذ إلا من فمّ المعلم حصراً، ولذلك وصل إلينا بحرفيته أو قريباً من الأصل.
ومازالت حلب تعُد الموشح أرقى أنواع المؤلفات الغنائية، وتحافظ على موروثها منه، ويحرص مطربوها ومنشدوها على حفظه وغنائه ضمن وصلات، تتضمن أربعة موشحات كحد أدنى، والموشح من زاويته الأدبية، أسهبت كتب الأدب في تناوله شرحاً وتعريفاً، وكتب المدونات الموسيقية إحصاء وتدويناً، وبعد أن يعرف لنا الموشح،
بقوله: الموشح نصّ لحني على شعر أو زجل، يمتاز لحنه بجودة الصياغة وجزالة الجمل الموسيقية، مع حسن ترابط بينها ووحدة عضوية متينة، إضافة إلى انسجام الجمل اللحنية مع وحدات الإيقاع الذي كون من النوع الأعرج، مهما كان عدد وحداته، ويأتي بأقدم نصين متوارثين في حلب، وشاع غناؤهما فيها، ويذكر ألحانهما ليصل إلى الموشح الديني.
فقد درج الملحنون والمنشدون والمطربون، على (ابتهال أو استغاثة) دعاء للرب وتعداد نعمه، وذاك مديح للموشح الذي تحتوي معانيه على صفات حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم أو تعداد صفاته ومعجزاته، و(توسُّل) عندما يتشفعون أو يتوسلون به لدى الله سبحانه، ومحفوظ المنشدين في حلب من هذا اللون كثير منه القديم والحديث، مجهول الملحن أو معروفه.
والقصيدة شعر فصيح، ينشد أو يغنى ارتجالاً، إلى جانب قصائد أخرى صيغ لها لحن مستقر، وهي في هذه الحالة تشبه الموشح لولا اختلاف النهج وأسلوب التأليف، إضافة إلى اختلافهما في الإيقاع الذي يكون في الموشح طويلاً أو أعرج، أو مركباً على إيقاع التفعيلات العروضية لبحر شعر النص،
بينما في القصيدة الملحنة تأخذ منحى السهولة في الإيقاعات.والقصيدة تنتقى من قصائد الغزل الرفيع، ذات ألفاظ رقيقة، ومعان مؤثرة، وقد تعوّد من يؤدي هذا اللون الجميل، أن يحفظ منها ما تغنّى بها سابقوه، أو أن ينتقي أبياتاً من قصيدة طويلة، ينشدها ارتجالاً حسب ما يحبّه من المعاني الموجودة فيها، وكل يأخذ المعنى الذي يريد. فـ «ليلى» المعشوقة، إما حسناء أو هي الكعبة المشرفة أو الأماكن المقدسة.
وغناء القصيدة ارتجالا من أصعب الألوان الغنائية وأبدعها، فهو يحتاج إلى فصاحة لسان وسلامة إعراب ومخزون لحني وأدبي هائل وذوق رفيع في التلوين والانتقال بين المقامات، ثم يأتي المّوال الحلبي الذي اشتهر شهرة بالغة، نظراً لطريقة غنائه وترتيب جمله اللحنية وأسلوب استخدام المقام، وللألحان المميزة المعروفة والمتداولة التي صاغها المطرب الحلبي أو المنشد ارتجالاً منذ فترة طويلة،
وفي جميع المقامات المتداولة. وتميزه هذا جعله محبوباً ورمزاً وشعاراً لمدينة حلب، وسمّي بأسماء كثيرة منها «سبعاوي» و«بغدادي» و«نعماني» وسواها. والسبعاوي الحلبي مؤلف من سبعة أبيات على البحر البسيط، وباللهجة المحكية، ويتضمن ألفاظاً فصيحة غير معربة،
أما قوافيه فهي الابيات الثلاثة الأولى يستخدم الشاعر حرف روي واحد، وقافية واحدة بطريقة الجناس التام، وتأتي الأبيات الثلاثة التالية بحرف روي آخر وبقافية واحدة (جناس تام)، ثم يعود في البيت السابع إلى القافية الأولى. ويطلقون على ثلاثة الأبيات الثانية (العرجة) والبيت الأخير (الطباق)،
والموّال غنائياً كالقصيدة إذ يرتجله المطرب، ويتصدر القدود الحلبية والأغاني الشعبية، وعلى نفس مقامها، أما الشيء المهم فهو البدايات ونهاية القفلات الداخلية، فالكل يشترك بألفاظ واحدة منها (أمان، يا خيّ، يا يابا أو عيوني) وسواها.
أما الدور فهو شعر باللهجة المصرية المحكية، ليس له قواعد عروضية تضبطه، ولا تنسيق في طول الأبيات وعدد الوحدات العروضية، وبالنسبة للحن فهو ينقسم إلى جزأين تصل بينهما (لازمة) موسيقية صغيرة تشعر بالانتقال إلى جوّ آخر.
يعود تاريخ الدور إلى أوائل القرن التاسع عشر، ولكن تطويره لم يتم إلا على يد ملحنين كبيرين هما: عبدو الحامولي ومحمد عثمان. والدور هو أروع ألوان التأليف الغنائي العربي، لأنه يحتوي على جمل غنائية رفيعة ومترابطة ترابطاً أخاذاً، وانتقالات مقامية عفوية ليس فيها تكلف، لكنها تنم عن جهد تأليفي بالغ.
يعرض المؤلف بعض النصوص للأدوار الزجلية، وبعدها يقدم عرضاً لدور «أصل الغرام نظرة» لمحمد عثمان من مقام (راست). ثم يعرض دور للسيد درويش (ضيعت مستقبل حياتي)، النص لبديع خيري من مقام (بياتي شوري).
والقد في اللغة: القامة والقطع والمقدار، واصطلاحاً أن تصنع شيئاً مقدار شيء آخر. كأن تأخذ نصاً شعرياً أو لحناً آلياً، وتصنع على نصّ الأول أو لحن وإيقاع الثاني ما يوافقهما. وقد تتماثل القافيتان وحرف الروي في كلا النصّين.
ويطلق القد الحلبي على لون من ألوان الغناء، وقالب للتأليف الغنائي، فأنت ترى شعراً رائع الألفاظ رفيع المعاني شائق التراكيب، جميل المحتوى، سهل المتناول، لا يصعب غناؤه على الجماهير، إذ هم يلتقطون ألفاظه ولحنه دون حاجة إلى حِرَفِيَّة من يريد حفظ الموشح وإيقاعه.
تنحو القدود الحلبية (دينيها وغزليها) نحو السهولة، فهي أصلاً أغان شعبية، وتنسحب السهولة أيضاً على الألحان، فهي مؤلفة من جملة موسيقية واحدة، تتكرر في كل مقاطع النص وأدواره، ينطبق هذا على ما ضمه أهالي حلب إلى مخزونهم من أغان شاعت في أوائل القرن العشرين حبّا لها.
ثبت الكتاب الموضوعات والقدود حسب الترتيب الأبجدي وأسماء الشعراء خصّ منها شعراء القدود، يضاف إلى ذلك فهرس خاص للمؤلفات الموسيقية والغنائية وآخر للمصطلحات الأدبية التي وردت في الكتاب.
فيصل خرتش
*الكتاب:القدود الدينية
*الناشر: وزارة الثقافة - دمشق 2006
*الصفحات:536 من القطع المتوسط

